
بقلم روان هوبر
عندما بدأتُ العمل على كتابة هذا المقال، طرأ في ذهني سؤال عمّا إذا كان ينبغي أن آكل موضوع البحث كجزء من عملية الاستقصاء. تخيّلت افتتاحية جريئة تقول: «هذا أطول الحيوانات عمرًا في العالم، ومذاقه رائع».
وبما أن الحيوان المقصود هو نوع من المحار، تخيّلت طبق سباغيتي بالمحار مع كثير من الثوم. لكن، بعيدًا عن الاعتبارات الأخلاقية لقتل كائن آخر وأكله، والضرر البيئي الذي نُلحقه بالمحيطات بسبب استغلالنا المفرط لها، أدركتُ أن هناك اعتبارًا آخر؛ فهذا الحيوان المميّز، محار المحيط الأطلسي Ocean quahog، قادر على العيش ما لا يقل عن 500 عام. وقتله يبدو ببساطة غير صائب؛ لذا، لا، لن آكل هذا الحيوان الرخوي. وعليه، دعوني أعدّل مقدمتي: هذا أطول الحيوانات عمرًا في العالم، ومهمتي هي أن أكتشف سرَّه.
معذور من لم يسمع من قبل بمحار المحيط، المعروف أيضا باسم المحار الأيسلندي Icelandic cyprine؛ فهو ليس من الكائنات التي يُخصَّص لها وقت على الشاشة. إنه رخوي كبير ثنائي المصراع، يعيش مدفونًا في الرمال على ضفّتَي الأطلسي، من دفء فلوريدا الجنوبية إلى قادس في إسبانيا، وبين مياه كيبيك الباردة في كندا والنرويج. وإذا سبق لكم تناول حساء المحار في الولايات المتحدة، فالأرجح أنكم أكلتموه من دون أن تدركوا ذلك. صدفته ذا خطوط دقيقة تشبه حلقات جذع الشجرة، ويمكن عدّها تمامًا كما تُعدّ حلقات الأشجار لمعرفة عمرها.
أقدم عيّنة معروفة حملت اسم هافرون Hafrún، وهو اسم أيسلندي يعني «لغز المحيط». وُلد هافرون في العام 1499، وعاش كما عاش أسلافه أجيالًا، بهدوء وعلى نظام غذائي متواضع من سواحل أيسلندا. كانت حياته عادية في كل شيء، باستثناء أنها طالت… زمنًا طويلًا. ولم تنتهِ إلا في العام 2006، حين جرفه فريق من جامعة إكستر University of Exeter في المملكة المتحدة من قاع البحر. وكان الباحث المختص في علم التأريخ الصدفي (السكليروكرونولوجيا) Sclerochronology بول بتلر Paul Butler هو المكلَّف بتحديد عمره. ويعتمد علم التأريخ الصدفي على تحليل أصداف الرخويات ثنائية المصراع لبناء سجلات زمنية لبيئاتها المحيطة.
يقول بتلر: «في البدء أُعلن أن عمره يزيد قليلا على 400 عام، لكن قراءة أدق لخطوط النمو ومقارنته بأصداف أخرى تبيَّن أن عمره في الواقع 507 أعوام». ومن المرجّح أن هناك عينات أقدم مازالت موجودة، خصوصا في المياه الباردة حول أيسلندا؛ حيث يبدو أنها تنمو ببطء أكبر، وربما تعيش مدة أطول. هل هناك حدّ أقصى لعمرها؟ يقول بتلر: «يصعب تصديق أنها تعيش أطول بكثير، مع أننا حصلنا مرة على أعمار بعض الأفراد التي حلّلها عالم رياضيات، وقال إنها – من حيث المبدأ – قد تعيش إلى الأبد». حسنا… هذا مُتوقَّع من عالم رياضيات.
ويبدو أن سر طول عمر هذا المحار يكمن في الميتوكوندريا Mitochondria، وهي البُنى الموجودة في خلايانا، والتي تستخدم الغذاء لإنتاج الطاقة. وعندما أتحدثُ عن «خلايانا»، فأنا أعني بذلك نحن الكائنات المعقدة، حقيقيات النوى Eukaryotes، وذلك يشمل جميع الكائنات المُعقَّدة: من أشجار الطقسوس، ويرقات الخنفساء، إلى قناديل البحر والأرانب.
يقول إنريكي رودريغيزEnrique Rodriguez ، الباحث في الميتوكوندريا في جامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن University College London: «امتلاك ميتوكوندريا قوية، كما هي الحال لدى محار أركتيكا أيسلانديكا Arctica islandica، أمر أساسي للحفاظ على صحة جيدة مع التقدم في العمر لدى طيف واسع من الأنواع النموذجية».
ميتوكوندريا محار المحيط أقوى حرفيًّا؛ فهي محاطة بغشاء يتمتع بمقاومة أكبر للتلف مقارنة بالأنواع الأخرى؛ فغشاء الميتوكوندريا لدى هذا المحار غني بالمنظومات أو التجمعات البروتينية التي تعالج الإلكترونات والبروتونات، وتنتج الجزيء أدينوزين ثلاثي الفوسفات ATP، وهو جزيء الطاقة الأساسي في الخلايا. ولدى هذا المحار، تكون هذه الآليات أكبر حجمًا وأكثر ترابطًا، وهذا ما يجعلها أكثر متانة. يقول رودريغيز: «البروتينات ذات وزن جزيئي أعلى، وبُنى أكثر تعقيدًا، وهي أكثر التحامًا».
هذه المنظومات البروتينية تجعل ميتوكوندريا هذا المحار أقل عرضة للضرر. ويعود ذلك جزئيًّا إلى دقّتها في تنظيم حركة مليارات البروتونات والإلكترونات التي تعبر هذه الأغشية كل ثانية؛ فعندما تتسرّب الإلكترونات، تتكوّن أنواع الأكسجين التفاعلية ROS، مثل بيروكسيد الهيدروجين Hydrogen peroxide، وهي جزيئات تُحدث الضرر. يشبِّه رودريغيز الأمر بسيارات مصطفّة في طابور؛ ففي الميتوكوندريا العادية، يتسبب الضوء الأحمر في مقدمة الطابور في تكدُّس السيارات التي تنفث عوادمها الأبخرة وتلوِّث البيئة. أما في ميتوكوندريا المحار، فإن إشارة المرور – وهي هنا مركّب بروتيني – أكثر كفاءة في تنظيم الحركة، ومن ثم تنخفض انبعاثات العوادم.
وليس الغشاء المتين وحده هو الذي يساعد المحار على الحفاظ على صحته مع التقدم في العمر؛ فالمحار قادر أيضًا على إزالة ما يتسرّب من أنواع الأكسجين التفاعلية. وبالعودة إلى تشبيه رودريغيز، يشبه ذلك تنظيف دخان عوادم السيارات.
قارن رودريغيز قدرة المحار المضادّة للأكسدة بقدرات مجموعة من الأنواع القريبة الأقصر عمرًا، ووجد أن قدرته على إزالة أنواع الأكسجين التفاعلية أكبر بثلاثة إلى أربعة عشر ضعفًا. وهذا يعزّز ما يُعرف بنظرية الإجهاد التأكسدي للميتوكوندريا في الشيخوخة Mitochondrial oxidative stress theory of ageing (اختصارا: نظرية MOSTA). ويبدو أن هذه الآلية هي أيضًا وراء العمر الاستثنائي لجرذ الخلد العاري Naked mole rat الذي يمكنه العيش حتى أربعين عامًا، أي أكثر من ستة أضعاف عمر القوارض الأخرى المماثلة له في الحجم.
يحتفظ بيير بلييه Pierre Blier، الباحث في استقلاب الحيوانات وعلم الجينات في تربية الأحياء المائية بجامعة كيبيك University of Quebec، بمحار المحيط في أحواض مختبره؛ لدراسة الآلية التي تمد في عمره. ويؤكد أن محار المحيط يمتلك قدرة أعلى على موازنة المؤكسدات. ويقول إن «محار أركتيكا أيسلانديكا Arctica islandica لديه ميتوكوندريا أكثر صلابة وقدرة على مقاومة أنواع الأكسجين التفاعلية»، وهذا يدعم نظرية MOSTA.
يبدأ هذا في الإجابة عن سؤال كيف تعيش هذه الحيوانات كل هذا العمر؟ لكن ماذا عن السبب؟ بعبارة أخرى، ما ضغط الانتقاء الذي أدى إلى تطوّر ميتوكوندريا بهذه المتانة؟
يأتي أحد الأدلة من انخفاض مستويات الأكسجين في بيئة المحار. يقول رودريغيز: «محار أركتيكا يمكنه البقاء داخل صدفته المغلقة نحو أسبوع كامل من دون استخدام خياشيمه لالتقاط الأكسجين»؛ فقد تعيَّن على ميتوكوندريا المحار تطوير وسائل للبقاء فترات طويلة في ظروف انخفاض الأكسجين، أو حتى انعدامه، وهو ما يُعرف بنقص الأكسجين Anoxia، ثم أن تكون قوية بما يكفي لتحمّل التدفّق المفاجئ للأكسجين، وتخفيف الارتفاع الحاد في الإجهاد التأكسدي الناتج عنه. وهذا يشبه ما يحدث لدى جرذ الخلد العاري. يقول رودريغيز: «هذه الجرذان تعيش في جحورٍ الأكسجين، فيها شديد الانخفاض، ونرى أنماطًا مشابهة في ميتوكوندرياتها التي تبدو متينة ومهيّأة لمقاومة نقص الأكسجين وإجهاد إعادة الأكسجة، وهذا يمنحها طول العمر». وربما يكون الانتقاء لمقاومة نقص الأكسجين قد منح هذه الكائنات أعمارًا مديدة كأثر جانبي.
نصيحتي لمن يرغبون في حياة أطول هي ممارسة الرياضة وتناول طعام جيد والاستحمام بالماء البارد ويبقى السؤال الأكبر: هل يمكننا تقوية الميتوكوندريا في أجسامنا؟ في العام 2005، أنتج فريق من جامعة كاليفورنيا في إرفين University of California, Irvine فئرانًا معدّلة جينيًّا تنتج كميات أكبر من إنزيم الكاتالاز Catalase المضاد للأكسدة داخل الميتوكوندريا، فزاد متوسط عمرها نحو خمسة أشهر، وهي زيادة كبيرة إذا علمنا أن عمرها الطبيعي لا يتجاوز سنتين. ومع أن تعديل جينات الميتوكوندريا البشرية ممكن نظريًّا اليوم، غير أننا مازلنا بعيدين عن فهم كيف يمكن إطالة العمر بأمان، لذا نحتاج إلى طريق آخر.
نعلم أن ممارسة التمارين البدنية تُحسِّن أداء الميتوكوندريا. ونعلم أيضًا أن ميتوكوندريا قوم الشيربا Sherpa الذين يعيشون في مرتفعات التِبت في الصين، تختلف عن ميتوكوندريا سكان المناطق المنخفضة. في العام 2017، تناولت أبحاث سكان السهول الأصليين والشيربا في أثناء صعودهم إلى مخيم قاعدة إيفرست على ارتفاع يقارب 5300 متر فوق مستوى البحر، وتبيَّن أن الشيربا يستخدمون الأكسجين بكفاءة أعلى، ويتمتعون بحماية أكبر من الإجهاد التأكسدي؛ لأن الميتوكوندريا لديهم أكثر متانة، وهذا يعود إلى أساس جيني.
ويؤكد بلييه أننا يمكن أن نتعلم كثيرًا من محار أركتيكا أيسلانديكا عن طول العمر. ويقول: «نصيحتي للعيش مدة أطول هي الاعتناء بالميتوكوندريا: مارسوا التمارين البدنية، وتناولوا طعامًا جيدًا واستحمّوا بالماء البارد… فالماء البارد يبدو أنه يحفّز آليات ضبط الجودة في الميتوكوندريا».
حسنًا، إذا كان هذا يجدي مع محار الأطلسي، فربما…
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC