علم الفلك

الخلفية الكونية وعملية “رصد الموجات الدقيقة”

1996 نحن والكون

عبد الوهاب سليمان الشراد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الخلفية الكونية عملية رصد الموجات الدقيقة علم الفلك

وفي عام ١٩٦٤ وفي نفس الوقت الذي ابتدأ فيه بيبلز بمساعيه في صياغة مفاهيمه عن الكرة النارية البدائية ، كان هناك فلكيان راديويان هما أرنو بنزايس penzias .A وروبرت ولسونWilson  .R يحاولان رصد موجات دقيقة في الفضاء الخارجي. 

ولقد استخدما في رصدهما هوائيا عالي الكفاءة لم يكن معروفا من قبل ، تم تصنيعه في مختبرات بيل في نيوجرسي ، وكان من النوع البوقي Hornantenna ، وصنع للاتصالات اللاسلكية عبر الأقمار الصناعية.

وفي ١٩٦٥ وبينما كان العالمان يقومان برصد مصادر البث التي تشوش على الاتصالات الالكترونية الأرضية ، في محاولة لعزل هذه المصادر والتخفيف من تشويشها.

 

ولعل أكثر ما أثار فضولهما هو أن الهوائي كان يستقبل موجات دقيقة ثابتة من جميع انحاء السماء.

ففي كل اتجاه كانا يديران مرقابهما يكشفان عن فوتونات الموجات الدقيقة بأطوال موجية يمكن أن تحدث من بث في درجة حرارة نظرية تعادل ٣° فوق الصفر المطلق .

وفي البداية أدهشت الخلفية الشاملة من الموجات الدقيقة العالمين ، ولكن ذلك سرعان ما تداول في كل مكان ، وظهر جليا أن الكشف كان عن الإشعاع الذي يحيد بشدة نحو الأحمر والمتبقي من الكرة النارية البدائية 

 

ويمكن القول جدلا أن البشرية قد سمعت صدى الانفجار الكبير الذي حدث منذ نحو ٢٠ بليون سنة خلت ؟!

لقد تمت الأرصاد السابقة عند طول موجي واحد هو ٣,٧٥ سم ، ولقد سعى العديد من العلماء في السنوات القليلة التي أعقبت اكتشاف بنزايس وولسون الى قياس شدة الخلفية الإشعاعية للموجات الدقيقة عبر عدة أطوال موجية .

ولقد كان لتلك الجهود أهمية كبيرة ، فإذا ما تم التأكد من أن سبب تكون الخلفية من الموجات الدقيقة هو التبريد الواقع على الإشعاع القادم من الكرة النارية. 

فيمكن عندها التأكد من تطابق جميع القياسات عبر مدى محدد من الأطوال الموجية مع خط بياني نظري وفقا لدرجة حرارة محددة

 

ولقد تم بالفعل في أوائل السبعينات تجميع نتائج مرصودة على أطوال موجية مختلفة ، وكانت تلك النتائج كافية لإقناع الجميع أن درجة الحرارة المتخلفة عن الكرة النارية البدائية تعادل ٢,٧٦° مطلقة .

ولقد أمكن مطابقة مجموع النتائج المستقاة عبر القياسات عند أطوال موجية مختلفة مع خط بياني نظري مفترض أن يكون عند درجة الحرارة تلك .

ولقد أمكن التأكد بعد ما يزيد عن العشر سنوات من الاكتشافات الأولى لهذه الخلفية الإشعاعية من أنها متجانسة تماما عبر كل أنحاء السماء.

 

ولم يمكن أبدا العثور على أي اختلاف ولو ضئيل بين أرجاء السماء المختلفة ، ولكن ذلك لم يستمر طويلا ففي بداية ديسمبر من عام ١٩٧٦ ، وضع  فريق من الفيزيائيين بقيادة رتشارد مولر  Muller .R لاقطات حساسة للموجات الدقيقة على طائرة U-2 التي كانت تعمل لوكالة الفضاء الأمريكية ((ناسا)) NASA

ولقد حلقت الطائرة خلال الإثني عشر شهرا التالية عشر مرات على ارتفاعات تجاوزت ١٥٢٤ مترا ، واستطاع الفريق مسح مساحات كبيرة من السماء بدقة لم يبلغها أحد من قبل. 

ولقد توصل الى قياس تغير ضئيل لكنه منتظم في درجة حرارة خلفية الموجات الدقيقة ، وقد كانت درجة حرارة الخلفية أعلى قليلا بنحو ١ من ٣٠٠ من الدرجة باتجاه كوكبة الاسد Leo

 

وفي الاتجاه المقابل من السماء في كوكبة العقاب Aquarins فقد كانت الخلفية أبرد قليلا بنفس المقدار أي 1/300 من الدرجة .

ولاشك أن دفئ الخلفية قليلا باتجاه كوكبة الأسد يعطي دلالة على أن الإشعاعات لها أطوال موجية أقصر قليلا مما كان مفترضا ، أما باتجاه كوكبة العقاب فتبدو الخلفية أبرد قليلا وذلك لأن الأطوال الموجية أطول قليلا مما هو مفترض .

وتتدنى درجة الحرارة مع المسافة بين المنطقتين المتقابلين من السماء بشكل منتظم وسلس من كوكبة الأسد الى كوكبة العقاب .

 

ويمكن تمثيل خلفية الموجات الدقيقة كمعبر أو ممر من الإشعاع المنتشر في أرجاء السماء.

ولو كان بمقدورنا أن نتحرك في الفضاء بحركة نسبية مع الخلفية الكونية فإن أرصادنا ستظهر حيود دوبلر في الأطوال الموجية الذي تعاني منه الموجات الدقيقة عبر مناطق السماء المختلفة.

وستبدو تلك الموجات أيضا أقصر طولا بحركتها باتجاهنا ، و تكون أطول من المعتاد بالاتجاه المضاد لحركتنا في الفضاء.

 

وبذلك يكون هذا هو التعليل الواضح للنتائج التي حصلنا عليها من U-2 وعليه يمكن الإشارة الى أننا توصلنا الى الحركة المطلقة للأرض في حركتها عبر الكون ، فكوكبنا مندفع باتجاه كوكبة الأسد بسرعة تعادل نحو 400 كم/ثانية .

ولاشك أننا نعلم أن الأرض تدور حول الشمس، وأن الشمس تدور حول مركز المجرة .

وبجمع كل تلك الحركات المعلومة تماما لنا يمكننا حساب الحركة المطلقة للمجرة في حركتها في الكون . والمقدار الذي ستقودنا اليه استنتاجاتنا الحسابية هو أن سرعة المجرة في اندفاعها في الكون تبلغ قيمة مذهلة تصل الى 600كم / ثانية.

 

ويمكن إدراك أن سرعة مجرتنا بالنسبة الى المجرات الأخرى الواقعة ضمن مجموعتنا المحلية تعد متواضعة للغاية ، ونجد على ذلك أن السرعة النسبية بين مجرتنا ومجرة المرآة المسلسلة تبلغ ٨٠ كم/ ثانية. 

وبما أن التبانة تندفع في الفضاء بسرعة 600كم / ثانية ، وأن السرعة النسبية بينها والمجرات الأخرى في مجموعتنا المحلية متواضعة. 

فلا بد أن مجموعتنا المحلية تشارك التبانة سرعتها العالية ، وعلى ذلك فلابد أن مجموعتنا تندفع في الفضاء بسرعة تعادل نحو 600كم/ ثانية ، وتتقدم باتجاه عمودي على خط البصر بين نظامنا الشمس ومركز المجرة .

وكما ذكرنا سابقا يعد عنقود العذراء Virgo أقرب عنقود غني بالمجرات لنا ، ويبعد نحو 70 مليون سنة ضوئية ، ويشكل مع مجموعتنا المحلية ومعظم العناقيد الأخرى المجاورة بمجموعها العنقود المحلي الأعظم .

 

والسرعة النسبية تبين مجموعتنا المحلية والعناقيد الأخرى الموجودة في عنقودنا المحلي الأعظم ليست عالية ، وذلك يدل على أنه نتيجة لسرعتنا المطلقة العالية فلابد من أن عنقودنا المحلي الأعظم يتحرك مندفعا في الفضاء بسرعة عالية .

ويبدو أننا في النهاية قد بلغنا نتيجة تظهر أن عنقودنا المحلي الأعظم يتحرك بسرعة عالية في الفضاء، ولكن هل يحقق ذلك طموحاتنا ؟ ففي الواقع يبدو الوضع عكس ذلك. 

 

ومن الواضح أن تلك النتيجة قد ساهمت في زيادة الحيرة ، فإذا كان العنقود برمته يتحرك بالنسبة الى الخلفية الكونية للموجات الدقيقة فذلك يظهر أننا قد قطعنا في حركتنا خلال 15الى 20 بليون سنة السابقة مسافة محددة.

ومن حيث المبدأ يجب أن نكون قد بلغنا الى بقعة من السماء ، نتيجة التمدد الطبيعي للكون وحده ، تتساوى فيها السرعة مع سرعة العنقود المحلي الأعظم المستنتجة ، ولكن يبدو جليا أننا لانزال نتحرك بسرعة أدنى  كثيرا من ذلك .

 

وقد يكون أفضل تعليل لوضع توافق بين النتائج النظرية المحصلة والنتائج الفعلية المحسوبة ، أنه لابد من أن العنقود المحلي يدور حول نفسه.

وقد تكون مجموعتنا المحلية برمتها تدور بمدار ضئيل حول المركز الأساسي للكتلة الكلية للعنقود المحلي ، وذلك يشبه تماما دوران الأرض حول الشمس.

ولعل التغيرات الضئيلة في درجات الحرارة الخلفية للموجات عبر السماء تقودنا الى أول مفتاح يكشف لنا وجود الحركات المدارية المنتظمة في المقاييس الكونية الهائلة .

 

ولابد من الإشارة الى أنه وبحلول عام 1982 ظهر جليا أن عنقود العذراء الجبار يعطي المجموعة المحلية حركة خاصة مؤكدة ، رغم أن ذلك لم يفسر سرعتها حتى باتجاه  العذراء ، ونتيجة لأن معظم الحركة يتم باتجاه مختلف كل الاختلاف فإن  ذلك يتطلب تعليلا آخر .

ولقد أمكن ملاحظة أن طرح متجه حركة سرعتها  250كم / ثانية باتجاه العذراء من المتجه المشتق من الخلفية الموجية الدقيقة ، فإن متجه السرعة الناتج يشير الى أن الشجاع –الظلمات Hydra-centourus وهو أقرب العناقيد العظيمة المجاورة .

 

ولقد تم افتراض أن هذه الكثافة العظيمة الواقعة على مسافة تعادل نحو ضعفي المسافة الفاصلة عن مركز العنقود العظيم ، هي المسؤولة المباشرة عن تباين الحركات الخاصة .

وتبين أن حساب السرعات المرصودة يستدعي أن يكون للشجاع – الظلمات كتلة أكبر من العنقود العظيم بنحو 10مرات ، وهذه الكتلة أكبر بكثير مما يبدو عليه قدرها المرصود .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق