Oloomصحة

هل تمنعكم أشغالكم من التأمل؟ جرعات صغيرة من اليقظة الذهنية قد تعود بفوائد صحية كبيرة

قد تُحدث جلسات قصيرة جداً من ممارسات اليقظة الذهنية، لا تتجاوز دقيقة واحدة، أثراً إيجابياً غير متوقع لدى من يعيشون إيقاعاً يومياً ضاغطاً. وقد تكفي لحظات خاطفة من الانتباه الواعي لتحسين الصحة والرفاه. هذا المقال يأخذكم لاستكشاف ذلك.

بقلم  ديفيد روبسون

عندما وصل إيلي سوسمان Eli Susman إلى معتكف بوذي، كان يتوقع أن يقضي معظم وقته في تأمل عميق؛ فدير قرية البرقوق Plum Village Monastery، الواقع شرق مدينة بوردو الفرنسية، أسسه ثيتش نات هان Thich Nhat Hanh، أحد أبرز من أسهموا في نشر اليقظة الذهنية Mindfulness في الغرب، ويشار إليه أحياناً بتسمية «الأب الروحي لليقظة الذهنية». وبحماسة الوافد الجديد، قرر سوسمان أن يختبر قدرته على البقاء أطول مدة ممكنة في التأمل الصامت، فشرع في جلسة مطولة استمرت ثلاث ساعات.

شعر سوسمان بالفخر بما فعله، فأخبر أحد الرهبان بذلك. يستذكر ما حدث بقوله: «كنت كمَن يتوقع الحصول على وسام لامع تقديراً لجهدي». لكن الراهب اكتفى بابتسامة عريضة، ثم قال: «ثلاث ساعات؟ ما رأيك في ثلاثة أنفاس؟ هذا كل ما تحتاج إليه للإنصات إلى اللحظة الحاضرة».

أثار ذلك فضول سوسمان، وخلال إعداده لنيل الدكتوراه في علم النفس من جامعة كاليفورنيا في بيركلي University of California, Berkeley، سعى إلى استكشاف ما إذا كانت فترة وجيزة جداً من التأمل قادرة فعلاً على إعادة تهيئة أنماط التفكير، وإحداث تحول ملموس في الحالة الذهنية.

والإجابة المختصرة عن ذاك السؤال هي نعم؛ إذ تفيد مجموعة من الأبحاث التي أجرتها فرق من مختلف أنحاء العالم، بأن الأشخاص الذين يمارسون تمارين قصيرة جداً، لا تتجاوز عشرين ثانية يومياً، يُبلغون عن شعور بالسلام والبهجة يستمر طويلاً بعد انتهاء التمرين. ومن خلال كسر دوامات التفكير الاجتراري، وتهدئة الاستجابة الفسيولوجية للتوتر، قد تسهم هذه الممارسات الوجيزة، أو الأفعال الصغيرة، في تحسين صحتنا البدنية أيضاً.

إضافة إلى تمارين التنفس القصيرة التي اقترحها الراهب في الدير الفرنسي، تشمل هذه التدخلات المستندة إلى الأدلة تمارين كتابية وجيزة، وأساليب للتعاطف مع الذات تُسهم في تنمية الشعور بالامتنان والدهشة والغاية.

وضع سوسمان كتاباً في هذا الموضوع بعنوان «الممارسة التأملية الوجيزة» Micropractice، من المقرر صدوره في 2026. ومن المرجح أن يتحول هذا المصطلح إلى إحدى أكثر الكلمات رواجاً في عام 2026. ومع ذلك، تتوافر حالياً استراتيجيات كثيرة يمكن أن تدخل بعض السكينة إلى النفس في الأيام المضطربة.

 

القليل قد يُحدث فرقاً كبيراً

تستند النتائج التي توصل إليها سوسمان إلى عقود من الأبحاث حول التدخلات المستوحاة من الممارسات الروحية في الديانات الشرقية والغربية على حد سواء. وتشمل هذه العادات التأملية، مثل التأمل الواعي Mindfulness meditation، وتمارين العقل والجسم مثل تشي كونغ Qigong، وهي ممارسة صينية تجمع بين التنفس العميق والحركات اللطيفة، واليوغا، إضافة إلى ممارسات التأمل الذاتي، مثل كتابة يوميات تعبيرا عن الامتنان Gratitude journaling. وتقترح الأبحاث أن جميع هذه الممارسات تعزّز صحتنا العقلية، وتقلّل من خطر الإصابة بحالات مثل الاكتئاب والقلق.

ومع ذلك، لم تتضح بعد «الجرعة» أو المقدار اللازم لتحقيق أثر إيجابي؛ إذ تقترح بعض الدراسات أن الإفراط في الشيء المفيد قد يأتي بنتائج عكسية؛ فقد وجدت دراسة أجرتها ويلوبي بريتون Willoughby Britton، أستاذة الطب النفسي والسلوك البشري في جامعة براون Brown University في رود آيلاند، وزملاؤها أن الأشخاص الذين يمارسون التأمل مدة تتراوح بين خمس وعشر دقائق فقط، مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًا، يحصلون على نوم أهنأ من أولئك الذين يمارسونه أكثر من ثلاثين دقيقة يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع. وقد يكون السبب أن التأمل يدفع الدماغ إلى حالة من اليقظة النشطة Engaged alertness التي تجعل النوم في الليل أكثر صعوبة إذا مارسناها فترات طويلة يوميا.

وفي دراسة أجرتها سارة ستروماير Sarah Strohmaier وزملاؤها من جامعة كانتربري كريست تشیرش Canterbury Christ Church University بالمملكة المتحدة، في العام 2021، قورنت على نحو مباشر التأثيرات المخفّفة للتوتر بين ممارسات اليقظة القصيرة والطويلة؛ فقد طلب من المشاركين حضور أربع جلسات على مدى أسبوعين: مجموعة تأملت خمس دقائق في كل مرة، وأخرى عشرين دقيقة، بينما استمعت مجموعة ثالثة إلى كتاب صوتي، وشكلت هذه الأخيرة المجموعة الضابطة لمقارنة التدخلين الآخرين.

في نهاية فترة الأسبوعين، أبلغت كلتا مجموعتي التأمل عن أعراض قلق واكتئاب أقل من أولئك الذين استمعوا إلى الكتاب الصوتي. لكن الأهم أن الباحثين سجلوا فروقاً واضحة بين مجموعتي التأمل؛ إذ أفاد الأشخاص الذين مارسوا الجلسات الأقصر بأن مستويات التوتر لديهم كانت أدنى مقارنة بمن خاضوا جلسات أطول.

 

قد تكون التدخلات القصيرة مفيدة على نحو خاص في فترات التوتر الشديد

ويكمن أحد التفسيرات في صعوبة المهمة نفسها؛ فالمشاركون في الجلسات الطويلة وجدوا صعوبة أكبر في منع أذهانهم من الشرود فترة ممتدة، وربما ولد ذلك لديهم شعوراً بالفشل. أما المشاركون في الجلسات الأقصر فقد مالوا إلى الإبلاغ عن شعور بالدهشة؛ إذ أخبر أحدهم الباحثين أنه كان يظن أن ممارسة اليقظة الذهنية تتطلب وقتاً طويلاً، ولذلك بدت له صعبة المنال، وعزف عن مجرد المحاولة، لكن التجربة أثبتت أن خمس دقائق فقط يمكن أن تُحدث فرقاً. كما أفاد بأنه شعر بقدر أكبر من الاسترخاء في نهاية الجلسة، وظل هذا الشعور يرافقه بقية يومه.

وقد تكون التدخلات الوجيزة مفيدة على نحو خاص في فترات التوتر الشديد، كما بيّنت أبحاث نُشر نتائجها في العام 2025 اختصاصي علم النفس الصحي أندرياس شفيردتفيغر Andreas Schwerdtfeger وزملاؤه من جامعة غراتس University of Graz في النمسا. بدأ الفريق بتوصيل المشاركين بأجهزة محمولة لقياس تقلب معدل ضربات القلب Heart rate variability (اختصاراً: مقياس HRV) الذي يقيس التغيرات اللحظية بين نبضات القلب، ويُعد مؤشراً على مستويات التوتر الفسيولوجي. عموماً، يشير ارتفاع تقلب معدل ضربات القلب إلى شعور أكبر بالاسترخاء؛ إذ يستجيب القلب لحظة بلحظة لمتطلبات الجسم، بينما يشير انخفاضه إلى أن الجسم يستعد لمواجهة تهديد محتمل باستجابة الكر أو الفر أو التجمد في المكان. على مدى الأيام التالية، تلقى المشاركون تنبيهات متفرقة تذكرهم بالتركيز على تنفسهم دقيقة واحدة في كل مرة.

وعلى الرغم من قصر هذه الفترات، فقد أثبتت فعاليتها على نحو مدهش في تهدئة العقل والجسم، كما ظهر في الاستبيانات التي ملأها المشاركون مباشرة بعد دقيقة التأمل، وفي تسجيلات تقلب معدل ضربات القلب. وكان هذا التأثير أوضح ما يكون عندما أبلغ المشاركون عن شعورهم بالإرهاق في الأصل. يقول شفيردتفيغر: «لقد خفضت هذه الممارسة مستويات التوتر وزادت الشعور بالأمان». ويصفها بأنها تدخل تكيفي في الوقت المناسب Just-in-time adaptive intervention، أي أننا يمكن أن نلجأ إليه في اللحظة التي نحن في أمس الحاجة إليه.

 

حل قائم على التعاطف مع الذات

كان في إمكان سوسمان أن يواصل تركيزه على اليقظة الذهنية في أثناء تصميمه الممارسة التأملية الوجيزة، لولا سؤال طرحه الأستاذ المشرف على أطروحته للدكتوراه: ما الذي يحتاج إليه العالم أكثر من أي وقت مضى؟ وقد استقر على مفهوم التعاطف مع الذات Self-compassion، وهو عنصر محوري في الفكر البوذي، وقد حظي باهتمام واسع في علم النفس خلال العقدين الماضيين. يتضمن هذا المفهوم ثلاثة مكونات أساسية: التعامل بلطف بدلًا من توجيه النقد الذاتي إلى عيوبنا وأخطائنا؛ إدراك أن المعاناة جزء من التجربة الإنسانية، وهو ما يربطنا بالآخرين؛ ومراقبة مشاعرنا السلبية بوعي من دون إصدار أحكام.

وقد أظهرت تجارب عديدة أننا قادرون على تنمية هذا النمط من التفكير الذي نكون فيه ألطف مع أنفسنا، عبر تأملات تركز على العناصر الجوهرية للتعاطف مع الذات. غير أن هذه البرامج، شأنها شأن تدخلات اليقظة الذهنية، تتطلب التزامًا جِدّيًّا.

بناءً على تجربته في الدير الفرنسي، تساءل سوسمان عما إذا كان في الإمكان تغيير طريقة تفكيرنا فقط من خلال بضعة أنفاس قصيرة. وللتحقق من ذلك، جمع هو وزملاؤه 135 مشاركاً، وعرضوا عليهم مقطع فيديو مدته 20 ثانية، يطلب من المشاهدين استحضار حدث حديث أزعجهم، مثل ارتكاب خطأ، أو الإخفاق في عمل أو مهمة. وجاء في الفيديو: «أرسل لنفسك اللطف والدفء بوضع يد على بطنك والأخرى على صدرك، وأطلق طاقة تشبه معانقة الذات. واطرح على نفسك السؤال التالي: كيف أكون صديقاً لذاتي في هذا الموقف؟».

طُلب من نصف المشاركين ممارسة هذا التمرين مرة واحدة يومياً مدة شهر، بينما شُجع أفراد المجموعة الضابطة على أداء سلسلة من تمارين النقر بالأصابع مدة 20 ثانية يومياً. وكما يحدث – في أكثر الأحيان – في التدخلات الممتدة شهراً كاملاً، انسحب بعض المشاركين ولم يلاحظوا أي فائدة. أما من واظبوا وانتظموا فقد أدت الممارسة التأملية الوجيزة إلى انخفاض ملحوظ في مستويات التوتر لديهم، مقارنة بمن مارسوا النقر بالأصابع.

 

تنظيف الاسنان بالفرشاة لا يغني عن زيارة طيبب الأسنان، وبالمثل ينبغي للممارسات التأملية الوجيزة ألا تحل محل العلاج أو الدواء

 

يقول سوسمان إننا ينبغي ألا نفاجأ من أن التكرار اليومي شرط أساسي لنجاح الممارسة التأملية الوجيزة. ويشير إلى تحليل حديث لبيانات من تطبيق هيدسبيس Headspace، أظهر أن وتيرة الممارسة أهم بكثير من مدة الجلسات في تقليل التوتر. ويقول: «الاستمرارية تتفوق على المدة عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بنتائج أفضل». ويشبه الأمر برعاية نبتة: «فريها بقليل من الماء كل يوم أفضل بكثير من إغراقها بالماء مرة واحدة في الشهر». وهذا ما يجعل اختيار الأنشطة التي نستمتع بها أمراً جوهرياً؛ إذ يقول: «الممارسة الأفضل لنا هي تلك التي نمارسها بالفعل».

 

مشروع السعادة الكبرى

إذا لم تكن اليقظة الذهنية أو التعاطف مع الذات من الممارسات التي نحبذها، فهناك العديد من الخيارات الأخرى؛ إذ يقدم مركز علوم الصالح العام Greater Good Science Center في جامعة كاليفورنيا، بيركلي University of California, Berkeley، مجموعة واسعة من الموارد الإلكترونية التي تستعرض تدخلات من شأنها تحسين الرفاه النفسي، ولا يستغرق كثير منها سوى بضع دقائق.

قبل بضع سنوات، أنشأت إميليانا سيمون توماس Emiliana Simon-Thomas وزملاؤها، في مركز علوم الصالح العام، مشروع السعادة الكبرى Big Joy Project، وجمعوا أسهل التدخلات وأقلها تطلباً للوقت، وأطلقوا عليها اسم «أفعال صغيرة» Microacts. شملت هذه الأفعال تمريناً وجيزاً لتغيير المنظور، يُطلب فيه من المشاركين التفكير في حدث مزعج، وثلاث نتائج إيجابية نتجت عنه؛ وكتابة قائمة بالأشياء التي يشعرون بالامتنان لها؛ ومشاهدة مقطع قصير ملهم عن الطبيعة؛ وقضاء لحظات في التأمل في قيمهم الشخصية.

تقول سيمون توماس إنهم اختاروا تسمية «أفعال صغيرة» حتى لا يشعر الناس بأنها عبء أو التزام ثقيل، بل بأنها شيء يمكن إدراجه بسهولة في يوم يشعرون فيه بكثير من الضغوط. وطلب الموقع الإلكتروني من الزوار ممارسة فعل صغير واحد يومياً على مدار أسبوع، مع تعبئة استبيانات لقياس مستوى الرفاه في بداية الأسبوع ونهايته.

روج الفريق للمشروع، من خلال عرض وتسويق فیلم «المهمة: فرح» Mission: JOY الذي يتناول الصداقة بين الدالاي لاما الرابع عشر Dalai Lama XIV ورئيس الأساقفة ديزموند توتو Desmond Tutu. وبين العامين 2022 و2024 شارك في المشروع 17598 شخصًا، مما وفر قاعدة بيانات ضخمة لتحليلها. وأظهرت النتائج المنشورة في 2025 قوة تأثير هذه الأفعال الصغيرة؛ إذ أفاد المشاركون بانخفاض مستويات التوتر، وتحسن رفاههم العام مقارنة بخط الأساس في بداية التجربة. كما زادت موافقتهم على عبارات مثل: «أشعر بأن ما أفعله في حياتي ذو قيمة» و«أشعر بالرضا عن حياتي ككل».

قد تبدو هذه الأفعال الصغيرة ترفاً يستفيد منه أولئك الذين يحظون بحياة مريحة، لا تدخلات يمكن أن تساعد من يواجهون ظروفاً صعبة حقاً. لكن سيمون توماس وزملاءها وجدوا أن أكبر التحولات ظهرت بين أفراد الفئات المهمشة تقليدياً، مثل أولئك الذين يعانون ضائقة مالية.

مع ذلك، يتحفظ الباحثون في الحديث عن هذه التدخلات بصفتها علاجاً شاملاً لكل شيء. يقول سوسمان: «تنظيف الأسنان بالفرشاة لا يغني عن زيارة طبيب الأسنان، وبالمثل، ينبغي للممارسات التأملية الوجيزة ألا تحل محل العلاج أو الدواء».

ويضيف أن هذه الممارسات ينبغي أيضاً ألا تكون بديلاً عن التأملات المطولة؛ إذ قد تكون الجلسات المنتظمة التي تمتد 20 أو 40 دقيقة أكثر قدرة على إحداث تغييرات طويلة الأمد في الدماغ ترتبط بتحسين تنظيم المشاعر. وفي بعض الحالات، مثل الوجود في خلوة بوذية Buddhist retreat، قد تساعد جلسة تأمل تمتد ثلاث ساعات على الوصول إلى لحظة من الإلهام الروحي.

لا تتعدى الغاية من هذه الممارسات التأملية الوجيزة إدخال قدر من السكينة والبهجة إلى حياتنا اليومية في اللحظات التي نكون فيها في أمس الحاجة إلى إيقاف دوامة الأفكار المنفلتة التي تؤثر سلبًا في صحتنا وسعادتنا.

© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى