البيولوجيا وعلوم الحياة

العواقب الاجتماعية الناتجة عن التنبؤات الصحية

1996 تقنيات الطب البيولوجية وحقوق الإنسان

الدكتور يوسف يعقوب السلطان

KFAS

البيولوجيا وعلوم الحياة

تتصل أهم القضايا وأكثرها انتشارا المتعلقة بالتنبؤ بموضوع الرعاية الصحية. فالرعاية الصحية الاساسية غير متوافرة في معظم أنحاء العالم. 

ففي الولايات المتحدة الأمريكية أو بصورة أقل وضوحا في الدول ذات النظم الصحية الوطنية، هناك عدم مساواة واضحة من حيث توافر هذه الخدمات "انظر الفصل الثامن" وتتحدد هذه الفوارق بناء على الاوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية للمحتاجين لهذه الرعاية، فحينما تكون هذه الفوارق قليلة فإنها تداخل مع أوضاع الأقليات الإثنية العرقية. 

ولا يعقل ، من ناحية اوضاع الصحة العامة، التركيز على اختبارات الكشف عن الأمراض الوراثية قبل الولادة، في حين لا تلقى الكثيرات من النساء الحوامل الرعاية العامة المناسبة قبل الولادة او قد يحرمن منها تماما.

 

وتؤدي مسألة اختبارات ما قبل الولادة سواء كانت للتعرف على العيوب الخلقية التي قد تكون لها اصول جينية وراثية أو أي اختلالات أخرى في الجنين، إلى إثارة بعض التساؤلات الهامة حول التكاليف والتوزيع العادل للموارد ودرجة إتاحتها للجميع، وهناك مشاكل أخرى غالبا ما تهمل مثل مشاكل كفاءة الكشف ومصداقيته.

ومثال ذلك أن العديد من الدراسات التي تمت في أوروبا وكندا تثبت أن اختبار الزغب المشيمي الذي تحمس له كثير من الأطباء ومرضاهم قد يأتي بنتائج اقل دقة من اختبار بزل السلي أو السائل الأمينوني، وغالبا ما يعطي اختبار الزغب المشيمي نتائج غامضة تحتاج إلى عمل اختبار السلي أو السائل الأمنيوني بعد ذلك "روزنتال Rosenthal، 1991".

 

وكما سبق ان ذكرنا في الفصل الرابع "هناك حدود معينة لضمان توفير الخدمات الطبية التي تلتزم بها الحكومة" "بلومشتاين Blumstein 1989، ص9" ومع ذلك فالرعاية الخاصة التي تتعلق بالأجنة والمواليد والاطفال بما لها من مدلول رمزي يجعل الحكومة هي الراعي الكريم ويعطيها صورة الأبوة.

فكما أن الأمر يصل احيانا إلى حد أن بعض الجماعات الإثنية العرقية تستخدم الموارد التي لا يحتاجها الآخرون أو موارد غير متاحة لغيرهم، فإن هناك مشاكل معينة تتعلق بالعدالة، أو بمعنى آخر الفرص المتساوية قد تظهر.

 

فوجود مرض التليف الكيسي cystic fibrosis بنسبة عالية في مستودع يشمل بصفة اساسية كل السكان الذين يرجعون إلى اصول قوقازية، قد يؤدي إلى الحاجة القصوى لعمل الكشف المسحي الجيني الشامل وتقديم النصيحة والخدمة الاستشارية التي لم يسبق لها مثيل، على أساس نفس المبدأ، لغير القوقازيين من السلالات الأخرى الذين يصابون بمرض التليف الكيسي ولكن بنسب أقل بكثير، مما يثير بعض القضايا الصعبة في هذا المجال "نايتنجيل وجودمان، 1990، ص 72". 

أما الكشف المسحي عن أخطر الاختلالات الوراثية وأكثرها شيوعا "التليف الكيسي، وداء الكريات المنجلية وسيولة الدم وسوء التغذية العضلي المنسوب لدوشين" والتي تتوافر لها التكنولوجيا المناسبة، فيتطلب أكثر من أربعة ملايين اختبار سنويا، مع متابعة لنحو 46 ألف امرأة على الاقل وهن اللاتي تثبت إصابتهن أي الإيجابيات للفحص ويتقدمن لطلب الرعاية خلال الشهر الاول والثاني من الحمل "هولتزمان Holtzman، 198". 

 

وليس لدى اي دولة صناعية القدرة على توفير مثل هذا المطلب، ولا تقوم أي منها بجهود لتدريب استشاريي الجينات والوراثة الذين يستطيعون القيام بهذا العمل.

وفي معظم الدول الصناعية تعتبر العوامل الإدارية المرتبطة بكيفية تنظيم الممارسة الطبية لها نفس الأهمية في تحديد استخدامات اختبارات الكشف المسحي مثل دواعي الاستعمال أو الاستخدام الطبية. 

ففي الولايات المتحدة الأمريكية ادى إمكان إقامة قضايا الممارسة الخاطئة إلى تطوير طريقة من الكشف تهدف إلى استعباد التقاضي والخصوم المحتملين كما أن الظروف التي تختلف من شخص إلى شخص ممن يطبق عليهم الكشف المسحي تسهم في إيجاد الاختلافات من حالة إلى أخرى في الحقوق والتبعات المتعلقة بنتائج التنبؤ. 

 

فمثلا إذا كان التنبؤ قبل الميلاد كما في حالة عيوب الأنبوب العصبي التي تكتشف عن طريق اختبار البروتين الجنيني الفا فيتوبروتين، والذي يمكن به أيضا التشخيص والتعرف على ما بين ربع وثلث الأجنة المصابين بأعراض متلازمة داون أو المنغولية فإن هذا التنبؤ يثير الخلاف بين المستشارين العلميين والقانونيين لأطباء التوليد حول أنسب الطرق التي تتبع "إلياس واناس Elias and Annas، 7987/ب" . 

وقد يرغب الآباء في أن تتاح لهم فرصة الحصول على طفل سليم الصحة، ولكن مخاطر العيوب الخلقية كانت كافية لدفعهم إلى النظر في إنهاء الحمل "ضغط المهنيين في هذا الشأن غير مقبول في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تمت موافقة الجمعية الأمريكية للوراثيات البشرية “ASHG” على تعاليم معينة خاصة بالاستشارات الوراثية والنصائح الجينية ولكنها غير ملزمة وتوجيهية". 

 

وقد حدث أخيرا أن أصبح استخدام التخطيط بالموجات الصوتية لتشخيص اختلالات وعيوب الأنبوب العصبي وعيوب الجدار البطين ventral wall defects دقيقا للغاية حتى اصبح هناك تساؤل حول الحكمة في بزل السائل الأمنيوني بصورة روتينية بالنسبة للنساء اللاتئي يرتفع عندهن نسبة البروتين الجنيني ألفا، مع ثبوت سلامة وصحة بنيان الأجنة بواسطة التخطيط بالموجات فوق الصوتية. 

وتذكر التقارير ان معدل المخاطرة في ان يكون الجنين مصابا أقل من معدلات مخاطر الإجهاض التي ترجع إلى بزل وفحص السائل السلوي الأمنيوني "نادل وآخرون، 1990"، وبالرغم من وجود الدواعي النوعية الخاصة لاستخدام هذه التقنيات التنبُّئية، فهناك اتفاق عام حول وجوب الاستشارة والنصح قبل وبعد الكشف بما يغطي الأغراض والنتائج والعواقب "الياس وآناس Elias and Annas، 1987/أ".

 

أما إذا تمت عملية التنبؤ بالمرض أو الخلل في مرحلة ما بعد الولادة، فإن الشخص كما سبق ان ذكرنا، سيكون معرضا لخطر إشاعة الوصمة وستختل قدرته في الحصول على وظيفة في الزواج أو أي شيء آخر في معرض حياته وإنجازاته. 

وكما سبق أن ذكرنا ايضا يمكن التنبؤ مع أنه بدون دقة كاملة، عن إمكانية وجود حالات أخرى لا يمكن علاجها أو الوقاية منها، ولقد أدى الكشف المتعدد بما في ذلك التعرف على المرض قبل ظهور الأعراض إلى تنبؤات يستخدمها حراس نظام الرعاية الصحية لأغراض اقتصادية. 

ويؤكد "نيلكين Nelkin وتانكريدي Tancredi، 1989" على الأخطار التي تتعرض لها حقوق الإنسان بالنسبة للأشخاص القابلين للإصابة بالمرض من فئات المقهورين اقتصاديا واجتماعيا، الذين تحددهم نتائج الكشف المسحي. 

 

ويحاول مديرو المستشفيات أن يفصلوا بين المرضى المتوقع أن تحتاج أمراضهم في المستقبل إلى رعاية باهظة التكاليف قد لا يقدرون على دفع تكاليفها، والمرضى المتوقع أن تكون إصاباتهم بالأمراض في المستقبل أقل، ويستجيبون للعلاج بسرعة، ومن ثم يكون التعامل معهم مريحا. 

وفي الولايات المتحدة تتضاعف التقارير التي تكتب عن التمييز في مجال التأمين ضد الأشخاص الذين لديهم اختلالات وراثية جينية، أو حتى الذين لديهم استعداد لها بناء على تاريخهم العائلي، وهو من نفس نوع التمييز الذي يمارس ضد الأفراد المعوقين المصابين بأمراض مزمنة.

 

وامتد ذلك إلى رفض منظمات الخدمات الصحية دفع تكاليف عمل بزل وفحص السائل السلوي أو الأمنيوني للنساء اللاتي يوجد في تاريخ عائلاتهن ما يدل على وجود امراض جينية وراثية إلا إذا كان إقرار وتأكيد على أن النتائج الإيجابية للفحوص سوف يعقبها الإجهاض.

كما أنها لا تدفع تكاليف اختبارات التأكد من وجوب عيوب في الأنبوب العصبي على أساس أن الحالة موجودة من قبل "بلاكسلي Blakeslee، 1990" وفي هذا الصدد أوصى عدد من العلماء بضرورة إيقاف الفحوص الجينية الوراثية للتأمين والتوظيف حتى تتضح الامور المتعلقة بحقوق الإنسان في هذا  الشأن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق