
بقلم: أليستر غان
في العام 2014، عرض علماء الفلك أدلة على أنه بعد جزء من تريليون من تريليون من تريليون من الثانية فقط من الانفجار الكبير Big Bang، مر الكون بمرحلة من التمدد الأُسِّي السريع. اكتشف تلسكوب يُعرف باسم BICEP2، أي تصوير خلفية استقطاب الأجرام الكونية خارج المجرية Background Imaging of Cosmic Extragalactic Polarization، والواقع في القطب الجنوبي، تموجات منطبعة على الإشعاع الأحفوري الناتج عن الانفجار الكبير، مما عزز نظرياتنا حول الكيفية التي تمزق بها الفضاء في لحظاته الأولى.
أظهرت هذه النتائج المذهلة التي حققها التلسكوب BICEP2 أنه من الممكن استكشاف الثواني الأولى من عمر الكون، على الرغم من أن علماء الفلك لا يمكنهم رصد أي شيء مباشرة قبل مرور 370,000 سنة على الانفجار الكبير. وبين تلك اللحظة وظهور أولى النجوم والمجرات، الذي حدث بعد نحو 100 مليون سنة، كان الكون غارقًا في ظلام شبه تام.
يختبئ داخل هذا «العصر المظلم» الغامض سر تشكُّل المجرات. وبما أن الضوء يستغرق وقتًا ليصل إلينا، فإن النظر إلى مسافات أبعد في الفضاء يعني النظر إلى أزمنة أقدم في الماضي. ولذلك لا يحتاج علماء الفلك إلى تخمين تاريخ الكون، بل يمكنهم رصده باستخدام التلسكوبات. وقد استنتجوا أن عمر الكون يبلغ نحو 13.7 بليون سنة، وأن نصف قطره يقارب 46 بليون سنة ضوئية، وهو يتمدد باستمرار، وأنه بدأ بانفجار كبير شديد الحرارة والكثافة. وللاستدلال على التاريخ المبكر جدًا للكون، الذي لا يمكن رصده مباشرة، يعتمد علماء الفلك على فَهمهم لكيفية تفاعل قوى الطبيعة وسلوك الجسيمات دون الذرية. وقد اكتشفوا أن الفترة القصيرة من «التضخم» Inflation السريع جدًا، التي أكدها التلسكوب BICEP2، مسؤولة عن الدرجة العالية من التجانس التي لوحظت في الكون المبكر.بعد انتهاء «حقبة التضخم» Inflation epoch الأولى هذه، واصل الكون تمدُّده وتبرُّده. ومن هذا «الحساء» البدائي من الجسيمات، تكثفت أول البروتونات والنيوترونات، لتشكل في نهاية المطاف نَوَى الذرات البسيطة، مثل الهيدروجين والهيليوم. وبعدئذ، بعد نحو 370,000 سنة، وعندما برد الكون بما يكفي لتلتقط هذه النوى الإلكتروناتِ، حدث أمر بالغ الأهمية. ففي لحظة واحدة، توقف الضوء والمادة عن التفاعل، وأصبح الضوء حرًا في الانتشار عبْر الكون. لا يزال هذا الإشعاع الأحفوري يملأ الكون حتى اليوم، ويُعرَف باسم الخلفية الكونية الميكروية Cosmic microwave background (اختصارًا: الإشعاع CMB)، وهي التي عثر فيها التلسكوب BICEP2 على تلك التموجات المميزة للتضخم.

بين انطلاق فوتونات الخلفية الكونية الميكروية وأولى أشعة الضوء المنبعثة من النجوم الفتية، ظل الكون غارقًا فيما يُعرف باسم «العصر المظلم» Dark age. لكنه لم يكن ساكنًا. ففي غضون بضع مئات من ملايين السنين، تطور ذلك الحساء من الجسيمات إلى العدد الهائل من الأجرام التي نراها في أنحاء الكون اليوم. غير أن الكيفية التي حدث بها ذلك ظلت حتى الآن لغزًا يُحير علماء الفلك.
يتكون العالم الذي نعيش فيه، في معظمه، من ذرات «متعادلة» – يكون عدد البروتونات والإلكترونات فيها متوازنًا. وكانت المادة في الكون، وقت انطلاق الخلفية الكونية الميكروية، متعادلةً في معظمها أيضًا. أما اليوم، فإن الغالبية العظمى من مادة الكون تتكون من «أيونات» Ions، أي ذرات تحتوي على أعداد غير متساوية من البروتونات والإلكترونات. وقد كشفت عمليات رصد الخلفية الكونية الميكروية أن الهيدروجين المتعادل لا بد أنه أصبح متأيِّنًا بحلول نهاية العصر المظلم. يفترض علماء الفلك أن السبب في ذلك هو أن الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن أولى النجوم تسربت إلى الفضاء بين المجرات Intergalactic space، فأكسبت إلكترونات الذرات المتعادلة طاقةً، وأدت في النهاية إلى تأيين الكون بكامله.

حدث كل ذلك في وقت كان فيه الضوء شحيحًا في الكون. ولحسن الحظ، لم يكن العصر المظلم مظلمًا تمامًا. فذرات الهيدروجين المتعادل تبعث مقدارًا ضئيلًا من الطاقة عندما يغير الإلكترون الموجود فيها اتجاهه. وعلى الرغم من أن ذلك يحدث عشوائيًّا وبمعدل نادر للغاية، فإن كمية الهيدروجين المتعادل الهائلة خلال العصر المظلم ولَّدت توهجًا خافتًا في نطاق موجات الراديو من الطيف الكهرومغناطيسي، عند طول موجي يبلغ 21 سم.
يُمثل هذا التوهج الراديوي الخافت أفضل أمل لدى علماء الفلك لكشف أسرار العصر المظلم. غير أن الكون تمدَّد منذ بَدء هذه الحقبة بمقدار 1,000 مرة، ولذلك تصل هذه الفوتونات إلى الأرض بطول موجي يبلغ 210م. أما الفوتون المنبعث قُرب نهاية العصر المظلم، فيظهر بطول موجي يبلغ بضعة أمتار فقط، لأنه تعرض للتمدد خلال فترة أقصر من تمدد الكون. ويقع هذا ضِمن نطاق الأطوال الموجية الطويلة الذي يُستخدَم عادةً في البث التلفزيوني والاتصالات المتنقلة.
ولفتح هذه النافذة المثيرة على العصر المظلم، استخدم علماء الفلك تلسكوباتٍ لمسح السماء عند أطوال موجية متعددة، بهدف بناء خريطة ثلاثية الأبعاد لانبعاثات الهيدروجين المتعادل، وكشف كيفية تغيرها خلال هذه الفترة الخفية. ومن شأن الحصول على صورة كاملة أن يوفر ثروة من المعلومات يمكن من خلالها استنتاج التاريخ المبكر لتشكُّل البنى الكونية، فضلًا عن أصل النجوم والمجرات والكوازارات Quasars التي نراها في الكون اليوم. وقد يسهم ذلك أيضًا في حل بعض أكثر مسائل الفيزياء الفلكية غموضًا.

قد تحمل خريطة الهيدروجين المتعادل دلائل على حِقَب أقدم من عمر الكون، لأنها يُفترض أن تحتفظ بمعلومات عن توزيع المادة في اللحظة التي أصبح فيها الكون معتمًا. وإضافةً إلى ذلك، يرجَّح أن تكشف تفاصيل التقلبات الصغيرة في الكثافة التي أدت، في وقت لاحق كثيرًا من عمر الكون، إلى تشكل المجرات. ومن خلال كشف العصر المظلم، يأمل علماء الفلك أن يفهموا أخيرًا كيف انتظم الكون انطلاقًا من الحساء البدائي، وأن يجيبوا عن بعض الأسئلة الأساسية في علم الكونيات.
ليست هذه بالمهمة اليسيرة. فالإشارة الصادرة عن الهيدروجين المتعادل ضعيفة للغاية، وعادةً ما تطغى عليها إشاراتنا الراديوية الأرضية، كما تتعرض لتشويه بسبب الأيونوسفير Ionosphere. وإضافةً إلى ذلك، تُنتج مجرتُنا دربُ التبانة Milky Way انبعاثًا خاصًا بها من الهيدروجين المتعادل تزيد شدته بمقدار 10,000 مرة على الإشارة الآتية من العصر المظلم للكون. لكن هذه المشكلات ليست مستعصية على الحل، فقد انضمت عدة أدوات رصد ثورية إلى هذا البحث، ومن بينها مصفوفة مورشيسون واسعة المجال Murchison Widefield Array (MWA) في غرب أستراليا، والتي تتألف من 8,000 هوائي راديوي موزعة على مساحة يبلغ عرضها نحو ميل واحد.
وقد جمعت بالفعل بياناتٍ لرسم خريطة لشدة انبعاث الهيدروجين المتعادل ذي الطول الموجي الطويل. ومن الأدوات الأخرى المستخدمة مصفوفة التردد المنخفض Low-Frequency Array (LOFAR)، التي تتكون من نواة مركزية من الهوائيات الراديوية في هولندا، ومحطات إضافية موزعة عبر أنحاء أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة.
ربما يكمن أعظم أمل في كشف العصر المظلم في أداة تُسمى مصفوفة الكيلومتر المربع .وكما يوحي اسمُها، ستكون لها مساحة تجميع هائلة، مما سيرفع حساسيتها إلى 50 ضعف المستوى المتاح حاليًّا. ستضم المصفوفة ما يصل إلى 4,000 هوائي راديوي منفصل، موزعة أساسًا في غرب أستراليا وجنوب إفريقيا. وستُربط جميع هذه العناصر بألياف بصرية بحاسوب فائق ضخم سينشئ صورة التلسكوب. وللأسف، لن تكون المصفوفة جاهزة قبل العام 2027 على الأقل.
وعلى الرغم من التقدم الهائل الذي تحقق في علم الكونيات والفيزياء الفلكية خلال حياتنا، لا يزال أحد أعظم ألغاز الكون يواجهنا: متى وكيف تشكلت المجرات الأولى من سُحب باردة من غاز الهيدروجين؟ وما الذي حدث عند فجر الكون عندما اشتعلت النجوم لأول مرة؟ الإجابة موجودة هناك، وإن كانت خافتة جدًا.
تطوُّر الكون عبْر الزمن
كان العصر المظلم خطوة حيوية نحو الكون الذي نراه اليوم
![]()
1 حقبة بلانك Planck epoch
يطلِق علماء الكونيات على أقدم فترة في عمر الكون، الممتدة من صفر إلى 10-43 ثانية بعد الانفجار الكبير، اسم «حقبة بلانك». وخلال هذه الفترة، كان الكون شديد السخونة والكثافة على نحو لا يمكن تصوره، وكانت قوى الطبيعة الأربع موحدة في «قوة عظمى» واحدة.
2 حقبة التوحيد العظيم Grand unification epoch
بين 10-43 و10-36 ثانية بعد الانفجار الكبير، انفصلت الجاذبية والقوة النووية الشديدة عن بقية القوى. وفي هذا الوقت، تشكلت جسيمات تُسمى الكواركات Quarks، كما نشأت الزيادة في كمية المادة مقابل المادة المضادة التي نراها في الكون اليوم.
3 حقبة التضخم Inflationary epoch
من نحو 10-36 إلى نحو 10-32 ثانية بعد الانفجار الكبير، يبدو أن الكون مر بمرحلة من التمدد الأُسِّي السريع جدًّا. لا يزال سبب هذا التضخم الغامض مجهولًا، لكنه يفسر لماذا يبدو الكون اليوم متشابهًا في جميع الاتجاهات.
4 التخليق النووي Nucleosynthesis
بين نحو 10-32 ثانية و377,000 سنة بعد الانفجار الكبير، ومع انخفاض درجة حرارة الكون وكثافته، انفصلت القوى الأساسية الأخرى، وتكوَّنت النوَى الذرية في نهاية المطاف. كان الكون يتألف من نحو %75 من الهيدروجين و%25 من الهيليوم.
5 حقبة إعادة الاتحاد Recombination epoch
بعد نحو 377,000 سنة، أصبح الكون باردًا بما يكفي لكي تلتقط النوَى الإلكترونات وتكوِّن الذرات. وعندها انطلق الضوء،
الذي يمكن رصده اليوم على هيئة الخلفية الكونية الميكروية. لا يمكننا رصد الكون مباشرة قبل هذه الحقبة.
6 العصر المظلم The dark age
حتى نحو 400 مليون سنة بعد الانفجار الكبير، كان الكون مكانًا مظلمًا. فلم تكن النجوم أو المجرات قد تشكلت بعد. تُعرَف
هذه الفترة الممتدة بين انطلاق فوتونات الخلفية الكونية الميكروية وتكوُّن النجوم الأولى باسم «العصر المظلم».
7 حقبة إعادة التأيُّن Reionisation epoch
بحلول نحو نصف بليون سنة بعد الانفجار الكبير، كانت النجوم والمجرات الأولى قد تشكلت. أدى ضوؤُها القوي من الأشعة فوق البنفسجية في نهاية المطاف إلى تأيين معظم الهيدروجين في الكون. وكانت البنية التي نراها اليوم قد ظهرت تقريبًا بالكامل.
8 المجموعة الشمسية The Solar System
تكوَّنت مجموعتنا الشمسية قبل 4.6 بليون سنة، عندما تجمعت جسيمات الغبار لتكوِّن سحابة ومع ازدياد كتلة مركز السحابة، ارتفعت درجة حرارته أيضًا. وازدادت الطاقة بدرجة هائلة، فتكوَّنت الشمس.
شرح الخلفية الكونية الميكروية
تُمثل الخلفية الكونية الميكروية الضوءَ الذي يكشف كيف كان الكون المبكر، وهي الإشعاع المتبقي من الانفجار الكبير. وقد انطلقت عندما انخفضت درجة حرارة الكون إلى أقل من 3,500 كلفن، إذ تمكنت النوى الذرية عندئذ من التقاط الإلكترونات، مما سمح للفوتونات بالتحرك بحرية. واليوم، أدى تمدد الكون إلى تمدد الفوتونات نفسها إلى أطوال موجية أكبر، فانتقلت إلى جزء «الموجات الميكروية» من الطيف. توفر الخلفية الكونية الميكروية لقطةً للكون كما كان بعد 370,000 سنة من الانفجار الكبير. حينئذٍ، كان الكون متجانسًا بدرجة ملحوظة، على الرغم من أن التقلبات الضئيلة التي ظهرت في الخلفية الكونية الميكروية نمَت في نهاية المطاف لتكوِّن الكون المنظم الذي نراه اليوم. تشير الخلفية الكونية الميكروية إلى وجود مادة في الكون أكثر مما يمكن تفسيره بالذرات العادية، مما يستلزم وجود مادة معتمة Dark matter، وإلى وجود طاقة كلية أكثر مما يمكن تفسيره بالمادة وحدها، مما يستلزم وجود طاقة معتمة Dark energy.

مارك تومسون من برنامج «الرصد الفلكي المباشر» حول مشاهدة تاريخ الكون
«عندما ينظر علماء الفلك إلى أعماق الكون البعيد، فإنهم ينظرون إلى الماضي، لأن المسافات شاسعة إلى درجة أن الضوء يستغرق وقتًا ليصل إلينا. وحتى بالعين المجردة، يمكن رؤية أجرام مثل مجرة المرأة المسلسلة Andromeda الرائعة، التي تبعد 2.3 مليون سنة ضوئية. كما يتيح استخدامُ تلسكوب متواضع بقطر 15 سم رؤيةَ أجرامٍ أخفت، مثل 3C 273، وهي مجرة تبعد 2.4 بليون سنة ضوئية. وتتيح لنا دراسة أجرام مثل هذه المجرات استنتاج اتجاه حركتها وسرعتها، ومن ثم إثبات أن الكون يتمدد».
مارك تومسون Mark Thompson عالم فلك ومؤلف ومقدم برامج تلفزيونية
بعض ألغاز العصر المظلم التي لم نحلها بعد
لا تزال هذه المعضلات تُحير علماء الفلك
ماذا تحتوي جميع المجرات على ثقوب سوداء؟
ربما توجد في قلب كل مجرة، بما في ذلك درب التبانة، ثقوب سوداء فائقة الكتلة Supermassive black holes. يبدو أن هذا ينطبق حتى على أقدم المجرات في كوننا، ولا يزال علماء الفلك غيرَ قادرين على الجَزم بكيفية تشكل ثقوب سوداء بهذه الكتلة بعد وقت قصير جدًا من وقوع الانفجار الكبير.
كيف حدث التأيُّن
يعتقد كثير من علماء الفلك أن اشتعال أولى النجوم هو ما أدى إلى تأيُّن الهيدروجين المتعادل خلال العصر المظلم للكون. لكن هناك احتمالًا آخر، وهو أن تكون الطاقة المنطلقة في أثناء تشكُّل الثقوب السوداء البدائية Primeval black holes في مراكز تلك المجرات الفتية هي السبب.
كيف بدت النجوم الأولى
تشير بعض الدراسات إلى أن الجيل الأول من النجوم في الكون كان مختلفًا جدًا عن النجوم الموجودة اليوم. من المرجح أنها كانت أكبر حجمًا بكثير، ومن ثم استنفدت وقودها بسرعة أكبر بكثير. لكن إلى أن يجد علماء الفلك وسيلة للتطلع إلى داخل العصر المظلم والعثور على تلك النجوم، ستظل الحقيقة لغزًا.