العلوم الإنسانية والإجتماعية

المرونة والتجزئة في مجتمع السوق النابض بالحياة

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

يشير نقاد هذا النموذج المثالي إلى عدد من الجوانب السلبية المرتبطة بالمرونة. إن استقلالية العمال في الإنتاج المبني على عمل الفريق يمكن أن تكون مرهقة واستغلالية حيث يُنتظر من العاملين تحقيق أهداف عالية جداً. وقد تسمح المرونة بتكامل أفضل بين العمل وغيره من الالتزامات الأخرى، أو يمكن أن نرى العمل يغزو بقية الحياة كون التمييز بين العمل والمنزل أصبح غير واضح، على سبيل المثال حين يتحقق العمال من بريدهم الإلكتروني من هاتف العمل في عطلة نهاية الأسبوع.

وقد أدت التكنولوجيات الجديدة أيضاً إلى فقدان الوظائف في بعض الصناعات التحويلية ، فضلاً عن نوع من "التصنيع في قطاع الخدمات" (Amin 1994, p. 18). على سبيل المثال، تستخدم مراكز الاتصال الكبيرة تقنيات الاتصالات الحديثة لتطوير شكل من أشكال الإنتاج الضخم في قطاع الخدمات، مما قد يثير قضايا اجتثاث المهارات ونظرية الاغتراب عند ربطها بعمل المصنع.

وإلى جانب الابتكارات التكنولوجية، أنتجت مرحلة ما بعد الفوردية تغيرات سياسية أيضاً، مثل تخفيف الرقابة على سوق العمل أي تحريره. وحل تحرير سوق العمل محل نظام مركزي جزئي لتحديد الأجور، حيث كانت ظروف العمال في كل الصناعات موحدة إلى حد كبير. وسهلت الإصلاحات تحديد الأجور والظروف بحسب مستوى الشركة (ما يسمى أحيانا بمساومة المؤسسة) أو حتى سمحت باختلاف الظروف بين العاملين في نفس الشركة (من خلال العقود الفردية).

يزعم بعض خبراء الاقتصاد أن هذا المستوى من المرونة يساعد في الإنتاجية، ويمكن أن يسمح لأرباب العمل بتكييف ظروف العمل مع احتياجاتهم، وربما مع احتياجات موظفيهم . يعكس هذا الرأي فهما كلاسيكاً جديداً لسوق العمل أي اعتبارها صفقة بين شريكين متساويين رسمياً– أي العمال وأرباب العمل – اللذين يستفيدان على حد سواء من خلال التبادل فيما بينهما.

يرى علماء الاجتماع الآخرون أنّ معظم أرباب العمل يتمتعون بقدرة على المساومة أكثر من معظم العمال. وهذا التفاوت يؤدي بهم إلى الدعوة إلى وضع قوانين لحماية العمال المستضعفين من خلال ضمان الحد الأدنى من المعايير. وهذا ما يقلص نطاق التنوع في ظروف التوظيف بين مختلف الشركات.

يختلف المنظّرون أيضاً حول تأثير المرونة على العمالة. فيزعم النقاد أنها تسمح للعمال بالانعزال بشكل أكثر سهولة بالإضافة إلى خلق حالة من انعدام الاستقرار لديهم. ويستخدم دايفد هارفي (David Harvey)  (1990) مصطلح "التراكم المرن" (Flexible Accumulation) (انظر أيضاً الفصل 3) لوضع تصور حول هذه التحولات "ما بعد الفوردية"، معتبراً أن المرونة تحول القوة من العمال إلى أرباب العمل. وبدلاً من ذلك، يرحب الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد بالمرونة في كثير من الأحيان، معتبرين أن أرباب العمل يميلون إلى توظيف العمال العاطلين عن العمل إذا كانوا يعرفون أنّ في وسعهم صرفهم من الخدمة في الأوقات الصعبة.

هذه المفاهيم المختلفة لسوق العمل ولطبيعة التغيرات التي أحدثتها مرحلة ما بعد الفوردية على العمل، أثارت جدلاً حول تأثير مرحلة ما بعد الفوردية على مهارات العمال. إنّ الطبيعة المتفاوتة لمرحلة ما بعد الفوردية تعني وجود نظريتي اجتثاث المهارات وإعادة تشكيل المهارات على حد سواء في مختلف المهن والصناعات والمناطق. وقد أنتج ذلك وفقا لأتكينسون (Atkinson) (2003) سوق عمل على شكل "U". وقد انخفض العديد من فرص العمل ذات الدخل المتوسط ​​مثل الصناعات. كان النمو في توظيف قطاع الخدمات في القمة، مثل التمويل، وفي الأسفل، مثل الضيافة (المربع رقم 2.8).

ركّز بيور وسابل على أن "التخصص المرن" يؤكد على إمكانية مرحلة ما بعد الفوردية في إعادة تشكيل المهارات. فهما يشيران إلى التدريب المستمر الذي تتطلبه الابتكارات التكنولوجية. (Amin 1994, p. 21). مع ذلك يؤكد العديد من وعلماء الاجتماع وخبراء الاقتصاد السياسي، على كيفية تمكن المهام الجديدة من زيادة كثافة العمل، من دون منح مزيد من الاستقلالية (Braveman 1975).

المربع 2.8 ماكدونالدزية العمل

صاغ جورج ريتزر (George Ritzer) (1983) المصطلح "ماكدونالدزية" (McDonalidisation) لوصف كيفية تطبيق مبادئ صناعة الوجبات السريعة في أوسع المجتمعات الرأسمالية. وتشمل هذه المبادئ: العقلانية والسرعة والكفاءة وتوحيد المعايير والتجانس والاغتراب، وهي تتمثل بشكل أكثر وضوحاً في نموذج التوظيف في سلاسل مطاعم الوجبات السريعة مثل سلسلة مطاعم ماكدونالدز.

تميل ماكدونالدز إلى توظيف العمال الصغار جداً، كما أن إنتاج الغذاء يخضع لمعايير موحدة للغاية، مما يحد من المهارة اللازمة. ويدعي ريتزر أنه يتم استخدام هذا النموذج من العمل في جميع أنحاء قطاع الخدمات.

إن التوسع السريع في وظائف ماكدونالدز، كما يصفها ريتزر، يشمل خلق فرص عمل جديدة غير ماهرة، والأهم من ذلك اجتثاث المهارات من الوظائف التي تتمتع أصلاً بالمهارات، مثل تلك الموجودة في الصناعة المصرفية. يوجد خمس خصائص لماكدونالدزية العمل:

وظائف تنطوي على سلسلة من المهام البسيطة – رصد المهام واحتساب مستويات الكفاءة – يكون العمل قابلاً للتنبؤ والتكرار- تستخدم الآلات لتحل محل اليد العاملة البشرية وتقيد استقلالية العمال – وأخيراً ارتفاع في معدل تغيير الموظفين.

بالنسبة لريتزر (1993 p. 100)، إنّ ماكدونالدزية المجتمع هي (أ) عملية عقلنة واسعة النطاق حيث تكون صناعة الوجبات السريعة هي النموذج، بدلاً من البيروقراطية (كما اعتبر فيبر). يمكن ملاحظة هذه العقلنة على نطاق أوسع في نظم إنتاج الأغذية وتوزيعها مثل الزراعة التصنيعية والرحلالت المنظمة، وفي التعليم من خلال تركيزها على النتائج القابلة للقياس الكمي، واستخدام الهندسة الوراثية لتغيير الكائنات الطبيعية. يقول ريتزر (1993 p. 100) إنّ منطق الماكدونالدزية أمر غير منطقي، وغير عقلاني في نهاية المطاف، وذلك لأن الكفاءة تصبح هي النهاية بدلاً من وسائل النشاط، كما أن الطبيعة غير الشخصية لمثل هذا المجتمع يؤدي إلى نزع الإنسانية وبث خيبة الأمل على نطاق واسع.

ويوجد اتجاه أكثر تميزاً وهو تجزئة العمل. لقد تغيّرت ساعات العمل لتبتعد عن النموذج القياسي للتفرغ للوظيفة، وتشمل مجموعة واسعة من أشكال العمالة "غير المعيارية" (Non-Standard). في كافة أنحاء منظمة التعاون والتنمية كان هناك زيادة في فرص العمل بدوام جزئي (التي تهيمن عليها النساء العاملات في جميع البلدان)، فضلا عن العديد من البلدان التي تعاني من ساعات عمل إضافية  كبيرة (العمل خارج ساعات التفرغ العادي)، والتي يهيمن عليها العمال الذكور (OECD 2005).

يبدو أن نسبة العمالة الدائمة قد انخفضت أكثر فأكثر لتزداد نسبة العمالة المؤقتة أو التعاقدية على حد سواء (OECD 2008). يتمتع العمال المؤقتون بنسبة اقل من الاستقرار الوظيفي، كونه يجري استخدامهم فعلياً على أساس ساعات العمل الفعلية أو التناوب. فهم يتلقون فوائد أقل مثل استحقاقات الإجازات، ولكن يتجهون إلى تلقي أعلى معدلات الأجر بالساعة. إنّ العمال المتعاقدين هم فعلياً شركات صغيرة. ويدفع للعامل على أساس الإنتاج بدلا من ساعات العمل الفعلي وغالباً ما يكون العامل مسؤولاً عن تأمينه الخاص وعن انتفاعاته.

أصبحت الوظائف أيضاً أقل استقراراً في ظل مرحلة ما بعد الفوردية. فالناس أكثر عرضة للانتقال بين وظائف ومهن في كثير من الأحيان، مما يخلق تاريخاً مهنياً أكثر فردية ويؤدي إلى إنتاج تفرد أكبر. يصف زيغمونت بومان (Zygmunt Bauman) (2000) هذا الواقع الجديد باعتباره "الحداثة السائلة" (Liquid Modernity) حيث يتنقل الناس بين المشاريع القصيرة الأجل والهويات الثقافية، بطرق تختلف من شخص لآخر، بدلاً من إيجاد القناعة في العمل على المدى الطويل والقواعد الاجتماعية المقررة.

ومع ذلك، غالباً ما يكون أجر العمال العرضيين والمؤقتين منخفضاً ويخضع لساعات العمل الفعلية التي يمكن أن تختلف بشكل كبير أو تنتهي في المدى القصير. وعلى غرار ذلك، في حين أنّ التوظيف على أساس العقود الفردية أو الأعمال الحرة كصاحب الامتياز يمكن أن ينتج دخلاً معقولاً، فهناك انعدام للاستقرار الوظيفي. وهذا يعني أنّ العمال أكثر عرضة لتقلبات الأسواق، وهو أمر يعززه الارتفاع الشديد في معدلات البطالة في العقود الأخيرة إلى أكثر من معدلاتها المسجلة في خلال فترة الفوردية.

وأخيراً، في عمق سوق العمل، أصبحت المرونة مرتبطة بانعدام استقرار الدخل. إن العمالة المؤقتة العرضية وارتفاع العمالة الناقصة (البطالة الجزئية) – حيث يكون لدى الناس عمل ولكن لساعات أقل مما كانوا يرغبون – ترتبطان بنمو الطبقة العاملة الفقيرة، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية (Ehrnreich 2001). غالباً ما يكون هؤلاء العمال في "عمالة غير ثابتة" (انظر "نوعية الحياة" لاحقا في هذا الفصل) يتمتعون بوفورات ضئيلة أو حماية اجتماعية بسيطة.