التاريخ

بدايات نشوء الحبوب والمحاصيل الأخرى لدى الشعوب قديماً

2016 أصل العلوم ما قبل التاريخ

جون كلارك مع مايكل ألابي وإيمي جان بيير

KFAS

التاريخ الأحافير وحياة ما قبل التاريخ

هناك ما يربو على 75,000 صنفٍ من النباتات القابلة للأكل في العالم، لكن 60 % من غذاء العالم مصدره ثلاثة أنواع فقط: القمح والذرة والأرز.

تطور الإنسان كصائد وجامع. فأسلافنا اعتمدوا في غذائهم على جمع المواد النباتية البرية، لكن النباتات البرية تشكل اليوم نسبة ضئيلة مما نأكل.

وتختلف النباتات المزروعة عن البرية بأن الأولى مرت بفترة من التطور السريع استجابة للاختيار الاصطناعي للإنسان نفسه.

فالخصائص المفضلة لدينا – مثل كبر الحجم والطعم وغزارة الإنتاج – تختلف عن الخصائص التي يفضلها الانتخاب الطبيعي، وبذلك فإن غالبية المحاصيل المزروعة تعتمد كلياً في بقائها على الإنسان نفسه.

لعل الخطوات الأولى في الزراعة تضمنت وعياً بالحاجة إلى الاستدامة. فجامعو النباتات أدركوا أن الحفر وأكل النبات كاملاً يعني القضاء عليها بشكل نهائي. لكن، إن أبقوا على بعض النباتات أو انتظروا حتى تلقي ببذورها قبل حصادها، فإن بإمكانهم العودة مستقبلاً للحصول على المزيد منها.

 

ومن بين صعوبات الاعتماد على النباتات البرية للغذاء انتشارها على رقعة واسعة ووجود المفيد منها مختلطاً مع الأقل فائدة.

ويبدو أن أولى محاولات الزراعة كانت في الشرق الأوسط قبل حوالي ١٠,٠٠٠ إلى ١١,٠٠٠ سنة (٩٠٠٠ – ٨٠٠٠ ق.م.) وذلك في المنطقة المعروفة بالهلال الخصيب التي تمتد من دلتا النيل حتى السواحل الشمالية للبحر الأبيض المتوسط وعبر العراق وحتى الخليج العربي.

فقد بدأ الناس ببذر حبوب الشعير البري والقمح البري، التي جمعوها قريباً من منازلهم بهدف توفير الحبوب للسنة التالية. كما أن هناك دلائل تشير إلى أن زراعة الأرز بدأت في الصين في حوالي عام ٦٥٠٠ ق.م.، أو بعد ذلك بقليل.

وقد أدى التحول من حياة الجمع والالتقاط إلى الزراعة إلى هجر الإنسان أسلوب حياة الصيد والجمع لصالح حياة أكثر استقراراً وأكثر اطمئناناً بالمستقبل، وبذلك أضحت الحياة أكثر أمانا.

وفيما يتعلق بالقمح، فقد أدى التهجين الطبيعي إلى إنتاج نوعٍ منه أحادي الحبة يتميز بثباتٍ غير عادي.

 

فبذور القمح البري الطبيعي هشة غير ملتصقة مما يجعلها تتناثر بسهوله. ومثل هذه الخاصية مفيدة للنبات البري إذ تساعد على انتشار الحبوب. لكن فيما يتعلق بالزراعة فالأمر على نقيض ذلك تماماً، فالحبوب المتبعثرة حبوب مفقودة، ولا يمكن حصاد إلا تلك الحبوب الملتصقة برأس السنبلة.

من هذه الحبوب الملتصقة بالرأس فقط يمكن جني محاصيل السنوات اللاحقة. ومن هذا المنطلق قام الفلاحون باختيار الأصناف المستقرة من سنابل القمح وعززوا عملية الاستقرار التي بدأت بشكل طبيعي.

قبل حوالي 8,000 سنة ظهر في الهلال الخصيب، وبشكلٍ طبيعي، نوع من القمح أحادي الحبة مهجن مع بعض أنواع الأعشاب البرية الأخرى. القمح أحادي الحبة قمح مضاعف تتكون خلاياه من زوج من سبعة كروموسومات (صبغيات).

كان القمح الهجين في غالبه عقيماً، لكن بعض نباتاته كانت لها خاصية فريدة: احتوت على ضعفي عدد كروموسومات القمح أحادي الحبة، منتجة بذلك قمحاً خصباً رباعي الحبوب (أربع مجموعاتٍ من سبعة كروموسومات لكلٍ منها)، يعرف هذا النوع حالياً بالقمح النشوي. يتميز القمح النشوي بغناه بالجلوتين و هو مناسب لصنع الطحين الجيد.

 

وفي مرحلة لاحقة أدى تهجين طبيعي آخر إلى ظهور أنواعٍ يسهل فيها نخل الحبوب عن القشور. ولآن النوع الجديد (يعرف بالقمح القاسي) وفر حياة أيسر للمزارعين كانت له الأفضلية على بقية أنواع القمح.

أما القمح الحديث والذي يستخدم لإنتاج غالبية أنواع الخبز، فقد ظهر من خلال عملية تهجين أخرى للقمح النشوي وبعض النباتات البرية.

ونتج عن ذلك الحصول على قمح يحتوي ست مجموعاتٍ من سبع كروموسومات (سداسي التضاعف) وهو قمح مرتفع القيمة الغذائية.

كان القمح في البداية غلة ذات كفاءة متدنية، إذ إن المزارعين كانوا يحصدون ست سنابل لكل سنبلة يزرعونها. ومنذ حوالي ٧,٠٠٠ سنة مضت اكتشفت الشعوب الأصلية للقارة الأمريكية أن حبوب الذرة أكثر إنتاجية بكثير، فكل كوز مزروعة تنتج ٤٥ كوزا. ومن المحتمل أن الإنتاج الضئيل للقمح مقارنة بالذرة دفع مزارعي العالم القديم إلى إيجاد وسائل لتطويع القمح وزراعته ليعطي إنتاجاً أفضل.

فذرة العالم الجديد كانت بطبيعتها غزيرة الإنتاج مما دفع المزارعين اعتبارها قوام حياة وليس مادة للربح، وبذلك لم يتوفر الدافع للبحث عن أنواع مهجنة جديدة منه.

 

كانت الحبوب من المحاصيل الأولى التي تمت زراعتها بشكل منهجي، ومن المحتمل أن زراعة الشعير والقمح سبقت زراعة الأرز والذرة، ومن بعد ذلك جاءت زراعة المحاصيل الجذرية والبقوليات مثل البنجر والحبوب وذلك منذ حوالي ٨,٠٠٠ إلى ٥,٠٠٠ سنة.

في وقتٍ لاحق ظهرت زراعة أشجار الفاكهة والخضروات الورقية وعلف الحيوانات. ومنذ ٢,٠٠٠ سنة ظهرت زراعة المحاصيل ذات الأغراض الخاصة مثل الأعشاب الطبية وأعشاب النكهة للطبخ.

علاوة على ذلك زرعت بعض النباتات لقيمتها التزينية. وتستمر عمليات التهجين الزراعي حتى يومنا الحالي، وإن كان بوتيرة أقل، مثل نباتات الزينة والنباتات المبتكرة.

 

الحشائش والتنافس

لم يكن للحشائش وجود قبل زراعة المحاصيل. لكن النباتات المزروعة يصعب عليها منافسة الحشائش البرية. (رغم أن الحشائش البرية أقل إنتاجية لكنها أكثر قدرة على الاحتمال،

نظرا لانتخابها الطبيعي عبر أجيال متعددة). ويعمد المزارعون اليوم إلى القضاء أو الحد من المنافسة بين الأنواع المختلفة من المزروعات والحشائش البرية وذلك بإزالة الحشائش المهددة للمحاصيل أو المنافسة لها على الغذاء أو الماء.

تخيل ايطاليا دون وجود الطماطم أو فلوريدا دون وجود البرتقال! ففي عصر المطبخ العالمي يصعب علينا تقدير أنه بنهاية العصر الجليدي الأخير لم تتواجد غالبية المحاصيل الزراعية إلا في مواطنها الأصلية المبينة على الخارطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق