التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

تجارب وابتكارات القرن العشرين في تصميم وبناء الجسور المعلقة

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

كانت عشرينات القرن الماضي زمناً لابتكارات عظيمة وتجارب في تصميم وبناء الجسور المعلقة. في نفس الوقت الذي صمم فيه جسر سيلفر، وبدأ بالتحضير لهيكل توأم من قبل شركة جون غرينر(John Greiner). يقع الجسر على بعد 90 ميلاً باتجاه صعود التيار، ليربط سانت ماريس (St. Marys) في فرجينيا الغربية ونيوبورت (Newport) أوهايو وتمّ افتتاحه عام 1928، ولكن تمّ تفكيكه عام 1971 عندما لم يكن هناك وثوق بأنه لن يعاني نفس مصير جسر سيلفر. (لم يتمّ تفكيك جسر فلوريانوبوليس بعد حادث نهر أوهايو، لأن القضبان ذات العيون الأربعة لكل رابط سلسلة وفّرت درجة أعلى من الفائض وبالتالي قابلية السلسلة على المحافظة على شكلها الهندسي الأساسي حتى عندما يفشل أحد قضبانها.)

تم تشييد ثلاثة جسور مشهودة أخرى بين عام 1924 و1928 في بيتسبرغ (Pittsburgh)، بنسيلفانيا (Pennsylvania)، استخدمت فيها سلسلة القضبان ذات العين، ولكن من دون جملونات مدمجة. وهذه الجسور – جسور الشارع السادس، والسابع، والتاسع، سميت سابقاً بأسماء شخصيات مشهودة من بيتسبرغ – روبرتو كليمنت (Roberto Clemente)، وآندي وارول (Andy Warhol) وراشيل كارسون (Rachel Carson) على التوالي – وتسمّى [هذه الجسور] بالشقيقات الثلاث (Three Sisters). وللجسور هذه ميزة إضافية كونها جسور معلقة من النوع المثبت ذاتياً، ويعني ذلك أن سلاسلها تنتهي عند نهايات العارضات المتصلبة التي تسند الطريق، وقد استُخدم هذا البديل لأن هيئة الفنون لمدينة بيتسبرغ قد توقعت تصميم هياكل "جمالية"، ولم يعتقد المهندسون الذين يعملون مع [إدارة] المدينة للأشغال العامة أن المراسي الضخمة تنسجم مع هذا المحدِّد غير الفني، ومع ذلك، فإن استخدام مبدأ التثبيت الذاتي يعني أن على العارضات المتصلبة أن تكون عميقة وثقيلة بما فيه الكفاية لكي تقاوم القوى الضاغطة الكبيرة المسلطة عليها من قبل السلاسل. فبينما كان هذا مظهراً مقبولاً للجسور في العشرينات من القرن الماضي، بدت فجأة ضعيفة التناسق بسبب أن معايير جمالية الهياكل، التي تتبع الصرعات والأنماط بنفس الطريقة المتبعة في موديلات الملابس والسيارات، قد تغيّرت بالطريقة فجأةً.

الهيكل الذي أسس لجمالية التصميم الجديد هو جسر جورج واشنطن، الذي افتتح عام 1931 ليكون أول مجاز عبر نهر هدسون (Hudson River) بين نيويورك ونيوجرسي، وبالرغم من إضافة طابق منخفض له في بداية الستينات، فقد احتوى الهيكل الأصلي على طابق واحد قليل السمك غير مثقل بجملون متصلب. أظهرت رسومات العرض التي أعدت للجسر عندما كان في مرحلة التصميم الأوليّ، حالات مختلفة من نظامي الحبال السلكية والقضبان ذات العيون، على أن يتمّ الاختيار على أسس اقتصادية، ومهما تكن طريقة البناء، فقد كان من المتوقع أن يصبح الجسر رابطاً مرورياً مهماً في شبكة الطرقات المتنامية التي تصل إلى أعلى مانهاتن عبوراً إلى شمال نيوجرسي ودخولاً في ذلك الجزء من ولاية نيويورك الذي يقع في الجانب الغربي من [نهر] هدسون. لذلك صممت الأساسات والأبراج والحبال والمراسي للجسر في نهاية المطاف لتحمّل طابقين اثنين، ولكن لأسباب الكلفة تم بناء طابق واحد في البداية، ولأن الطابق كان قد بني واسعاً، كذلك توقعاً لكثافة مرور عالية، والذي كان كثيفاً بالضرورة، كان وزنه ثقيلاً؛ وكان المهندسون مقتنعين أن هذه الميزة، والحبال الأربعة الضخمة للهيكل، توفّر صلابة كافية للمجاز ليجعل الجملون غير ضروري. احتوى التصميم الناتج على مجاز رئيس عمقة 10 أقدام وطوله 3.500 قدماً مما جعل الهيكل رشيقاً بحق. وقد حاولت جميع تصاميم الجسور المعلقة تقريباً في ثلاثينات القرن الماضي لاحقاً تبنّي المظهر الرشيق غير المثقل، وفي نهاية العقد انتجت الضروريات الجمالية جسوراً كانت مرنة بحيث إن طبقاتها تمايلت بالرياح وهوى أحدها، جسر تاكوما ناروز، في عام 1940، وبعد هذا الحادث، اضطر المهندسون للتوقّف عن بناء الجسور المعلقة بينما أعادوا التفكير بقضايا السلامة، وشاهدت خمسينات القرن الماضي عودة إلى هياكل أكثر تقليدية وجمالية أكثر عملية.

في نفس الوقت، استمرّ جسر سيلفر وما عاصره من الجسور العالية بتحمّل حركة المرور من دون حادث، على الرغم من أن حركة المرور كانت قد تغيّرت بالحجم والنوع. صمّم جسر سيلفر في زمن عندما كانت السيارة النموذجية هي فورد موديل T (Ford Model T) كان وزنها نحو 1500 باوند، وأثقل شاحنة مسموح لها على طرقات فرجينيا الغربية كان وزنها 20.000 باوند. ولكن، في عام 1967، عندما هوى الجسر، كان متوسط وزن سيارات العائلة التي تستخدم الطرقات السريعة نحو 4000 باوند، ووزن الشاحنات الكلي يربو على 60.000 باوند. ولم يتوقّع مصممو الجسر مضاعفة ما يطلق عليه الحمولة الحية على الجسر ثلاث مرّات، ولحسن الحظ فإن معامل الأمان المتضمن بجسر سيلفر جعله يتحمل الحمولات الأثقل، ولو بهامش أقل. والحقيقة، لو سُئل مصممو [الجسر] إذا كان بإمكان الجسر تحمّل الحمولات المتزايدة، لأبدى [المهندسون] قلقهم، لكن استشارة المهندسين لا تتم بشكل جدّي دائماً حول أمور تجارية مثل وزن المركبة أو قرارات سياسية كحدود تحمّل الخط السريع للوزن.

أجرت [ولاية] غرب فرجييا "فحصاً كاملاً" لجسر سيلفر عام 1951، لكن الفحوصات اللاحقة كانت "بدرجات متفاوتة من الإتقان" وركزت على التصليحات التي أُجريت على طابق الجسر، والمماشي الجانبية والركائز، حيث بدأ الكونكريت فيها بالتآكل بعض الشيء، وتمّ كذلك النظر إلى القضبان ذات العيون ولكن عن بعد "من الطريق بمساعدة المناظير"، ربما بسبب صعوبة الوصول إلى السلاسل من طابق الجسر، وربما بسبب عدم وجود سبب واضح للشك بسلامتها، ويقيناً لم يجرِ أي فحص رصين للجسر للسنوات الستة عشر التالية. انهيار جسر سيلفر الصارخ عام 1967 جعل [الرئيس]، لندون ب. جونسون (Lyndon B. Johnson)، يشكّل فريق مهمة رئاسي عن سلامة الجسر، ترأسه وزير المواصلات. وكان للفريق ثلاث مهمات رئيسية وواضحة: أولاً تحديد سبب فشل الجسر؛ ثانياً التخطيط لبديل للهيكل الساقط؛ وثالثاً النظر في سلامة جسور الأمة بشكل عام. وقد قادت المهمة الأخيرة لإعادة التفكير في السياسات، [ المتعلقة بالجسور]  وفي 1968 طلب الكونغرس من وزير المواصلات إعداد معايير وطنية لفحص الجسور. في 1970، تمّ اعتماد هذه المعايير للجسور التي على الطرق السريعة التي تستلم معونة اتحادية: وفي 1978 تمّ شمول جميع الجسور ذات المجازات الأطول من 20 قدماً على الطرق العامة ومن جميع الأنواع. والتشريع اللاحق الذي صودق عليه عام 1987، بعد فشل الجسر عبر نهر ميانس (Mianus) في كونكتيكات (Connecticut) وجسر سكوهاري كريك (Schoharie Creek) في ولاية نيويورك، اعتمدت وسائل فحص ذات علاقة بشكل خاص "بالانكسار الحرج" (Fracture Critical) وعناصر الجسور التي تحت الماء، وهي الأجزاء التي أدّت مؤخراً إلى حوادث واضحة بشكل كبير. في هذه الأيام، يجب فحص كل جسر طريق سريع أميركي كل سنتين على الأقل، وهذه إحدى التركات الإيجابية لفشل جسر سيلفر.

          كان من الطبيعي، أن أول أمر بعد انهيار جسر سيلفر مباشرة، كان التفتيش عن الناجين من الحادث، ومن ثم انتشال جثث الضحايا، وفي خلال القيام بهذه العملية كانت "تُقطّع أجزاء الجسر وترمى من دون اهتمام بأي شيء سوى إبعاد هذه الأجزاء عن الموقع"، ولحين إنهاء الإنقاذ والانتشال لم يبدأ المهندسون القضائيون مهمتهم لتحديد سبب الفشل، ولتنظيم هذه المهمة، قام مجلس المواصلات لسلامة الجسور (NTSB) بتشكيل ثلاثة فرق محددة: فريق شهود، مسؤوليته جمع الإفادات من الناجين والشهود وتحليلها؛ وفريق تصميم الجسر وتاريخه، وكان مسؤولاً عن تدقيق في تصميم الجسر، والتعديلات، والتحميلات طول عمر الجسر؛ وفريق التحليل البنيوي والفحوصات، وكانت مسؤوليته التحرّي عن مخلفات الجسر والقيام بأية فحوصات مختبرية ضرورية.، وكان على هذه الفرق أن تعمل سوية للوصول إلى نهاية موحدة، بطريقة ليست مختلفة عن الطريقة التي تعمل بها أجزاء الجسر معاً لتشكيل نظام بنيوي.

للوصول إلى سبب انهيار جسر سيلفر لا بدّ من التغلب على عوائق متعددة، ليس أقلها، حقيقة أن الجزء الأعظم من الهيكل الكلّي مغمور بالماء، وبعضه كان يعيق مسارات السفن، وإثر أية كارثة بنيوية، يكون من المهم تسجيل تشكيلة المخلفات واسترجاع ما يمكن المحافظة عليه من، الأجزاء المختلفة، والمحافظة عليها من دون أن تتعرض إلى أضرار إضافية، وبالطبع القول أسهل من التطبيق عندما تكون هناك قطع فولاذية كبيرة، ولأن إعادة فتح النهر لحركة مرور القوارب والعبّارات بأسرع وقت ممكن مسالة ضرورية بقيت في حالة جسر سيلفر، "تمّ جمع المخلفات وإلقاؤها" في حقل مساحته 27 فداناً بجانب النهر، حيث بقيت هناك لحين تنظيمها وتدقيقها، وبعد الصدمة المبدئية للحادث، اتخذ المحقّقون القرار الحكيم بإعداد سجل من الصور لكل قطعة تم انتشالها من الماء، إذ يفيد ذلك لاحقاً في فهم ما سقط فوق ماذا، وهي معلومات ثمينة للوصول إلى تسلسل الانهيار، وهناك وسائل مساعدة أخرى جرّاء وضع الأنقاض في المكان المناسب ودلائل توفرت من خلال أشياء مثل سيل قطرات الدهان، التي تؤشّر بطبيعة الحال إلى الاتجاه الذي أثرت به الجاذبية في الأجزاء عندما كانت في موقعها على الجسر، والتي كان يمكن استخدامها لتصوّر سلسلة الربط الصحيحة، على الرغم من تعدّد التناسقات الهندسية فيها، ومع ذلك، تستغرق عملية إعادة تجميع قطع الجسر المنتشلة ما يقارب الوقت الذي استغرق لبناء الجسر في المقام الأول.

بنفس درجة أهمية الإثبات المادي للفشل، يمكن أن توفر إفادات شهود العيان الذين كانوا قرب مشهد الحادث عند حدوثه بصائر ثمينة لسلوك الهيكل مباشرة قبل وخلال انهياره، وللأسف، يختلف ما يتذكّره الأشخاص بشكل واسع لما رأوه وكيفية ربط تجربتهم. فمقابلة الشهود ومحاولة ربط [إفاداتهم] بعضها ببعض للوصول إلى رواية متناسقة لكيفية بدء الفشل وكيفية تقدمه يمكن أن تكون مهمة شاقة. بعد أسابيع مما وصف بأنه "أفجع حادث جسر مرور سريع في تاريخ الولايات المتحدة" تم التصريح بأنه، إلى ذلك الوقت "لم يتفق شاهدا عيان اثنان حول تسلسل الأحداث بالضبط خلال الانهيار". قال أحد الناجين من كارثة جسر سيلفر "لقد انتهى كل شيء بثوانٍ"، بينما ذكرت رواية لاحقة إن "الانهيار حدث خلال ما يقرب 60 ثانية". وروت الأخبار المبكرة أن 31 سيارة سقطت في الماء المتجمّد، وقُدر عدد الضحايا بأنه ليس إلا "قليل". وقالت مصادر أخرى إن 75 عجلة على الأقل هوت مع الجسر. فالتباين بين الأخبار الآنية [في الحوادث] أمر شائع، لكن هناك ميل أن تجد هذه الأخبار طريقها إلى التقارير والدراسات اللاحقة، مما يجعل إعادة تشكيل التفاصيل مربكاً في أحسن الحالات.

الاحتمال الذي روى أن صوتاً عالياً دالّ على انفجار سبق، أو صاحب، انهيار الجسر جعل فرقة من آليات الجيش تتحرّى بدقة للتأكد من دلائل حول حالة العجلات التي انتشلت من النهر. تمّ كذلك فحص قطع الهيكل المنتشلة من النهر حول وجود أضرار قد تؤشّر إلى استخدام متفجرات لهذا الغرض، ولم يُكتشف شيء، واعتقد شهود آخرون أنهم سمعوا صوتاً مدوّياً. ربما لأن الاهتزازات المصاحبة لأحداث كهذه معروف عنها أنها تشظّي زجاج النوافذ، لذا وجب الأخذ بالاعتبار احتمال أن الجسر – الذي كانت سمعته أنه هيكل متأرجح – قد وصل بشكل أو آخر إلى [حالة] الاهتزاز الهدّام (Destructive Vibration) من خلال الصوت المدوّي، وقد استبعد لاحقاً هذا [الاحتمال] أيضاً كونه سبب غير معتمد للانهيار.

إحدى النظريات المبكرة والغامضة هي أن شيئاً "ساحقاً قد حدث للهيكل في الليلة قبل الانهيار، استناداً إلى تقارير [تقول] إن الأعداد الكبيرة من الطيور الجاثمة على الجسر هجرت أماكنها في ذلك الوقت". وهذه الفكرة قد أعطت بعض المصداقية، بسبب الخرافة التي تقول إن الأعداد الكبيرة من الطيور المتجمهرة على جسر قيد الإنشاء يعني أن الهيكل سيكون آمناً ويقاوم أي اختبار يُجرى عليه. فإذا كان ذلك صحيحاً، فيتبع ذلك أن هجرة الطيور للجسر كأسراب قد يشير بأن الهيكل قد فقد، أو أنه قريب من أن يفقد، بعضاً من متانته، ربما لغاية نقطة الانهيار.

لم يعطِ محققو فشل جسر سيلفر شيئاً يذكر من المصداقية لنظرية الطيور، ولكن حظيَ هذا الموضوع قبل نصف قرن بكثير من النقاش. في 1907، كان جسر كوينزبورو (Queensboro Bridge) قيد التشييد في مدينة نيويورك عندما هوى جسر كيبك (Quebec Bridge) الذي كان أيضاً قيد الإنشاء، وبما أن هيكل كلا الجسرين كان من النوع الناتئ (Cantilever)، لذا أصبح موضوع سلامة جسر كوينزبورو قيد تمحيص معتبر، ولكن اعتبرت أسراب الحمام والعصافير والبط الجاثمة على الهيكل الضخم كل ليلة دليلاً على متانته. استذكر مهندس كوينزبورو، إدوارد أ. سنكلير (Edward E. Sinclair) أنه خلال خبرة 20 سنة في بناء الجسور لم يرى أعداداً كبيرة من الطيور كهذه على أي هيكل آخر من الهياكل التي عمل عليها، واقتبس سنكلير من عالم للطيور قوله إن "الطيور بأسراب كبيرة لا تحطّ على هياكل ضعيفة"، وكذلك ذكر قصة رديارد كبلينغ (Rudyard Kipling) "بنّاؤو الجسر" (The Bridge Builders) كمصدر مرجعي للاعتقاد بأن الطيور على جسر قيد الإنشاء كانت دلالة على أن [الجسر] سيجتاز الاختبارات كافة. (لم أستطع أن أجد أي إشارة من هذا النوع في قصة كبلينغ). في ذلك الوقت، انتقد زملاء مهندسون سنكلير لكونه مؤمن بالخرافات، لكنه دافع عن موقفه في رسالة لرئيس تحرير النيويورك تايمز، بيّن فيها أن الجرائد في كيبك لاحظت غياب الطيور عن هيكل المدينة المشؤوم، واعتقد سنكلير أن للحيوانات "نوع من المَلَكة الحدسية" بخصوص سلامة الهياكل، واعترف، مع ذلك، أنه كان سيفضّل "الصمت الخفي" (Discrete Silence) حول الموضوع، لو كان يعلم أنه سيسبّب "نقاشاً لاذعاً جداً" كما حصل في نادي المهندسين.

إذا لم يكن بالإمكان ربط فشل جسر سيلفر بطيران الطيور، فيمكن إيجاد تفسير ما في مكان آخر. ومكان آخر كانت أسطورة لعنة الزعيم كورن ستوك (Curse of Chief Cornstalk)، التي هي جزء من المعرفة التقليدية المحلية من أيام الثورة الأميركية. خلال الصراع، كان كورن ستوك زعيماً لمجموعة من القبائل الهندية، وفي 1774 قاد مجموعة حرب في هجوم ضد فرقة من الفيرجينيين.

خلال ما أصبحت تسمّى معركة بوينت بليزانت، بدى واضحاً أن كورن ستوك وقواته لا يمكنها أن تنتصر، لذا سأل رجاله إن كانت لديهم رغبة في القتال حتى الموت أو الاستسلام. فاختاروا الأخير [الاستسلام]، لكن كورن ستوك لم ينس الهزيمة. بعد ثلاث سنوات من المعركة عندما كان على فراش الموت وضع [كورن ستوك] لعنة على بوينت بليزانت وما حولها، ومهما حصل من أمور سيئة بعد ذلك، بما في ذلك انهيار جسر سيلفر، وضع اللوم فيه على لعنة كورن ستوك.

          يتكون جوهر التحقيق الموضوعي للفشل وتحليله من تأطير فرضية معقولة تقود إلى فهم ما حصل بالضبط، وكما في أي انهيار بنيوي درامي، وقبل إزالة القطعة الأخيرة من الأنقاض، هناك العديد من التكهّنات المبكرة حول ما الذي تسبّب في بدء الفشل البنيوي الذي أدّى إلى سقوط جسر سيلفر. فقد عرض بروفسور من جامعة كارنيغي ميلون (Carnegie Mellon) أن الجسر قد تحمّل حركة مرور فوق طاقته، ولهذا السبب سقط. وعلى الرغم من حقيقة أن الحادث حدث خلال ساعة الذروة، لكن الجسر كان قد اكتظّ بشكل مماثل، وأكثر من ذلك، في مناسبات عديدة سابقة. كذلك، وكما الحال في جسور الطرقات السريعة، وبسبب أن الشاحنات العابرة لجسر سيلفر قد ازداد وزنها بشكل ملحوظ مقارنة بالزمن الذي صمم به، فالهيكل كان يتعرّض بشكل متزايد لحمولات ثقيلة، ولأن الجسر قد حُمّل لسعته القصوى عدة مرات قبل الحادث، من المفروض أن يكون قد حدث شيء مختلف في ظروف ليلة الفشل، ولم يكن واضحاً مباشرة هذا الشيء.

وضعت مقالة نشرت في مجلة بوبيلار ساينس (Popular Science) [العلوم الشعبية] اللوم بالنسبة إلى "أسوأ كارثة في المرور السريع" على "سمات التصميم الراديكالية"، وبالأخص استخدام سلاسل القضبان ذات العيون، وبحسب ما نسب إلى مهندس في المقالة "إذا ذهب [فشل] رابط واحد في السلسلة فجميع [الروابط] ستذهب". ولا يحتاج فهم ذلك إلى مهندس "بالطبع"، لكن في الحقيقة إن في جميع الهياكل رابطاً مجازياً أضعف، وهدف التصميم التأكّد أن هذا الرابط متين بما فيه الكفاية لكي لا ينكسر تحت حمولات وظروف تشغيل متوقّعة. كان التحدي بالنسبة لفريق المهمة الذي قام بالتحقيق في انهيار جسر سيلفر هو تشخيص الرابط الضعيف الحقيقي أو المجازي الذي انكسر وأدّى إلى انهيار الجسر في النهر – ولتوضيح لماذا انكسر هذا الرابط بالذات عندما انكسر.

هناك عدد من مفاتيح الحل. بما أن الجسر قد انهار بكامله، فإن تسلسل الأحداث قد تسارع من خلال حدوث فشل جزء، أو في مكوّن، بنيوي رئيسي، كأساس، أو ركيزة، أو برج، أو مرسى، أو سلسلة تعليق. بالنسبة للركائز التي وجدت قائمة تبين أنها بحالة سليمة، وكما بين الغطاسون فإن الأساسات لم تكن عليها علامات تأثر أو ضرر. كذلك حافظت الركائز على استقامتها مما استبعد أي انزياح للهيكل الكلي. وحافظت المراسي على شكلها الصحيح لكن الأبراج "تفتت" خلال الانهيار. لذا أصبحت الأبراج والسلاسل المراكز الهامة للتحري التفصيلي. ولكن ما الذي فشل أولاً؟ أين وقعت الحادثة الأولى؟ الجواب ليس سهلاً الوصول إليه في حالات كهذه، وحسب إدوارد ج. دونيلي (Edward J. Donnelley)، وهو شريك في شركة التصميم غرينر، الذي لم يتم بناء نسخة الحبال السلكية للجسر بناء عليه، "إن من الصعوبة الفصل بين السبب الرئيسي للفشل والأسباب الثانوية".

أشّرت تشكيلة مهمة لحطام الجسر إلى "البندقية المدخِّنة" [مصدر الفشل]. فقد سقطت سلسلة القضبان ذات العين النازلة على الجانب الصاعد من الجسر وهبطت فوق السلسلة على ذلك الجانب من الهيكل. ذلك يوحي بقوة إلى أن السلسلة في الأسفل هي التي انكسرت أولاً، وأدّت إلى اختلال توازن الجسر بشكل كلي، مما أدّى إلى سقوط ذلك الجانب من جسم الطريق، وسحب الجانب الآخر من الجسر ليقع فوقه، ويتوافق هذا السيناريو مع عدد من خصائص طابق الجسر واستخداماته. من المفروض، في الأصل، أن يكون للجسر ثلاثة مسارب للمرور، لكن تم تحويل المسرب النازل إلى مسرب جانبي للمشاة، ويعني ذلك أنه في ظلّ الظروف الاعتيادية لحركة المرور ستتحمّل السلسلة الصاعدة حملاً أكبر من مرادفتها على الممشى الجانبي، وبافتراض أن السلسلتين كانتا بنفس القوة عندما تم تركيبهما، لذا ستكون السلسلة التي تتحمّل الثقل الأكبر هي التي كان من المتوقع أن تنكسر أولاً، ربما بسبب تعب الإجهاد. إضافة لذلك، فمن بين السلاسل الساقطة كان هناك رابط قضيب واحد ليس في محلّه الصحيح، وقد أُثبت أن ذلك الرابط كان هو الحلقة الأضعف.

بعد أقل من عشرة أشهر من الحادث، أصدر فريق المهمة لسلامة الجسر تقريراً تمهيدياً، تم فيه تحديد ما تسبّب ببدء حادث الانهيار كشقّ عبر عين القضيب غير السوي الذي في السلسلة الصاعدة. ووجدت كذلك أجزاء أخرى مكسورة في هيكل الجسر، وبيّن التقرير أنه بالرغم من أن "أغلبية الشقوق لا تحوي العلامات الكلاسيكية لخصائص تعب الإجهاد، لكن سيتم التحري عن الاحتمال في المختبر"، وكان من المتوقّع أن تستغرق الفحوصات المختبرية تسعة أشهر أخرى على الأقل، وهذا أمر مفهوم، حيث إن فحوصات التعب تستغرق عادة وقتاً طويلاً، وكان هناك حاجة لمحاكاة ظروف الشاحنات التي تعبر الجسر خلال الأربعين سنة من عمره، أي ما يقارب 10 ملايين دورة من التحميل والتفريغ على عينات الأختبار. إضافة إلى ذلك، لم يتم النظر في احتمال أن يكون التآكل قد لعب دوراً في الفشل، وكما لاحظ المهندس القضائي أبا ليشتنشتاين (Abba Lichtenstien) في روايته عن انهيار جسر سيلفر بمناسبة السنة الخامسة والعشرين، إن "من المعتاد أن تعطل أشياء متعدّدة في نفس الوقت لتؤدي إلى انهيار".

في عشرينيات القرن الماضي عندما صُمّم جسر سيلفر، كان لدى المهندسين معلومات محدودة حول طبيعة تعب الإجهاد المعدني، وأعطت صناعة بناء الجسور اهتماماً قليلاً لاحتمال الشقّ الهشّ، الذي يحدث مع تنبيه بسيط أو من دونه، والظاهرة معروفة لكل من شاهد موظف مخزن الخردوات يقص قطعة من زجاج الشبابيك للحجم المطلوب من طريق خدش جانب واحد من القطعة ثم ثنيها بعيداً عن الخدش، وتتم العملية بسرعة ومن دون إحداث حركة أو صوت مسبق للمادة من النوع المتعارف عليه عند كسر قطعة خشب منشورة جزئياً. لنتذكّر أن الشقّ الهش كان مسؤولاً عن انهيار جسور للسكك الحديد في القرن التاسع عشر مثل [جسر] دي، وكذلك الفتق الفجائي عام 1919 لصهريج للخزن أغرق [مدينة] بوسطن بالدبس، وتحطم سفن لبيرتي الملحومة خلال الحرب العالمية الثانية، وانفجار طائرات كومت النفاثة في الهواء في أواسط خمسينات القرن الماضي. لكن انهيار جسر سيلفر عام 1967 أعطى لمصممي الجسور الفولاذية سبباً ملحاً من جديد لمعرفة المزيد عن التهديد المخاتل لسلامة هياكلهم التي تكون عند ذلك رشيقة ومخلصة.

لاحظ جون بينيت (John Bennett) من المكتب الوطني للمعايير (National Bureau of Standards) عند فحصه الدقيق لسطح الشق الهش للقضيب ذي العين، المشكوك في أمره في جسر سيلفر، هناك جزئين متميزين. جزء ذو مقطع 8/1× 4/1 إنش طولاً مغطىً بقشرة سميكة من الصدأ؛ والمتبقّي من سطح الشق كان عليه طبقة خفيفة فقط من الصدأ، يفترض أنها جاءت من انغمارها في النهر لفترة قصيرة. اعتقاد بينيت أن الجزء الأصغر، الأكثر صدأً يمثّل شقّاً تنامى عبر فترة طويلة من الزمن يعود إلى عيب تصنيعي صغير جداً، والآلية التي تطور بموجبها من عيب إلى خللٍ كان عبارة عن اتحاد بين الأثقال المركزة المتكرّرة والتآكل الذي ساعد في تمدد الشق في المعدن. وقد عرفت هذه العملية بعد ذلك بتآكل الشد ونمو الشق بسبب تعب إجهاد التآكل؛ فالأول باعتباره تآكلاً متسارعاً بسبب الشد، والثاني نمو الشق المتسارع بسبب التآكل. عندما وصل الشق في القضيب ذي العين إلى حجم حرج، رغماً عن صغره، وتعدت الحمولة التي على سلسلة الجسر متانة الرابط الضعيف، حصل شقّ هش فجائي على جانب عين القضيب الذي يحتوي على الشق. وأدّى هذا بدوره إلى زحف الحمولة الذي كان يحملها القضيب إلى الجانب الآخر (السليم) من العين وأدّى إلى كسره بطريقة غير هشّة، وبانكسار العين وانفتاحها فقد الوتر الذي يربط رابط السلسلة المكسورة بجارتها استقامته وسمح للقضيب الآخر في الرابط أن يسقط، مما أدّى إلى قطع السلسلة، ومن خلال ذلك استمر الانهيار الهيكلي الكامل بالتقدّم، وقد أكّدت الفحوصات المختبرية التي قام بها فريق المهمة لسلامة الجسر معقولية هذه الفرضية.

أصدر فريق المهمة تقريره النهائي بعد أكثر من سنتين بقليل من أصدار التقرير التمهيدي – وبعد ثلاث سنوات ويوم واحد من الانهيار، ولم يحمل [التقرير] مفاجآت حقيقية. بل، تضمّن بالأحرى سرداً منهجياً لحقائق القضية التي كانت قد أصبحت معروفة، ووصفاً للتحليلات التي أُجريت لتأكيد سبب الفشل، مع بعض الاستنتاجات والتوصيات، واحتوى التقرير على عدد كبير من الرسوم والصور والخطوط البيانية الداعمة، بعضها ركّزت على روابط ومفاصل جملونات محدّدة باستخدام خطّة نظامية لتمييز الحروف والأرقام. احتوى قسم التحليل، من بين أمور أخرى، تقريراً للتحليل الكيميائي والميكانيكي لفولاذ القضبان ذات العيون؛ ومقارنة بين الأحمال الفعلية على الجسر والأحمال المفترضة؛ ووصفاً "لآلية الانهيار كما تم تقريره من خلال عملية استبعاد [الخيارات غير المحتملة] (Process of Elimination)"، وتم احتواء لبّ التقرير في قسم مختصر بشكل ملفت عنوانه ببساطة "السبب" والذي جاء فيه: "وجد مجلس السلامة أن سبب انهيار الجسر هو شق أخدودي في الطرف الأسفل من عين القضيب 330 من المفصل C13N من سلسلة القضبان الشمالية في جانب امتداد أوهايو. شق الهيكل جاء بسبب الفعل المشترك لتآكل الشد وتعب إجهاد التآكل". وبدون تفاصيل إضافية سرد التقرير ثلاثة "أسباب مساعدة":

  1. في عام 1927، عندما صُمِّم الجسر، لم تكن معروفة ظاهرة تآكل الشد وتآكل تعب الإجهاد في أصناف مواد الجسور المستخدمة في ظل ظروف مكشوفة متعارف عليها عادة في مناطق ريفية.
  2. لم يكن الوصول لمواقع الخلل ممكناً لفحص بالمشاهدة.
  3. لم يكن بالإمكان اكتشاف الخلل من خلال أي طريقة فحص معروفة في واقع الحال الفني اليوم [1970] من دون تفكيك مفصل القضيب ذي العين.

من الدلالة ما لم يقم مجلس السلامة بإدراجة كسبب (أو، لاحقاً باستخدام مصطلح مجلس السلامة "سبب محتمل")، أو حتى سبب مساهم: لم يكن هناك ذكر للإهمال من جانب مصمّمي الهيكل. لقد تمّت تبرئتهم ضمنياً بملاحظة، أن تآكل الشدّ وتآكل التعب الإجهادي لم يكن متوقّعاً في نوع الفولاذ الذي استخدم في القضبان في الفترة الزمنية لتصميم الجسر. إضافة لذلك، تمّ إعفاء المسؤولين عن فحص وصيانة الجسر من مسؤولياتهم، لأن الخلل الكارثي لم يكن ممكناً اكتشافه فعلياً، واستذكاراً، لم تكن فكرة جيدة استخدام تفاصيل رابط لا يمكن فحصه بين القضبان، ولا كذلك استخدام قضيبين فقط لكل رابط سلسلة. لكن ما لا يعتبر تصميماً جيداً ليس مرادفاً بالضبط لتصميم سيىء. فلو تم استخدام مواد للقضبان أكثر مقاومة للتآكل والانكسار، لربما كان جسر سيلفر قائماً لهذا اليوم. إنها إدراك ما بعد الحقيقة بأن القضيب الفولاذي معرض للتآكل وانكسار التعب الإجهادي، إضافة إلى حقيقة أنه لا يمكن فحص مفاصل روابط السلسلة، وهذا ما أدّى، بالطبع، إلى إغلاق، وبعد ذلك، تفكيك الهيكل التوأم، جسر سانت ماريس (St. Marys Bridge).

ختم التقرير بتوصيات، عالجت عن قرب المحدِّدات التي ساهمت بسبب الفشل. بالأخص وجَّه التقرير توصية إلى وزير المواصلات لإحداث برامج بحثية حول: المواد ذات القابلية لتنامي الخلل البطيء فيها؛ والحجم الحرج للخلل؛ وأجهزة الفحص؛ وإجراءات تحليلية للتعرّف على مواقع الخلل في الهياكل؛ وتطوير المعايير؛ وأساليب لإصلاح الجسور العاطلة؛ واكتساب معرفة إضافية حول التحميل والعمر المتوقّع للجسور، وأوصى التقرير كذلك إجراء اختبارات سلامة إجبارية، وكذلك معونة اتحادية لإصلاح جميع جسور الدولة، وليس فقط تلك التي تقع ضمن برامج مساعدة طرق المرور السريع الاتحادية. هذه هي التركة المميزة الأهم لما سمي "أسوأ كارثة جسر في البلد".

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق