العلوم الإنسانية والإجتماعية

أمثلة على علماء كانت لديهم “القدرة على استثمار الصُّدَف” في مكتشفاتهم العلمية

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

استثمار الصدف لدى العلماء العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

لعبت "الصدفة " دوراً مهما في كثيرٍ من الكشوفات العلمية ، بيد أنها لم تكن مجرد صُدفة بالمعنى المعروف ،  وإنما هي "جائزة" لا يحصل عليها إلاّ من يستحقها ! .

فقد يقال مثلاً أن الصدفة وحدها هي التي قادت مندل إلى كشفه قوانين الوراثة، عندما أهدته تلك الحديقة الثرية التي أجرى فيها وعلى نباتاتها وحيواناتها التي جعلت منه وبحق مؤسَّس علم الوراثة.

والحق أن هذه الحديقة كانت السبب فعلاً فيما توصَّل مندل إليه من اكتشافات، غير أننا يجب أن نتذكر دائما أن "الصُدفة لا تأتي إلاّ لمن يستحقها" ، فلولا عقل مندل الراجح وصبره الدؤوب، أو لو كانت أهديت إلى شخص آخر ليست فيه مثل هذه الصفات، لما اكتُشفت قوانين الوراثة على الأقل في ذلك الوقت.

وإذا كانت القدر قد رتَّب لداروين المشاركة العلمية في رحلته التاريخية على السفينة بيجل لسنوات خمس، وذلّل له الصعوبات التي اعترضته في بادئ الأمر، إلاّ أن ذلك لا يقلل بحال من الجهود المضنية التي بذلها داروين خلال الرحلة وبعدها والتي وصلت إلى عشرين عاماً، ليضع نظريته الشهيرة عن التطور البيولوجي متضمنَّة في كتابه ذائع الصيت "أصل الأنواع" .

 

وإذا كانت الظروف وحدها هي المسؤولة عن أن يقع في يد هرشل كتابٌ في علم الفلك كان بمثابة نقطة التحول في حياته، إذ جعله يوجه جل اهتمامه لهذا العلم، فإننا ينبغي ألا ننسى أن بذرة حب هذا العلم كانت منغرسة في أعماق هرشل منذ الصغر، عندما كان أبوه يصحبه هو وإخوته ليلاً إلى العراء لمراقبة النجوم .

وظاهرة "النظائر" لم يخطط لاكتشافها أحد كما لم ينفرد بها أحد ، وإنما خطَّطت لها "الظروف" وكان أبطالها ثلاثة : وهلر ، وليبج ، وبرزيليوس . وإذا ما أمعنا النظر في ملابسات اكتشافها نجد أن التدقيق والتروي هما السبب، وقد لعب كلٌ من العلماء  الثلاثة – دون أن يدري – دوراً فيها!

وهلر في السويد حضَّر مركباً معيناً وليبج في فرنسا حضَّر آخر مماثلاً، وعندما دقَّق الثاني في المركبين وجد هناك اختلافٌ في الخواص مع التشابه في العناصر والمقادير. والثالث اكتشف بعبقريته تلك الظاهرة الجديدة .

 

وهناك الكثير من الأمثلة التاريخية التي لعبت "الصدفة" دوراً في كل منها، نشير إلى بعضها مع التعليق عليه .

– مبدأ التحصين:  كان باستير قد قطع بحوثه الخاصة بكوليرا الدواجن عندما قام بإجازة. ولكنه لما استأنف عمله، صادفته عقبة غير متوقعة، وهي أن مستنبتات البكتيريا التي كان يستعملها في تجاربه قد أصبحت جميعها عقيمة تقريباً.

وقد حاول إنعاشها جزئياً في حساءٍ مُغذِّ، ثم حقنها في الدواجن. ولكن أغلب الاستنباتات الفرعية لم تَنْمُ. كما أن الطيور لم تتأثَّر. وكان على وشك التخلص من كل ذلك والبدء من جديد ريثما هبطت عليه فكرة تلقيح الدواجن ذاتها بمستنبت بكتيري جديد .

ولدهشة الجميع، ومنهم باستير نفسه الذي لم يكن يتوقع مثل هذا النجاح، فقد قاومت جميع هذه الدواجن تقريباً التلقيح، وذلك على الرغم من أن الدواجن الجديدة قد سقطت صريعة المرض بعد مدة الحضانة المعتادة .

وقد أدَّت هذه "الصُّدفة" إلى معرفة مبدأ مهم من مبادئ الوقاية وهو التحصين بواسطة جراثيم الأمراض الموهنة ! .

 

– صبغة جديدة للبكتيريا: لعل أهم الطرق المستعملة الآن في صبغ البكتيريا تلك الطريقة التي اكتشفها الطبيب الدانماركي جرام. وقد وصف كيف أنه كشف عن هذه الطريقة – عفواً – بينما كان يحاول إيجاد وسيلة لصبع الشرائح الكلوية صبغاً مزدوجاً .

فقد استعمل صبغة "بنفسجي الجنتيان" يليها  محلول اليود، آملاً أن يصبغ نوى الخلايا المبطنة للقنوات الكلوية الدقيقة باللون البنفسجي والخلايا ذاتها باللون البني، وقد وجد جرام أن الكحول يزيل لون النسيج بسرعة بعد هذه المعالجة.

ولكن بعض أنواع البكتيريا تظل محتفظة بلون أزرق مسود. ذلك أن صبغة الجنتيان قد تفاعلت، بطريقة غير متوقعة ، مع محلول اليود ومع مادة معينة موجودة في بعض أنواع البكتيريا وغير موجودة في أنواعها الأخرى .

وهكذا وُجدت – بشكل غير مقصود – صبغة جديدة للبكتيريا، كما أتيح في الوقت ذاته اختبار بسيط كانت له قيمته الكبيرة في تمييز الأنواع المختلفة من البكتيريا .

 

– مرض السكر : في عام 1889 وفي مدينة شتراسبورج استأصل كل من فون ميرنج ومنكوفسكي بنكرياس أحد الكلاب جراحياً لدراسة وظيفته الهضمية، وفيما بعد لاحظ أحد مساعدي المعمل أن أسراباً من الذباب كانت قد انجذبت نحو بول الكلب الذي اُجريت له هذه العملية، فلفت نظر منكوفسكي إلى هذه الظاهرة، فقام الأخير بتحليل هذا البول فوجد أنه يحوي سُكَّراً! 

وفي عهدٍ أقرب حدث أن كان العالم الاستكلندي شودن يبحث سبب تلف الكلية الذي يعقب إصابة أحد الأطراف إصابة شديدة ساحقة.

وكان من بين المواد التي جرَّبها مادة "الألوكسان" الذي وجد أن حقنها يسبب تنخر نسيج الجزيرات البنكرياسية وتهتكه. وقد أتاح هذا الكشف، غير المتوقع، وسيلة من أنفع الوسائل في دراسة مرض السكر .

 

– محلول رنجار : كانت العادة المتبعة بين الفسيولوجيين هي استعمال محلول الملح الفسيولوجي كمحلول غامر لقلوب الضفادع المنزوعة في أثناء تجاربهم عليها. وكانت هذه القلوب تظل نابضة، بهذه الطريقة، لمدة نصف ساعة تقريباً .

وفي إحدى المرَّات دُهش أحد الفسيولوجيين الذين يعملون في مستشفى "الكلية الجامعة" بلندن، وانتابته الحيرة عندما وجد أن قلوب ضفادعه استمرت نابضة لعدة ساعات، ولم يجد تفسيراً لهذه الظاهرة سوى أنها راجعة إلى تأثيرٍ موسمي، وافترض ذلك بالفعل في أحد التقارير .

ولكن اتضح فيما بعد أن مساعده في المعمل كان قد استعمل ماء الصنبور بدلاً من الماء المقطر في تحضير المحلول الملحي. وعلى أساس هذا الدليل كان من السهل تحديد أي الأملاح الموجودة في الماء العادي كانت السبب في هذا النشاط الفسيولوجي الزائد .

وهذا ما هدى سدني رنجار إلى تحضير ذلك المحلول الذي يحمل اسمه ، والذي أسهم كثيراً في الفسيولوجيا التجريبية .

 

– التلازن المرئي : يقول "ه . أ . درهام" في تقريره المكتوب التالي عن كشف ظاهرة "تلازن" البكتيريا بفعل الأمصال المضادة : "كان صباحاً لن أنساه ، يوم من أيام نوفمبر عام 1894، عندما كنا جميعاً على أُهبة الاستعداد ومعنا المستنبت البكتيري والمصل اللذان أمدَّنا بهما "بفيفر" لاختبار تفاعله التشخيصي في الجسم الحي، حينما صاح بي الأستاذ "جروبار" : درهام! تعال وانظر.

ذلك أنه كان قد وضع – قبل حقن الحيوان بأخلاط المصل والبكتيريا الواوية – عيَّنه تحت المجهر حيث تبدَّت تحت أنظارنا ظاهرة التلازن.

وبعد أيام كنا نحضِّر المخاليط في أوانٍ زجاجيةٍ صغيرة معقَّمة، ولكن حدث أنني لم أجد واحداً منها جاهزاً للتعقيم، فاضطررت إلى استخدام أنابيب اختبار معقَّمة ، ثم تركت الأنابيب المحتوية على خليط المستنبت والمصل وقتاً قصيراً.

ولكن ما لبثت أن صحت : سيدي الأستاذ : تعال وانظر، فقد كانت ظاهرة الترسيب أمام عينيه! وهكذا أصبح لدينا الطريقتان : المجهرية المتلازنة والمرئية المترسبة" .

وهذا  الكشف لم يكن متوقَّعاً على الإطلاق، كما لم يكن مسبوقاً بأي فرض. وهو قد حدث بطريق الصدفة أثناء العمل في بحثٍ آخر . وكشف عن ظاهرة التلازن المرئي لسببٍ عارضٍ وهو نقص الأواني الزجاجية المعقَّمة!! .

 

– فصل التريبتوفان: طلب "بولاند هوبكنز". الذي يعده الكثيرون أباً للكيمياء الحيوية ، من طلابه أثناء درسٍ عملي  التدرب على إجراء اختبارٍ معروف للكشف عن البروتينات، بيد أنهم أخفقوا جميعاً في إظهار التفاعل.

وقد دلَّ البحث على أن هذا التفاعل لا يتم إلاّ إذا احتوى حمض الخليك المستعمل على شائبة هي حمض الجليوكسيليك الذي أصبح منذ ذلك الحين الكاشف المعترف به لهذا الاختبار .

ويتبع هوبكنز لهذا الدليل أكثر من ذلك، كشف عن المجموعة الكيميائية الموجودة في البروتين يتفاعل معها حمض الجليوكسيليك. وقد قاده هذا إلى كشفه المشهور الذي فصل فيه "التريبتوفان".

 

– مصل حماية الأغنام من تقرُّح حوافرها : في بحوثه في هذا الصدد يذكر "بيفريدج" أنه قام بمحاولاتٍ عديدة لتحضير وسطٍ يمكن أن ينمو فيه العامل المعدي.

وعندما استخدم مصل الأغنام في الوسط، كما هو المناسب والمعقول ، إذ بالنتائج كانت سلبية باستمرار ، وأخيراً حصل على نتيجة إيجابية في مجموعة معيَّنة من الأوساط، ولكن كيف تم له هذا؟ 

يقول : "وجدتني استخدم في هذه المجموعة مصل الحصان بدلاً من مصل الأغنام ، وذلك بسبب نفاذ الكمية المتاحة لي من المصل الأخير ساعتها. وبفضل هذا التصرف – غير المقصود وغير المخطط له – أصبح من الميسور عزل العامل المسبب للمرض وإثبات مفعوله. وهذا العامل هو كائن عضوي ينمو في حالة وجود مصل الحصان لا مصل الأغنام " .

وهكذا أدت الصدفة- وحدها – إلى كشفٍ مهمٍ أشار فيه العقل إلى الاتجاه المخالف ! .

 

– صبغ عصيَّات الدرن : حدث كشف "بول إيرليش" للطريقة الخاصة بصبغ عصيَّات "باسيّالات" الدرن ، نتيجة تركه بعض مستحضراتها فوق فرنٍ أشعله آخر بعد ذلك سهواً . فقد كانت حرارة الفرن – ويا لصدفة الغريبة – هي بعينها الدرجة اللازمة لتمكن الطبقة الشمعية المغلفة لهذه البكتيريا من امتصاص الصبغة ! .

وقد علَّق " روبرت كوخ " على ما حدث بقوله: "إنا لمدينين بالفضل لهذا الظرف وحده، في أنه أصبح من المعتاد البحث عن تلك العصيات في البصاق!".

 

– علاج الأعضاء التناسلية للأغنام:  كان بيفريدج يبحث في علاج مرض يصيب الأعضاء التناسلية للأغنام ، وهو مرض يستمر فترة طويلة جداً.

وكان يعتقد أنه غير قابل للشفاء إلاّ بالجراحة الجذرية، ولكن عندما أُرسلت الأغنام المصابة من الريف إلى المعمل لفصحها ، وجد – لدهشته – أنها قد شُفيت جميعاً من تلقاء نفسها خلال بضعة أيام من وصولها! .

وقد  اعتقد في بادئ الأمر أن الحالات التي أُرسلت لم تكن حالات "نموذجية" للمرض ، ولكن البحوث التالية أثبتت أن الصيام الذي فرضته الأغنام على نفسها بسبب وضعها في بيئة غريبة عليها هو الذي أدّى إلى شفائها.

وهكذا تبيَّن أن هذا المرض، الذي يستعصي على طرق العلاج الأخرى، يمكن شفاؤه في أغلب الحالات بهذا الإجراء البسيط – الصيام لبضعة أيام !.

 

– كشف البنسلين : يُنسب كشف البنسلين، كما قدَّمنا، إلى فلمنج وذلك على الرغم من أن تطويره كعامل علاجي تم بفضل بحوث السير "هوارد فلوري" التالية .

ومن الطريف أن نشير إلى أن هذا الكشف كان يمكن الاّ يتم لو لم يكن فلمنج يعمل في ظروف "غير ملائمة" في مبنىً قديمٍ ، يسوده الغبار الذي أتاح حدوث التلوث ! .

تلكم كانت أمثلة لكشوفات في علم الحياة لعبت "الصدفة" فيها دوراً أساسياً، ونقدم فيما يلي مثلين لكشفين مناظرين في الكيمياء :

 

– إنتاج أول صبغة أنيلينية : عندما كان "و . ه . بيركين" في الثامنة عشرة فقط من عمره، حاول إنتاج "الكينين" بأكسدة "الأليل – أورثو – تولويدين" بواسطة بيكرومات  البوتاسيوم ولكنه فشل.

فرأى أنه قد يكون من الطريف معرفة ما قد يحدث عند معاملة قاعدة أبسط من القاعدة السابقة بنفس المادة المؤكسدة، فاختار "كبريتات الأنيلين" … وهكذا أنتج أول صبغة أنيلينية .

ولكن الصدفة وحدها لعبت الدور الأكبر مما تشير إليه الوقائع المجردة ، إذ لو لم تكن كبريتات الأنيلين التي استعملها بيركين تحوي شوائب من "الباراتولويدين" لماأمكن حدوث ذلك التفاعل!.

 

– خاصية الفورمالين : بينما كان "رامون" يضيف المواد المطهرة للرواشح بقصد حفظها من التلف ، كشف – مصادفةً – خاصية الفورمالين في إزالة السموم "التوكسينات"، دون التأثير في قدرتها على توليد الأجسام المضادة . ومن ميدان الفيزيقا نسوق أمثلة أربعة لاكتشافاتٍ علمية :

– كشف الكهرباء التيارية : تتلخص قصة هذا الكشف في أن مكتشفه "لويجي جلفاني"، وهو عالمٌ في الفسيولوجيا والفيزيقا، كان قد شرَّح ضفدعة وتركها على منضدة بالقرب من آلة كهربائية وعندما ابتعد عنها لحظة جاء مساعده ولمس – من غير قصد – أعصاب رجلها بمشرط فلاحظ تقلص عضلات الرجل. ثم لاحظ آخر أن انبعاث الشرارة من الآلة الكهربائية  يثير نفس هذه الاستجابة .

وبتوجيه نظر جلفاني لهذه الظاهرة الغريبة ، بحثها  بحماسٍ حتى اكتشف – ومن بعده فولتا – الكهرباء التيَّارية .

 

– كشف التأثير المغناطيسي للتيار الكهربائي : في عام 1822 تصادف أن وضع الفيزيقي الدانماركي أورستد في نهاية إحدى محاضراته سلكاً متصلاً عند طرفيه بخلية فولتية فوق إبرة ممغنطة وفي وضعٍ مواز لها.

وكان قد تعمَّد في بادئ الأمر أن يمسك السلك في وضع رأسي بالنَّسبة للإبرة، فلم يحدث شيء . ولكنه دُهش إذ رأى الإبرة تغيِّر من وضعها حين أمسك بالسلك – مصادفةً – في وضع أفقي وموازٍ لها .

وببديهة حاضرة، عكس التيار فوجد أن الإبرة انحرفت في الاتجاه المضاد. وهكذا كشف – بمحض الصدفة وحدها – العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية ! .

وقد مهَّد هذا الكشف الطريق أمام اختراعات كثيرة ترتَّبت عليه، مثل اختراع فاراداي المولِّد الكهربائي. وربما كانت الحضارة الحديثة مدينة لهذا الكشف، كشف التأثير المغناطيسي للتيار الكهربائي، أكثر مما هي مدينة لكثيرٍ من الكشوفات الأخرى .

 

– كشف الأشعة السينية : لم يكن رونتجن ينوي حقاً اكتشاف الأشعة السينية، وإنما كان يجري تجارب على تأثير التفريغ المرتفع على الشحنات الكهربائية مستخدماً  "بلاتينو سيانيد الباريوم"، بقصد الكشف عن الأشعة غير المنظورة.

ولم تكن لديه أية فكرة عن قدرة هذه الأشعة على اختراق المواد المعتمة، ولكنه سرعان ما لاحظ – بمحض الصدفة – أن بلاتينو سيانيد الباريوم الذي تركه فوق مائدة البحث بجوار أنبوب التفريغ أصبح مشعاً، على الرغم من أنه كان منفصلاً عن الأنبوب بطبقة من ورقٍ أسود. وعلَّق على ذلك فيما بعد مندهشاً : "لقد وجدت – مصادفة – أن الأشعة اخترقت الورق الأسود!" .

 

– كشف الإشعاع الكونى ذى الموجات الكهرومغناطيسية بالغة القصر : أنظر هامش ص ص : 1402 – 1403 .

تلكم الأمثلة، وغيرها كُثْر، تبين بوضوح أهمية الدور الذي تلعبه الصدفة في الكشف العلمي. ومما يزيد من أهمية هذا الدور أن نضع في الحسبان حالات الفشل والتعثر المتكرر الذي يصادفه العالم عادةً في بحوثه.

وربما تكون غالبية الكشوف، على ما يقول بيفريدج، قد تمت في العلوم البيولوجية والطبية على وجه الخصوص بطريقة غير متوقَّعة، أو كانت تنطوي على الأقل على عنصر الصدفة، وهو ما ينطبق بوجهٍ خاصٍ على أهم الكشوف وأعمقها أثراً .

ورغم أننا ندرك جميعاً أن "الصدفة" يمكن أن تكون أحياناً سبباً ما في كشف معيَّن، فإننا نادراً ما نُقدِّر أهميتها ونفهم كنه دورها أو حتى نعترف بها ، يؤيِّد هذا أن الكتب التي تناولت مناهج البحث العلمي تخلو من ثمة إشارة إلى دور الصدفة أو الاتفاق في الكشف العلمي .

وربما كانت أبرز أمثلة للكشوف التي تمت اتفاقاً، هي العلاج بالمواد الكيميائية، حيث تمت جميع هذه الكشوف الكبيرة تقريباً بتتبع فرض زائف أو ملاحظة عارضة، مثل كشف التأثير العلاجي لكل من "الكينين" و "السلفارسان" و "السلفانيلاميد" و "البنسلين" و "الدياميدن" و "حمض البارا أمينو بنزويك"! .

 

لذا يجب على العالم أن يستثمر الصدفة في الكشف وألا يتجاوزها كما لو كانت أمراً شاذاً، أو ما هو أسوأ، كما لو كانت شيئاً يُقلِّل من فضل المكتشف، مما يدفعه إلى التنكر لها وإغفال ذكرها.

وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نحقِّق بإرادتنا ذلك الشيء الذي يحدث مصادفةً أو اتفاقاً، فلا أقل من أن نكون متيقظين له وأن نعد أنفسنا للتعرف عليه والاستفادة منه بمجرد سنوحه لنا. وإنه لمن الحكمة أن يكون شعار الباحث العلمي دائما : انتبه لما هو غير متوقع! .

ولكن لا بد لهذا الباحث من أن يفهم دور "الصدفة" في الكشف العلمي على حقيقته . إذ يدلنا تاريخ الكشف العلمي على أن الصدفة تلعب فعلاً دوراً مهماً ولكنه واحدٌ في كل حال، حتى بالنسبة لتلك الكشوف التي قد تُعزى إلى الصدفة وحدها.

 

لذا كان من التضليل أن يُشار إلى كل الكشوف غير المتوقعة على أنها "كشوف عارضة" أو "حدثت بالصدفة" لأنها إن كانت كذلك فعلاً، أي الصدفة أو الاتفاق فحسب، لأمكن لأي باحث غير متمرِّس أن ينتج منها قدر ما أنتج العلماء الكبار من مثل باستير وبرنار!.

والحقيقة في هذا يُجلِّيها قول باستير : "الصدفة لا تأتي إلا لمن يستحقها". وقول شارل نيكول : "الصدفة فتاة لا تُقبل إلا على من يعرف كيف يغازلها!" .

 

ومعنى هذا أن الشيء الذي يحدث مصادفة أو اتفاقاً لا معنى له في ذاته إن لم يوجد من يستطيع فهمه وتفسيره واستثماره بشكلٍ أو بآخر ، بل وقبل كل هذا إدراكه واقتناصه . فالمهم في الأمر إذن هو كيفية الإفادة من ذلك الشيء الذي جاء عفواً، أما دور الصدفة فينحصر في مجرَّ تهيئة الفرصة فقط، وعلى  العالم أن يعرف كيف يستثمرها ولا يتركها تهرب منه وتضيع سُدى.

ولعل في الأمثلة الكثيرة التي ذكرناها ما يوضح أن كثيراً من الفرص كان يمكن أن يمر ويفر بسهولة من أولئك العلماء والباحثين لو لم يكونوا متأهبين لاقتناص بادرةٍ تسنح أو شيء عارض يلوح . فالعالم الناجح هو الذي يشحذ انتباهه ويوجهه دائماً لاقتناص غير المتوقَّع التي تأتي به الصُدف واستثماره .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق