
بقلم: درو تيرنر
عندما يُطلَب منا تقييمُ مدى كفاءتنا في أمرٍ ما، فإننا غالبًا ما نُخطئ التقدير تمامًا. إنها نزعة بشرية عامة، يظهر أثرها بصورة أوضح لدى ذوي القدرات الأدنى. يُعرَف هذا النمط باسم «تأثير دانينغ–كروغر » Dunning-Kruger Effect ، نسبةً إلى عالِمَي النفس الذين درسا الظاهرة أولًا ؛ إذ يميل الأفراد الأقل مهارة في مهمة معيَّنة إلى المبالغة في تقدير كفاءتهم، بينما يميل ذوو الكفاءة العالية إلى التقليل من تقدير مهاراتهم. وغالبًا ما يتجلى هذا التأثير في اختبارات معرفية تتضمن مسائل تقيس الانتباه واتخاذ القرار والحكم واللغة.
غير أن باحثين في جامعة آلتو Aalto University في فنلندا، بالتعاون مع زملاء في ألمانيا و كندا، توصلوا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يكاد يُلغي تأثير دانينغ– كروغر، بل إنه في بعض الحالات يقلبه تقريبًا. فقد أظهرت دراستهم أنه عند استخدام روبوتات الدردشة الشائعة لحل المشكلات، يميل الجميع إلى إضفاء ثقة مفرطة على جودة الإجابات، و كان أكثر مستخدمي الذكاء الاصطناعي خبرة هم الأكثر ميلًا إلى ذلك. مع ازدياد إلمام الأفراد بالذكاء الاصطناعي نتيجة انتشار النماذج اللغوية الكبيرة Large Language Models ، توقَّع الباحثون أن يصبح المشاركون أكثر مهارة في التفاعل مع هذه الأنظمة، و كذلك أدق في تقييم أدائهم عند استخدامها. غير أن النتائج كشفت، بحسب روبن فيلش Robin Welsch ، عالِمِ الحاسوب في جامعة آلتو وأحد المشاركين في إعداد التقرير، حول «عجز ملحوظ عن تقييم الأداء بدقة عند استخدام الذكاء الاصطناعي، وقد ظهر هذا النمط على نحو متقارب عبْر العينة بكاملها.»
في الدراسة لَّكَف العلماء 500 مشارك بحل مسائل في الاستدلال المنطقي مأخوذة من اختبار القبول في كليات الحقوق law School Admission Test) اختصارًًا: اختبارات LSAT (، مع السماح لنصفهم باستخدام «تشات جي بي تي Chatgpt » . وبعدئذٍ خضع الفريقان لاختبارين إضافيين لقياس مدى إلمامهم بالذكاء الاصطناعي وتقديرهم لأدائهم الشخصي، مع وعدٍ بمكافأة مالية إضافية لمن يقيِّم أداءه بدقة. تعود أسباب هذه النتائج إلى عوامل متعددة؛ إذ إن مستخدمي الذكاء الاصطناعي كانوا غالبًا يكتفون بإجابة واحدة بعد سؤال أو توجيه واحد فقط، فيقبلونها من دون تمحيص أو تحقق إضافي، وهو ما يصفه فيلش باسم «تفريغ العبء المعرفي Cognitive Offloading »، أي التعامل مع السؤال بقدر أقل من التأمل وبطريقة أكثر سطحية.
يؤدي انخفاض الانخراط في التفكير الذاتي – وهو ما يُعرََف باسم «المراقبة ما فوق المعرفية » Metacognitive Monitoring – إلى تجاوز حلقات التغذية الراجعة المرتبطة بالتفكير النقدي، ما يضعف قدرتنا على تقييم أدائنا بدقة. والأكثر دلالة أن الجميع يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم عند استخدام الذكاء الاصطناعي، بغض النظر عن مستوى ذكائهم، مع تقلُّص الفجوة بين ذوي المهارات العالية والمنخفضة. عزت الدراسةُ ذلك إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة تُحسِّن أداء الجميع إلى حدٍّ ما. وقد حذََّر فريق جامعة آلتو من تداعيات محتملة مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ قد تتراجع الدقة ما فوق المعرفية إجمالًا . فكلما اعتمدنا على النتائج من دون مساءلة صارمة، ظهر نوع من المقايضة: يتحسن الأداء الظاهري، لكن يقل إدراكنا لمدى جودة أدائنا. ومن دون تأمل في النتائج أو تدقيق في الأخطاء أو تعمُّق في التفكير، نعرِّضِ قدرتنا على استقاء المعلومات الموثوق بها لخطر التراجع.
وإضافةً إلى ذلك، فإن تسطُّح تأثير دانينغ– كروغر يعني أننا سنواصل جميعًا المبالغة في تقدير قدراتنا في أثناء استخدام الذكاء الاصطناعي، بل إن الأكثر إلمامًا به قد يفعلون ذلك بدرجة أ كبر، ما قد يفضي إلى مناخ يتسم بقرارات غير محسوبة وتآكل في المهارات. تقترح الدراسة سبيلًا للحد من هذا التدهور، يتمثل في أن يشجِّع الذكاء الاصطناعي نفسه المستخدمين على مزيد من التساؤل؛ وذلك بإعادة توجيه الاستجابات لتدفع إلى التفكير، عبْر طرح أسئلة مثل: «ما مدى ثقتك بهذه الإجابة؟ »، أو «ما الذي قد كتون أغفلته؟»، أو من خلال آليات أخرى تعزز التفاعل، كإظهار درجات الثقة.