البيولوجيا وعلوم الحياة

التاريخ المبكّر للخلايا الجذعية

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

عندما أعلنت مجلة ساينس أن الخلايا الجذعية هي "إنجاز العام" في سنة 1999، كان ذلك في الواقع وقت مهم لأبحاث الخلايا الجذعية. بيد أن القصة لم تبدأ بالإعلان الدراماتيكي في سنة 1998. فقد أدرك العلماء منذ عقود أن الخلايا الجذعية هي السبب الذي يجعل غرس النِّقي (نخاع العظم Bone Marrow) مفيداً لبعض مرضى اللوكيميا، لذا فإن مفهوم الخلايا الجذعية لم يكن جديداً تماماً. ما تغيّر هو تصوّراتنا السابقة – باستنساخ النعجة دولي. في هذه الحالة تغيّرت أفكارنا بشأن حدود قدرات الخلايا الجذعية وكيفية حدوث التمايز، بالتخلّق المتوالي، في أثناء التطوّر.

شهد القرن السابع عشر بالفعل نجاح نقل الدم من الحيوانات إلى البشر، مع أن فيليب سنغ فيسيك (Philip Syng Physick) لم يفد عن إجراء نقل دم من إنسان إلى آخر إلا في سنة 1795. وفي القرن العشرين أصبح نقل الدم شائعاً، عندما توصّل العلماء إلى طرق للسيطرة على الردود المناعية، واكتشفوا زمر الدم البشرية المختلفة وأنظمة المطابقة بينها، وحسّنوا السيطرة المضادة للتجلّط، وأضافوا المزيد من التقدّم المتراكم.

ومع أن نقل الدم أصبح أمراً روتنياً اليوم، فإنه لا يخلو البتة من المخاطر ولا يضمن الإمداد بالدم أن يكون المانح متوافراً دائماً بنوع الدم الملائم وما يكفي منه. وقد أثارت الحاجة إلى كمية كبيرة من الدم الجديد، لا سيما في معالجة حالات مثل اللوكيميا أو بعض أنواع السرطان التي تتطلب علاجات بالأشعة، أسئلة عما إذا كان من الممكن إيجاد طرق تجعل الجسم ينتج المزيد من إمداداته.

في أواسط القرن العشرين، بدأ الباحثون التفكير بأنهم ربما يجمعون المعرفة المتراكمة عن هذه "الخلايا الجذعية" الخاصة، وغير المتمايزة بعد في الظاهر مع إدراكهم للفيزيولوجيا. وربما يمكنهم الاستفادة من الخلايا الجذعية – لا سيما الخلايا الجذعية المكوّنة للدم (Hematopoietic) المأخوذة من نخاع العظم الذي ينشئ خلايا الدم عادة – لجعل الجسم ينتج المزيد من خلايا دمه.

 

بدأت التجارب بجدّ في أواخر الخمسينات في فرنسا، بعد أن دمّر حادث إشعاعي خلايا دم المرضى المعافاة وأنتج أنواعاً من اللوكيميا. وكما يوضح تاريخ البرنامج الوطني لمنح النقي، في سنة 1958 اكتشف جان دوسيه (Jean Dausset) أول بروتين بشري يسمح لنظام المناعة في الجسم بتمييز خلاياه عن الخلايا الخارجية. يثير مستضدّ الكريات البيضاء (Leukocyte antigen) البشري في خلايا دم المانح استجابة مناعية لدى المتلقّي الذي يرفض جسمه الخلايا الأجنبية، بما في ذلك الخلايا التي قد تكون مفيدة جداً.

ويبدو تدمير الخلايا الأجنبية أمراً منطقياً جداً بناء على أسس تطوّرية، لأن معظم الكيانات الغازية مؤذية – فكّروا في الجراثيم والفيروسات. ويستفيد الجسم عادة من القدرة على التعرّف إلى الخلايا "غير الذاتية" وتدميرها. إذاً، كان التحدّي الذي يواجه العلوم الطبية هو التغلّب على أنظمة السلامة التطوّرية.

في ستينات القرن العشرين، توصّل الباحثون إلى ما يكفي من التفاصيل عن نظام زرع مخ العظم بنجاح من شقيق إلى طفل يعاني من داء العوز المناعي (ما يدعى متلازمة ولد الفقاعة bubble boy Syndrome). أدى إجراء مزيد من التعديلات في الأسلوب إلى أول زرع ناجح للنقي في مريض غير قريب في سنة 1973.

وفي أوائل ثمانينات القرن العشرين، حقّق الأسلوب نجاحاً جيداً جداً بحيث أصبح أفضل أمل للعديد من مرضى اللوكيميا. لكن للأسف كان (ولا يزال) من الضروري إيجاد مطابقة قريبة لمخ العظم، وذلك أمر صعب.

قرّر والدا فتاة أجري لها زرع ناجح لكنها توفّيت من تكرّر المرض مساعدة الآخرين وبدآ ما أصبح شبكة دولية لمانحي النقي. وفي سنة 1984، أقرّ الكونغرس القانون الوطني لزرع الأعضاء لدعم نظام تحديد المانحين والمتلقّين المحتملين لعلميات الزرع في الولايات المتحدة وخارجها.

يعرف الجمهور عن شبكة المانحين بسبب الدعاية عن زرع الأعضاء والنقي والحاجة إلى مانحين. لقد قرأنا عن محنة ما يزيد على 80,000 مريض أدرجوا باعتبارهم متلقّين محتملين للأعضاء في سنة 2002، وسيموت آلاف منهم كل عام بسبب الافتقار إلى الأعضاء المتوافرة.

ومن حسن الحظ أن شبكة مانحي النقي وصلت على ما يبدو إلى نسبة مرتفعة من المرضى المحتاجين، مع أن العديدين لا يزالون يموتون من دون معالجة. وبحلول سنة 1996، كانت شبكة مانحي النقي قد تدبّرت 5000 عملية زرع في السنة واحتفظت بأكثر من مليوني مانح محتمل في بنك بياناتها. ما لم يكن يدركه الجمهور قبل سنة 1998 هو أن الخلايا الجذعية هي سبب نجاح زرع النقي.

 

تمكّن إ. ب. ويلسون (E.B.Wilson) في سنة 1896 من تحديد الخلايا الجذعية باعتبارها خلايا خاصة قادرة على إنشاء العديد من الخلايا المتخصّصة الأخرى. وكان وليام سيدغويك، صديق ويلسون، قد استخدم المصطلح لأول مرة قبل عقد من الزمن، وطبّقه على النباتات، لكن ويلسون منحه معنى جديداً.

فعندما كتب عن الدودة الممسودة (Ascaris)، لاحظ أن بعض الخلايا متخصّصة لكن بعضها "يمكن تسميته الخلية الجذعية" لأنها تحافظ على كل مادتها الصبغية ولا تنقسم إلى أجزاء مثلما تفعل الخلايا الأخرى. لكن العلماء توصّلوا في خمسينات القرن العشرين، من خبرتهم في زرع النقي، إلى الأهمية الكاملة للقدرة الظاهرة لهذه الخلايا على العمل بمثابة نقاط انطلاق لأنواع أخرى من الخلايا. وبعد ذلك بدأت أبحاث الخلايا الجذعية الحيوانية بجدّ.

لم يسمع الجمهور عن دراسات الخلايا الجذعية على الفئران والثدييات التي بدأت في ستينات وسبعينات القرن العشرين. بيد أن هذا العمل هو الذي قاد إلى الاكتشافات التي أعلن عنها في سنة 1998. ففي نهاية الستينات، لاحظ اختصاصي الفيزيولوجيا في كامبردج روبرت إدواردز أنه عندما بدأ دراسة الخلايا من الخلايا الأورمية قبل الانغراس (المرحلة التي تسبق الانغراس في الرحم وقبل تمايز أنواع الخلايا)، حقّق نتائج مدهشة.

كما أظهر ريتشارد غادنر أنه يمكن إقحام هذه الخلايا الجذعية الجنينية داخل جوف الأريمة (المنطقة المجوّفة داخل الجنين المتطوّر Blastocoel)، حيث يمكن أن يمتزج نوعا الخلايا معاً وينتجا أعضاء وأجزاء للخيمر أو الهجين الناشئ. وقد تكوّن أول فأر هجين لغاردنر من خلايا أخذت من حيوانات مختلفة وذات لون غلالة مختلط يجعلها مميّزة على الفور بمثابة مزيج.

أثارت الفئران الناتجة بالتخلّق المتوالي أسئلة عما يمكن أن تسفر عنه المزيد من الأبحاث. شعر إدواردز بالحماسة للعمل، لكن كان عليه أن "يضع مشاريع الخلايا الجذعية على نار هادئة" بسبب مطالب التخصيب في المختبر الذي بدأ بباتريك ستبتو وقاد في نهاية المطاف إلى ولادة لويز براون ونشوء صناعة إخصاب بأكملها.

 

وقد لاحظ إدواردز أن الخلايا الجذعية الجنينية لم تكن غير معروفة في أوساط العلماء في ذلك الوقت، لكنها "أصبحت مألوفة جداً، ما يعكس احتمالاتها البارزة".

وقد ارتبط المصطلح ارتباطاً وثيقاً في الواقع بدراسات المراحل المبكّرة للتطوّر البشري عندما سعى اختصاصيو البيولوجيا لمعرفة ما هي الظروف التي تجعل البيوض المخصّبة تنمو في طبق بتري بحيث يمكن نقلها إلى امرأة، والخضوع لغرس، وبدء حمل عادي في الرحم.

حقّق الباحثون أيضاً تقدّماً كبيراً في الخلايا الجذعية الجنينية المتعدّدة الإمكانات (Pluripotent) لفأر خلال ثمانينات القرن العشرين.

ففي حين يمكن أن تصبح الخلية الشاملة الوسع كائناً حياً كاملاً، بما في ذلك جميع أنواع الخلايا المختلفة، فإن للخلية المتعدّدة الإمكانات القدرة على أن تصبح أي خلية من أنواع الخلايا (لكن ليس جميعها) التي تكوّن الجسم. أما الخلايا المتعدّدة القدرات (Multipotent) فإنها أكثر تخصّصاً بقليل ويمكن أن تصبح واحداً من عدة أنواع من الخلايا، ولكن ليس أي نوع.

من الصعب بطبيعة الحال دراسة خلية واحدة معزولة بمفردها، لأن معظم الأبحاث تدمّر الخلية. ثمة نهج أثبت نحاجه منذ أوائل القرن العشرين وهو زرع الخلايا. يمكن تنمية خلية أو مجموعة من الخلايا في وسط زرع خاص، تنقسم فيه مراراً وتكراراً.

 

ينتج الخط الخلوي الصرف العديد من أجيال الخلايا مثل الخلية أو الخلايا المنشئة (Founder) ويمكن نظرياً أن يكون "خالداً" ويديم نفسه الى الأبد. ويمكن أن توفّر مثل هذه الخطوط الخلوية العديد من الخلايا اللازمة للأبحاث.

في تسعينات القرن العشرين، أظهرت العديد من الخطوط الخلوية البشرية تعدّد إمكاناتها، أو قدراتها المتعدّدة على الأقل على أن تصبح أكثر من نوع واحد من الخلايا. واتضح الآن أن الخلايا في مرحلة الكيسة الأريمية (قبل الانغراس في الرحم) والخلايا من مراحل أخرى لم تبلغ التمايز اللاعكوس بعد، وبالتالي تقدّم أملاً لمزيد من الأبحاث.

بيد أن الجمهور، بل معظم العلماء، لم يدركوا تماماً عظمة ذلك الاحتمال إلى أن قدّم باحثان تلميحات بشأن ما يمكن عمله بالخطوط الخلوية للخلايا الجذعية البشرية في سنة 1998. وهكذا أصبح الوضع مهيّئاً لانفجار الاكتشاف الجديدة والابتكارات السريرية – إذا لم توقفها السياسة والمخاوف الأخلاقية البيولوجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق