الكيمياء

آلية تكوّن “الصدأ” على الفلزات

2001 موسوعة الكويت العلمية الجزء الثاني عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الصدأ آلية تكون الصدأ الكيمياء

الصَّدَأُ اسْمٌ يُطْلَقُ علَى الأَكاسيدِ الّتي فَوْقَ سَطْحِ الفِلِزِّ نتيجةَ تَفاعُلِهِ مَعَ الوَسَطِ المُحيطِ بِهِ، بِخَاصَّةٍ أُكْسيجينُ الهَواءِ الجَوِّيِّ.

ويُؤدِّي تَكَوُّنُ الصَّدَأ إلَى اخْتفاءِ السَّطْحِ اللاَّمِعِ والبَريقِ الّذي يَتَمَيَّزُ بِهِ مُعْظَمُ الفِلِزَّاتِ.

وظُهورُ الصَّدَأ دَليلٌ عَلَى تآكُلِ الفِلِزِّ. لِذَلِكَ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُ إحدَى الكَلِمَتَيْن – الصَّدَأ أَوْ التآكُلِ – لِوَصْفِ العَمَلِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ لِلْتَدَهْوُرِ البَطيءِ الّذي يَعْترِي الفِلِزَّ نَتيجةَ تَفاعُلِهِ مَعَ الوَسَطِ المُحيطِ بِهِ.

 

وتَخْتَلِفُ الفِلِزَّاتُ كثيرًا فيما بَيْنَها بالنِّسْبَةِ لقَابِلِيَّتِها لِلأَكْسَدَةِ وتكوُّنِ الصَّدَأ عَلَى سَطْحِها، وفي لَوْنِ طَبَقَةِ الصَّدَأ ومَدَى تَماسُكِها.

فسَطْحُ الأَلْومِنْيومِ اللاَّمِعُ يَتَفاعَلُ بِسُـرْعَةٍ كَبيرةٍ مَعَ الأُكسيجينِ مُكَوِّنًا طَبَقَةً رقيقَةً لِلْغَايَةِ مِن أُكْسيدِ الأَلومِنْيومِ شَديدَةَ التَّماسُكِ والالْتِصاقِ بِسَطْحِ الفِلِزِّ إلَى حَدِّ أَنَّها تَحُولُ دُونَ وُصولِ الأُكسيجينِ إلَى طَبَقاتِ الفِلِزِّ الّتي تَلِي السَّطْحِ مُباشَرَةً.

وهذا يَحمِي هذهِ الطَّبَقَاتِ من اسْتِمْرارِ التَّآكُلِ. ولأَنَّ طَبَقَةَ الأُكْسيدِ المُتَكَوِّنَةَ رَقيقَةٌ لِلْغايَةِ، فهي لا تُخْفي سَطْحَ الفِلِزِّ اللاَّمِعِ تَحْتَها لِفَتَراتٍ طَويلَةٍ.

 

أمَّا الحَديد فإنَّهُ يَتَأَكْسَدُ بِبُطْءٍ شَديدٍ في وُجودِ الأكسيجينِ الجافِّ، ولا يَتَأَثَّر بالماءِ الخالي من الأُكسيجينِ المُذَابِ.

أمَّا في الأَجْواءِ الرَّطْبَةِ فَيَتِمُّ التَّفاعُل مَعَ الأُكسيجين بِسُـرْعَةٍ كَبيرَةٍ حيثُ تَتَكَوَّنُ طَبَقَةٌ مَسامِّيَّةٌ هَشَّةٌ بُنِّيَّةُ اللَّوْنِ مِن أُكْسيدِ الحديدِ III (الحَديديكِ) تَسْمَحُ بِنَفَاذِ الأُكسيجينِ إلَى الطَّبَقاتِ الّتي تَلِي السَّطْحَ مُبَاشَرَةً، وهذا يُؤَدِّي إلَى اسْتِمْرارِ عَمَلِيَّةِ التَّآكُلِ حتَّى يَنْتَهِيَ الفِلِزُّ عَنْ آخِرِه.

ولَقَدْ أَوْضَحَتْ الدِّراسَاتُ أنَّ عَمَلِيَّةَ التَّآكُلِ لَيْسَتْ عَمَلِيَّةً كيمْيائِيَّةً مُباشِرَةً بَيْنَ الفِلِزِّ والأُكْسيجينِ كما يَبْدو، بَلْ هِي عَمَلِيَّةٌ كَهْرَكِيمْيائِيَّةٌ، أَيْ تَفَاعُلٌ كيميائِيٌّ يَتَضَمَّنُ مُرورَ تَيَّارٍ كَهْرَبَائِيٍّ بَيْنَ المَواقِعِ المُخْتَلِفَةِ مِنْ سَطْحِ الفِلِزِّ.

 

ولِتَوْضيحِ الكَيْفِيَّةِ الّتي يَتِمُّ بها صَدَأُ الفِلِزَّاتِ وتَآكُلُها سَنَضْرِبُ مَثَلاً بِصَدَأ الحَديدِ لاتِّساعِ نِطاقِ اسْتِعْمالِ الحَديدِ والصُّلْبِ في الأعْمالِ الإنْشائِيَّةِ، مثل الجُسورِ، والمَبانِي، والآلاتِ الصِّناعِيَّةِ عَلَى اخْتِلافِ أَنْواعِها، وَوَسائِلِ الانْتِقالِ مِنْ سَيَّاراتٍ وقَاطراتٍ وسُفُنٍ وطائِراتٍ، ولِضَرورَةِ العَمَلِ عَلَى وِقايَةِ هذا الفِلِزِّ البَالِغِ الأَهَمِيَّةِ مِنْ أَخْطارِ التَّآكُلِ حِمايَةً لِلثَّرْوَةِ القَوْمِيَّةِ.

مِن المَعْلومِ أنَّ تَصْنيعَ الصُّلْبِ يَخْضَعُ لمُعامَلاتٍ حَرارِيَّةٍ وإِجْهاداتٍ ميكانِيكِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَضْلاً عَمَّا يَحْتَويهِ المُنْتَجُ النِّهائِيُّ مِنْ إضافاتٍ غَيْرِ حَديدِيَّةٍ.

وتُؤَدِّي هَذِهِ العَوامِلُ مُجْتَمِعَةً إلَى أنْ يُصْبحَ سَطْحُ الفِلِزِّ غَيْرَ مُتَماثِلٍ تَمامًا في كُلِّ أَجْزائِهِ. وَعَدَمُ التَّماثُلِ هَذَا كَفيلٌ بِأَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ المَواقِعِ عَلَى سَطْحِ الفِلِزِّ أَكْثَرَ قابِلِيَّةً لِلْتَأَكْسُدِ مِنْ غَيْرِها.

 

وتُسَمَّى المواقِعُ القَابِلَةُ لِلْتَأَكْسُدِ بالمواقِعِ المِصْعَدِيَّةِ (الأَنودِيَّةِ)؛ وهي المَواقِعُ الّتي يَنْطَلِقُ مِنْها التَّيَّارُ الكَهْرَبائِيُّ المُصاحِبُ لعَمَلِيَّةِ التَّآكُلِ.

ويَبْدأُ التَّآكُلُ في هَذِهِ المَواقِعِ بِتَحَوُّلِ ذَرَّاتِ الحَديدِ إلَى أَيونَاتٍ مُوجَبَةٍ تَتَحرَّرُ مِنْها الإلِكْتْرونَاتُ الّتي تَتَّجِهُ إلَى المَواقِعِ المِهْبَطِيَّةِ (الكاثودِيَّةِ) عَلَى سَطْحِ الفِلِزِّ.

 

وَلِكَيْ تَكْتَمِلَ الدَّائِرَةُ الكَهْرَبائِيَّةُ يَتَطَلَّبُ الأَمْرُ وُجودَ وَسَطٍ تَنْتَقِلُ مِنْ خِلالِهِ أَيونَاتُ الحَديدِ الّتي تَكَوَّنَتْ عِنْدَ المِصْعَدِ، وأَدَاةً لِتَوْصيلِ الإلِكْترونَاتِ إلَى المِهْبَطِ. أمَّا الوَسَطُ فَهُوَ المَاءُ الّذي يُوَفِّرُهُ الجَوُّ الرَّطْبُ، وأمَّا أَدَاةُ التَّوصيلِ فَهي سَطْحُ الفِلِزِّ نَفْسِهِ.

وعِنْدَ المِهْبَطِ يَتِمُّ تَفاعُلُ الاخْتِزَالِ حَيْثُ تَتَّحِدُّ الإلِكْترونَاتُ مَعَ الأُكْسيجينِ في وُجودِ الماءِ مُحَوِّلَةً إيَّاهُ إلَى مَجْموعَاتِ هِيدْروكسيل سَرْعَانَ ما تَتَّحِدُ مع أَيونَاتِ الحديدِ II الّتي جَاءَتْ مِن المِصْعَدِ مُكَوِّنَةً هِيدروكسيدَ الحديدِ II (الحَديدوزِ) الّذي يَتَرَسَّبُ عِنْدَ المِهْبَطِ:

أكسيجين + 2 ماء + 4 إلكترونات 4 مجموعات هيدروكسيل (سالبة)

أيون حديد (موجب) + مجموعتا هيدروكسيل (سالبتان) هيدروكسيد حديد II (الحديدوز)

 

وسَرْعَانَ ما يَتَأَكْسَدُ هِيدروكْسيدُ الحَديدِ II بأكسيجين الهَواءِ الجَوِّيِّ مُكَوِّنًا هِيدروكْسيدَ الحديدِ III (الحديديك):

  4 هيدروكْسيد الحديد II + أكسيجين + 2 ماء 4 هيدروكسيد الحديد III

  وهذا يَفْقِدُ الماءَ مُتَحوِّلاً إلَى أُكْسيدِ الحَديدِ III:

2 هيدروكسيد الحديد III  أكسيد حديد III + 3 ماء

 

وقَدْ يَحْدُثُ فقْدُ الماءِ مِنْ هِيدروكسيدِ الحَديدِ III المُتَرَسِّبِ بصورَةٍ جُزْئِيَّةٍ، وهُنَا تَتَكَوَّنُ مَادَّةُ الصَّدأ الّتي تُعَدُّ في حَقيقَتِها خَليطًا مِنْ أُكْسيدِ الحَديدِ III وهِيدروكْسيدِ الحديدِ III بلَوْنِها الأَصْفَرِ أَوْ الأَسْوَدِ أو البُنِّيِّ المُحْمَرِّ، بِحَسْبِ كَمِّيَّةِ الماءِ الّتي تَحْتويها.

وتُوَضِّحُ هذِهِ الخُطُواتُ دَوْرَ الرُّطوبَةِ الأساسِيَّ في عَمَلِيَّةِ تآكُلِ الحَديدِ وتَكَوُّنِ الصَّدأ، فهي ضَرورِيَّةٌ لِلْعَمَلِ كَمَعْبَرٍ للأَيوناتِ بَيْنَ المَواقِعِ المِصْعَدِيَّةِ والمَواقِعِ المِهْبَطِيَّةِ.

ولِذَلِكَ كانَتْ أَوّلُ طُرُقِ حِمايَةِ الحَديدِ مِنَ التَّآكُلِ هي عَزْلُهُ عَنْ الأَجْواءِ الرَّطْبَةِ إمَّا بدِهانِهِ بالدِّهانَاتِ الصَّامِدَةِ لِلْماءِ وغَيْرِ المُنْفِذَةِ لِلأكْسيجينِ، أَوْ بِطِلاءِ سَطْحِهِ بِطَبَقَةٍ رَقيقةٍ منْ أَحَدِ الفِلِزَّاتِ الّتي تكوِّنُ عِنْدَ تَفَاعُلِها مَعَ الأُكْسيجينِ طَبَقَةً رَقيقَةً من الأُكْسيدِ شَديدَةَ التَّماسُكِ بِحَيْثُ تَحُولُ دُونَ وُصولِ الأُكْسيجينِ إلَى سَطْحِ الحَديدِ.

 

وما الصُّلْبُ غَيْرُ القَابِلِ لِلْصَدأ (ستينْلِسْ ستيل) إلاَّ الحَديدُ وَقَدْ أُضيفَتْ إلَيْهِ نِسْبَةٌ مِنْ فِلِزِّيْ الكُرومِ والنِّيكَلِ، لِتَقومَ هَذِهِ الفَلِزَّاتُ المُضافَةُ بِتَكْوِينِ طَبَقَةِ الأُكْسيدِ الواقِيَةِ فَوْقَ سَطْحِ الحَديدِ. ويُمْكِنُ تَحْقيقُ الحِمايَةِ أَيْضًا بِتَغْطِيَةِ سَطْحِ الحَديدِ بِطَبَقَةٍ مِن القَصْديرِ.

ولَمَّا كانَتْ المَواقِعُ المِصْعَدِيَّةُ مِنْ سَطْحِ الحَديدِ هي وَحْدَها الّتي يَبْدَأُ مِنْها صَدَأُ الحَديدِ وتآكُلُهُ، اسْتُغِلَّتْ هذهِ الحقيقةُ العِلْمِيَّةُ في ابْتِداعِ طريقَةٍ أُخْرَى لحِمايَتِهِ من التآكُلِ، وذَلِكَ بِتَغْطِيَةِ سَطْحِهِ بِطَبَقَةٍ مِنْ فِلِزٍّ آخَرَ مثل الزِّنْكِ تَكونُ أَكْثَرَ قابِلِيَّةً للتَّفاعُلِ مَعَ الأُكْسيجينِ مِنْ الحَديدِ.

ويَتِمُّ ذَلِكَ بِغَمْرِ المَشْغولاتِ الحَديدِيَّةِ في صُهَارَةِ الزِّنْكِ، وهُو ما يُعْرَفُ بِعَمِلِيَّةِ الجَلْفَنَةِ. وبِهَذِهِ الطَّريقَةِ يصبحُ الزِّنْكُ هُوَ المِصْعَدَ في دائِرَةِ التآكُلِ الكَهْرَبائِيَّةِ، بَيْنَما يُصْبِحُ الحديدُ هُوَ المِهْبَطَ الّذي لا يصيبُه التَّآكُلُ.

 

وبِطَريقةٍ مُماثِلَةٍ يُمْكِنُ حمايَةُ المُنْشَآتُ الحديدِيَّةُ الَّتي تَعْمَلُ في أَجْواء رَطْبَةٍ بِصِفَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ كَخِزَانَاتِ الوَقودِ، أَوْ أَنابِيبِ البِتْرُولِ المَدْفونَةِ تَحْتَ سَطْحِ الأَرْضِ، أو أَجْسَامِ السُّفُنِ لا مِنْ خِلالِ طِلاءِ سَطْحِها بِفِلِزٍّ آخَرَ أَكْثَرَ قابِلِيَّةً لِلْتَأكْسُدِ بَلْ بِمُجَرّدِ الوَصْلِ بَيْنَ المُنْشَإِ الحَديدِيِّ وقِطْعَةٍ مِن الفِلِزِّ الأَكْثَرِ نَشاطًا بِسِلْكٍ كَهْرَبَائِيٍّ.

وهُنا يُصْبِحُ المُنْشأ الحَديدِيُّ هو المِهْبَطَ الّذي يُحْمَى مِنَ التآكُلِ عَلَى حِسابِ الفِلِزِّ الأَكْثرِ نَشاطًا والّذي يَتآكَلُ تَدريجِيًّا، ويُسْتَبْدَلُ بِصِفَةِ دَوْرِيَّةٍ. لِذَلِكَ تُعْرَفُ طريقَةُ الحِمايَةِ هَذِهِ بالحِمايَةِ المِهْبَطِيَّةِ.

 وأَكْثَرُ الفِلِزَّاتِ النَّاشِطَةِ اسْتِعْمالاً هو المَغْنيسيومُ لِلْمُنْشآتِ المَدْفونَةِ تَحْتَ الأَرْضِ، والتِّيتانْيومُ لأجْسَامِ السُّفُنِ والمُنْشآتِ البَحْرِيَّةِ.

 

ولأَنَّ حِمايَةَ الفِلِزَّاتِ مِنَ التآكُلِ بِطِلائِها بالدِّهاناتِ أَقَلُّ تَكْلِفَةً مِنْ حِمايَتِها بالطِّلاءاتِ المَعْدِنِيَّةِ، لذلِكَ تَوَصَّلَتْ الأَبْحاثُ حديثًا إلَى نوعٍ جديدٍ من الدِّهانِ يَضْمَنُ الحِمايَةَ الكامِلَةَ لِلْمُنْشآتِ الحَديدِيَّةِ لِفَتَراتٍ طويلَةٍ لِلْغايَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ طُرُقِ الحمايَةِ المَعْروفَةِ. و

تَحْتوي هذهِ الدِّهاناتُ عَلَى أَمْلاحِ الفِلِزَّاتِ، مِن أَمْثالِ الزِّنْكِ والمَغْنيسيوم والكُرومِ والكُوبَلْتِ، والّتي تُوَفِّرُ الحِمايَةَ المَعْدِنِيَّةَ، ويَرْبِطُها معًا بِسَطْحِ الحَديدِ مَادَّةٌ رابِطَةٌ غَيْرُ مُنَفِذَةٍ، شديدةُ التَّماسُكِ وشَديدةُ الالْتِصاقِ بِسَطْحِ الحديدِ بما لا يَسْمَحُ بوصولِ الأُكْسيجينِ أَوْ الرُّطوبَةِ إليهِ.

وبما لا يَسْمَحُ بانْتِقَالِ الأَيونَاتِ بَيْنَ المَواقِعِ المِصْعَدِيَّةِ والمَواقِعِ المِهْبَطِيَّةِ، وهُوَ ما يَمْنَعُ حُدوثَ التَّآكُلِ.

ويُطْلَق اسْمُ الصَّدَأِ أيضًا عَلَى المَرَضِ الّذي تُسَبِّبُهُ أنواعٌ من الفُطْرُ تَتَطَفَّلُ عَلَى النّباتات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق