العلوم الإنسانية والإجتماعية

أسباب اهتمام الباحثين بـ”بياجيه” ونظرياته حول الطفولة

1995 مستويات النمو العقلي

الدكتور محمد مصيلحي الأنصاري

KFAS

اهتمام الباحثين بياجيه العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

سيطرت نظرية جان بياجيه على الدراسات والبحوث في مجال النمو العقلي المعرفي ، اعتباراً من الخمسينات وحتى الآن.

بحيث أصبح من الصعب ان يمر اجتماع تربوي في مجال الطفولة ، زو أن تصدر دورية متخصصة ، دون الإشارة إلى بياجيه وإنجازاته ، أو دون التعرض لمحاولة الاستفادة ببعض ما توصل إليه في مختلف جوانب التطبيقات التربوية ، او حتى دون التصايح حول ما يستحق وما لا يستحق . 

ولا ترجع هذه الشهرة الواسعة الآفاق التي يتمتع بها فكر بياجيه إلى أن الرجل منذ العشرينيات وحتى وفاته 1980 قد قدم – وزملاؤه – الكثير مما يستحق الذكر ، أكثر من 40 كتاب ، 100 مقال عن الطفل (Gins-burg, 1988, p.v) ، لكن الحقيقة أن بياجيه قد حاز على إهتمام الباحثين سواء في علم النفس او في التربية لأسباب موضوعية هامة ومتعددة ، منها :

 

أ- قد رصداً لعدد من الموضوعات والمشكلات الجديدة والمثيرة في مجال المعرفة والطفولة مما لم يسبق لغيره ملاحظته ، مثل مشكلة الاحتفاظ التي ألهبت خيال الباحثين لعقود متتالية بإعتبارها أحد مجالات قدرة الطفل على بناء الحقيقة التي تتجاوز مظاهرها الأشياء .

 

ب- أعاد بياجيه المفاهيم الخاصة بالنمو العقلي المعرفي ، ليس فقط من خلال إزاحة النظريات السلوكية حول المثير – الإستجابة باعتبارها أكثر وجهات النظر تاثيراً في علم نفس النمو ، والتعلم سواء في أوروبا أو أمريكا ، وقت ظهوره ، بل وأيضاً من خلال أفكاره ونظريته التي جاءت جديدة ومبدعة وشاملة ، والقت ضوءاً كاشفاً على هذا الجانب من الدراسات النفسية .

 

جـ- اقام نظرية ، تعتبر الوحيدة التي تأسست على دراسة الطفل ذاته مباشرة ، إذ لا توجد نظرية لأي من الباحثين الذي اعتادوا على شرح نمو الطفل ، مثل وفرويد وليفين وهل وميللر ودولار وسكينر وويرز ، وقد قامت على دراسة الطفل بمثل الكثافة التي درسها بياجيه ، والحقيقة أن بعضاً من هذه الأسماء مثل فرويد وهل وسكينر لم يدرسوا الطفل على الإطلاق ، أما بياجيه فقد لاحظ وقابل واختبر الأطفال في مختلف الأعمار على مدى ستين عاماً ، وحصل وقدم من المعلومات ما لا نهاية  له ، مركزاً اهتمامه دوماً على المتغيرات الكيفية التي تطرأ على هؤلاء الأطفال ، وباحثاً عما يكمن وراء السلوك ، ومستخدماً في داب ومثابرة منقطعة النظير منهجه الاكلينيكي الذي اختاره طريقاً لبناء نظريته .

 

وإذا كان من الواضح أن مثل هذه الأسباب يمكن أن تدفع بكل مهتم بالنمو الإنسان إلى دراسة بياجيه وما أنجز ، فإنه من الواضح أيضاً أن مثل هذه الدراسة ليست بالامر اليسير ، لأن بياجيه كاتب صعب ، أسلوبه في الكتاب لا يفور درجة كافية من الوضوح ، كثير من مصطلحاته تبدو غريبة حتى على مسامع المتخصصين في علم النفس.

فضلاً عن أن إسهاماته الأخيرة بصفة خاصة ، قد صيغت بأسلوب المنطق الرمزي والرياضيات ، ويصف (Voyat, 1982) هذه الصعوبة والتي تحدث عنها كثير من الباحثين بقوله : "ان بياجيه يكتب وهو يفكر ، كما أنه يفكر وهو يكتب ، ويجد الإنسان أنه لا مفر أمامه سوى أن يتابع مضطراً هذا المنحى المتفرد من التفكير والكتاب" (P. 30 ثم يطرح سؤالاً يعبر عن المشكلة ، "هل دراسة بياجيه صعبة لان الأطفال كذلك ؟

 

أم أنه يبدو لنا أنه من الصعب دراسة وفهم الأطفال بسبب ما نجده من صعوبة في دراسة بياجيه" (P.220 ثم يعلق أخيراً بالقول ، "لقد توصل بياجيه إلى نظرية أكثر دقة ، لميكانزيمات المعرفة ، أكثر من أي نظرية معرفية كلاسيكية ، إننا أمام بياجيه المجرب الفيلسوف وفي نفس الوقت الفيلسوف المجرب"  (P. 27) .

ورغم صعوبة دراسة بياجيه ، ناهيك عن الكتابة عنه ، إلا أن ذلك لم يمنع منسابا من آلاف الباحثين في شتى أنحاء المعمورة ، من محاولة الدراسة والكتابة عنه ، وقد اتفقت معظم هذه المحاولات على أن تناول بياجيه لا يمكن أن يتم إلا من خلال التعرف على الأسس البيولوجية التي انطلق منها.

وعلى مفهومه للذكاء الذي بنى عليها رؤيته لكل مرحلة من مراحل النمو ، وعلى هذا الأساس نتناول مفهوم الذكاء عند بياجيه وأسسه البيولوجية ، ثم المفاهيم الأساسية لنظرية بياجيه واخيراً مراحل النمو عند بياجيه ، وبخاصة مرحلة ما قبل العمليات من حيث خصائصها والعمليات المعرفية فيها ، وذلك على النحو التالي 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق