العلوم الإنسانية والإجتماعية

انعكاسات التغير المصاحب للأشكال الجديدة من التنظيمات الاجتماعية والقيم على مختلف الأصعدة

1996 تقنيات الطب البيولوجية وحقوق الإنسان

الدكتور يوسف يعقوب السلطان

KFAS

العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

التغير الاجتماعي والثقافي: القلق المصاحب للأشكال الجديدة للتنظيمات الاجتماعية، والقيم والخيارات الجديدة

تنشغل المجتمعات المعاصرة الخاضعة لتوجيه العلم والتكنولوجيا في عمليات مستمرة من إعادة التفكير فيما تعتبره مرغوبا فيه مفصلا أو مقدرا أو مقبولا فحسب. 

وينعكس تغير القيم في مزيد من سيادة التعليم أو محو الامية، والمعلومات العامة وقبول نتائج العلوم كأساس للعمل. 

ولا يعتمد الناس بعد ذلك على قواعد سلوك أسلافهم ومعاييرهم التي كانت ملائمة في وقت مضى وقد أصبح النمو في حد ذاته مشكوكا فيه. 

 

وتبدأ الأمم في مواجهة مخاطر الزيادة السكانية غير المحكومة وآثار التلوث الصناعي والزراعي على المحيط الحيوي الهش، الذي يحيط بنا على كوكب الأرض، ويبدأ الإنسان في موازنة كل ذلك في مقابل المنافع المزعومة للنمو الاقتصادي والتطور المستمرين. 

ومع ذلك فإن عملية التغيير غير مستوية وعلى سبيل المثال قامت محاولات للتحكم في ظاهرة إزالة الغابات في كثير من الدول الصناعية، ولكنها تلي رفضا داخليا لما يؤدي إليه هذا التحكم من تهديد لمصالح الشركات التي تعتمد في إنتاجها على الكتل الخشبية. 

أما في المجتمعات الزراعية الأقل تصنيعا فينظر إلى هذا التحكم نفسه على أنه معوق للتنمية، وما زال العلم والتكنولوجيا غريبين على غالبية سكان العالم. 

 

فلم يتم بعد استيعابهما وتحويل قيمهما والثقة فيهما وفي النظم المبنية عليهما إلى طريقة تفكير وإحساس وعمل ينعكس على حياة الناس اليومية. 

وفي معظم المجتمعات، ما زالت القرارات الحاسمة خصوصا ما يدور منها حول المعالم والاحداث الهامة في دورة حياتهم تصدر شديدة التاثر بقواعد السلوك العائدة إلى أسلافهم. 

ولا تميل القيم السائدة عندهم، والتي لها تأثيرها القوي على مداركهم لحقوق الإنسان، إلى أن تكون الاستقلالية الذاتية والاستقلال، بل قيم المسئولية نحو الأسرة والعشيرة أو الآل. 

 

وفي مجتمعات اخرى وبخاصة تلك التي تتحكم فيها قيادات سلطوية قوية غالبا ما يكون لتأمين الطعام والمأوى والعمل والرعاية الصحية حتى على مستوى الضرورات الأساسية، قيمة أكبر من الحرمات الشخصية والاستقلالية. 

وفي المجال الطبي نجد أن معظم الناس يفضلون العقاقير الطبية المألوفة والوسائل المصنوعة من موارد مألوفة، مما يستطيعون التحكم فيها بأنفسهم، ويستشعرون أن العقاقير والتقنيات المصنوعة في الخارج تعرضهم لخطر الخضوع لتحكم المؤثرات الخارجية (برودي، / 1981أ).

وفي الوقت نفسه، نجد أن معظم المجتمعات التقليدية والمجتمعات التي تعاني من الفقر فيها عدد قليل من الشخصيات الميسورة من ذوي المكانة الاقتصادية والاجتماعية العالية يستطيعون الاستفادة من الإمكانات النادرة المتاحة بما في ذلك السفر إلى الخارج للعلاج والرعاية الصحية الغالية المعتمدة على التقنية العالية والرعاية الصحية وتؤدي بهم ثروتهم إلى تمييزهم بصورة واضحة عن الجماهير التي تعاني من الفقر في بلادهم، أكثر من تميزهم عن أغنياء الأمم الصناعية.

 

ولقد أتاح علم الطب البيولوجي في الدول الصناعية لكل من الأطباء والمرضى واسرهم مجالا وسعا من الخيارات، ربما لا يرحب بهم جميعهم.  ونظرا لأن هذه الخيارات الجديدة تتطلب نوعا جديدا من القرارات، لذا فهي تؤكد على قيمة الإرادة الشخصية وتفرض تغير مَنْ في السلطة وتغيير الوضع القائم. 

ولكن، كما قال جان بول سارتر ربما أدت الحرية إلى توليد المتعب، وقدرة الإنسان على تحمل الشكوك او الأمور المشكوك فيها قدرة محدودة.  وتثير التكنولوجيا المتقدمة تساؤلات عن المعتقدات السابقة الثابتة الأقدام التي كانت تعتبر في وقت من الأوقات سرمدية خالدة. 

وتؤدي تلك التكنولوجيا كذلك إلى خلق شكوك جديدة حول طبيعة الحياة الأصلية ومعناها، من حيث خلق تلك الحياة والغرض منها وإطالتها ونهايتها. 

 

فالتوزيع غير العاد للسلع اللازمة للمحافظة على الحياة بعامة والذي يزداد حدة نتيجة لاختلاف الفرص المتاحة للاستفادة من المواد الطبية النادرة، إنما يؤكد التفاوت الظاهر في القيمة التي تعطي لحياة الفقير والمحروم بالمقارنة لقيمة حياة الميسورين والاغنياء والمتميزين.

أثارت هذه التغيرات انعكاسات في مجتمعات المهنيين وكذلك في المجتمعات الكبيرة.  إذ تعمل منظمات المستفيدين من الخدمات الصحية كآلية للتخفيف من القلق والاعتماد على السلطات الطبية التقليدية، وتبدو أكثر قوة عندما تطلب بطريقة متزايدة توفير التكنولوجيا القاصرة على فئات معينة وتنأى أكثر عن مصاالح الإنسان الفرد. 

ومن ثم يقوم المدافعون عن المرضى بتحديد وإظهار التوقعات الجديدة بالنسبة للشفاء والوقاية من أخطار التكنولوجيا الغريبة، والفرص المتكافئة للانتفاع بالعلاج المفيد.  ويعملون أيضا على نشر الوعي بحقيقة أن الممارسة الفعالة للاختيار تتطلب حد أدني من الكفاية والأمن الشخصي. 

 

وهذا ما يؤكد رأي جون رولز John Rowls (1971) بوجوب مراعاة السياسة العامة لمصالح اقل أعضاء المجتمع تميزا ويسرا، واستهدافها لتوزيع عادل لاحترام الأشخاص .

وقد تجاوب الاوساط الطبية أيضا من الخيارات الجديدة، فوجهت اهتماما متزايدا نحو مسئولياتها عن احترام المرضى الباحثين عن المساعدة وفقا لما هو وارد في الشروط التي وضعها "إيمانويل كانت" علي أن هذه الأوساط الطبية كيانات لها تشريعاتها الاخلاقية الذاتية. 

 

وتجاوبت أيضا في دورها ككيانات من المجتمع تقدر قيمة الضبط الاجتماعي وفعالية ما يبذل من إنفاق على استقلالية الفرد. 

وفي القيام بدورها هذا راعت العدالة واعتبرت أن مجالس ولجان توزيع الرعاية الصحية وتوفيرها، والتي تتولى إقرار الممارسة الأخلاقية، بمثابة جزء من الإجراءات الطبية الواجبة التنفيذ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق