الفنون والآداب

نبذة تعريفية عامة حول علم “المنطق”

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الخامس عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم المنطق الفنون والآداب المخطوطات والكتب النادرة

المنطق فرع من فروع الفلسفة يعنى بقواعد التفكير السليم. ويشتغل معظم الدارسين في مجال المنطق بشكل معين من التفكير يسمى القضية المنطقية.

وتتكون القضية المنطقية من مجموعة من العبارات تسمى المقدمات تتبعها عبارة أخرى تسمى النتيجة.

فإذا كانت المقدمات تؤيد النتيجة، كانت القضية المنطقية صحيحة، وإذا كانت المقدمات لا تؤيد النتيجة كانت القضية المنطقية خطأ.

 

والقضية المنطقية نوعان: قضية استنتاجية، وقضية استقرائية. فالقضية الاستنتاجية تكون صحيحة إذا كانت المقدمات والنتائج صحيحة.

وإذا كانت النتيجة لا تنشأ بالضرورة عن المقدمات، فإن القضية الاستنتاجية تكون غير صحيحة.

 

أما القضية الاستقرائية فإنه نظرا لأن صحة النتيجة لا تعتمد كلية على المقدمات فإنها لا تكون صحيحة بالمعايير الاستنتاجية.

وتعتمد صحة هذه القضية على شكلها وليس على صدق مقدماتها. وعلى ذلك، فقد تكون القضية الاستنتاجية صحيحة بينما مقدماتها كاذبة، وقد تكون غير صحيحة بينما مقدماتها صادقة.

وكان أرسطو أول من ألف في المنطق بوصفه علما قائما بذاته، فقد وضعه خارج دائرة العلوم لسببين: أولهما أن تصوراته كلية، وثانيهما أنها لا تتصل بالواقع الخارجي بعكس العلوم التي تتصل بالواقع وما يتصل بالواقع تصدر مقدماته ونتائجه عمأ هو جزئي.

 

ولهذا فالمنطق لا يحتاج إلى علم من العلوم، وإنما العلوم الأخرى هي التي في حاجة إليه باعتباره المدخل لها جميعا.

ولكن لم كان المنطق مدخلا للعلوم جميعا؟ والجواب أنه نظرا لأن المنطق نسق من القواعد التي يمكن أن يتم الاستنباط وفقها، فإن العلوم الأخرى تحتاج إليه كعلم للاستنباط.

وإذا كانت بنية أي علم يمكن تبريرها بواسطة المنطق، فإن المنطق يبرر ذاته بذاته.

 

كذلك كان أرسطو أول من بين ضرورة التمييز بين الكليات الخمس وهي: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام.

فإذا اعتبرنا الحيوان مثلا جنسا فإن الإنسان نوع من أنواعه، والميزة التي تميزه عنه تمييزا قاطعا هي النطق وهي ما يدعوها أرسطو الفصل والخاصة التي تميزه أيضا، ولكن ليس بشكل قاطع كالنطق، هي الضحك.

وأما العرض العام فهو لا يميز الإنسان عن سائر أنواع الحيوان كقولنا (يمشي على قدمين).

 

وتسمى مجموعة بحوث أرسطو المنطقية (الأورغانون) أي آلة العلوم. وهي تنقسم – حسب أفعال العقل – إلى ثلاثة أقسام: المقولات وتبحث في التصورات، والعبارة وتبحث في الأقوال المؤلفة من التصورات، والتحليلات وتبحث في الاستدلال.

وصورة الاستدلال عند أرسطو هي القياس ذو المقدمتين والنتيجة، مثل: كل الناس فانون، فلان من الناس، إذن فلان فان.

وكان للمنطق الأرسطي أقوى الأثر في مفكري العصور الوسطى، إذ أوقفهم على طرق استدلال النتائج الصحيحة من مقدمات موجودة عندهم في الكتب المنزلة أو في التراث العلمي القديم.

 

فلما جاءت النهضة الأوروبية، ومعها نهضة العلوم الطبيعية التي تعتمد على مشاهدة الظواهر واستدلال القوانين العلمية من المشاهدات الجزئية وليس من الأقوال الكلية الموجودة في الكتب، استلزم الأمر منطقا جديدا هو منطق الاستقراء، لا ليحل محل منطق الاستنباط الأرسطي ولكن ليكمله لأن العلم أصبح محتاجا لهما معا.

ورائد المنهج الاستقرائي هو فرنسيس بيكون، ثم أكمله جون ستيوارت مل.

كما كان للعلماء المسلمين دور بارز فيه وعلى رأسهم ابن الهيثم في الفيزياء وجابر بن حيان في الكيمياء وأبو الريحان البيروني في الفلك.

 

وقد جرت بدءا من القرن السابع عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر، من ليبنتز في ألمانيا وحتى رسل في بريطانيا، محاولات جادة من جانب كل من المناطقة والرياضيين لربط الرياضيات بالمنطق.

حتى توجت أخيرا بما يسمى المنطق الرياضي، حتى بات المنطق يرتدي ثوب الرياضيات وأصبحت هي لا تنفك عنه، ومن ثم صار لدينا ثلاثة أشكال من المنطق هي:

1- المنطق الصوري: ويقوم على أساس التصورات، حيث يذكر على هيئة صورة الفكر لا مادته.

2- المنطق الاستقرائي: ويعنى بمادة الفكر، أو محتواه الداخلي، والعلاقة بين المقدمات والنتيجة.

3- المنطق الرياضي: ويستخدم مناهج حسابية وتقنيات تعتمد الرموز، لذا يسمى أحيانا المنطق الرمزي لاستغنائه بالرموز عن الكلمات.

 

كما يشيع الآن منطق براجماتي يبني صدق الحكم على النتائج العملية وليس على سلامة الاستدلال الصوري.

هذا، ويعتبر القياس المطلق من أهم أشكال القضية المنطقية وأكثرها شيوعا. وفيه تكون كل عبارة مكونة إحدى الصيغ الأربع التالية:

كل (أ) تساوي (ب)، كل (أ) لا تساوي (ب)

بعض (أ) يساوي (ب)، بعض (أ) لا يساوي (ب)

والأحرف أ، ب، أو أي رموز أخرى تستخدم إنما هي تعبيرات تمثل فئات مختلفة من الأشياء مثل الأرقام أو الناس، إلخ.

 

والقضية التالية مثال لقياس مطلق صحيح: كل الثدييات من ذوات الدم الحار، كل الأسود من الثدييات، إذن كل الأسود من ذوت الدم الحار. وصيغة هذا الاستقراء هي: كل أ تساوي ب، كل ج تساوي أ، إذن كل ج تساوي ب.

كما أن القضية التالية مثال لقياس مطلق غير صحيح: كل النجوم ليست كواكب، بعض الأقمار الاصطناعية ليست كواكب.

إذن بعض الأقمار الاصطناعية ليست نجوما. وصيغة هذا الاستقراء هي: كل أ ليست ب، بعض ج ليس ب، إذن بعض ج ليس أ.

 

وإجمالا، وضع المناطقة قواعد معينة لتكوين استقراءات سليمة، لعل من أهمها القواعد التالية:

1- الاستقراء السليم لا تكون له مقدمتان سالبتان، مثل: كل النجوم ليست كواكب، بعض الأقمار الاصطناعية ليست نجوما.

 

2- يجب أن يكون للاستقراء ثلاثة حدود بالضبط لا أكثر ولا أقل. لنتأمل الاستقراء غير الصحيح التالي: كل القوانين تضعها الحكومة، قانون الأجسام الساقطة أحد القوانين، إذن الحكومة هي التي وضعت قانون الأجسام الساقطة.

فكلمة قانون هنا ليست واضحة، فهي قد تعني قانونا طبيعيا مثل قانون الأجسام الساقطة أو تعني قانونا تشريعيا. ومن ثم فقد صار لهذا الاستقراء أربعة حدود بدلا من ثلاثة، لذا كان فاسدا.

 

3- يجب أن تنشأ عن المقدمتين السالبتين نتيجة سالبة.

 

4- إذا كانت إحدى المقدمتين سالبة والأخرى موجبة، يجب أن تكون النتيجة سالبة.

 

5- يجب تقييد الحد الذي يظهر في المقدمتين كلتيهما بكلمة (كل) أو (كل ليس) مرة واحدة على الأقل.

 

6- الحد المقيد بـ (كل) أو (كل ليس) في النتيجة يجب أن يكون مقيدا بـ (كل) أو (كل ليس) في إحدى المقدمتين.

 

وجدير بالذكر أن علم المنطق الحديث يمتد الآن ليشمل آفاقا أرحب بكثير مما قد شمله عمل أرسطو. فقد وضع علماء المنطق المحدثون نظريات وتقنيات جديدة لتناول القضايا المنطقية.

ومن علماء المنطق الحديث البارزين عالما الرياضيات البريطانيان جورج بول وألفرد نورث وايتهد والفيلسوف البريطاني برتراند رسل.

 

كما أصبحت لعلم المنطق اليوم استخدامات كثيرة كما في التعامل مع أجهزة الحاسوب والدوائر الكهربائية، وأصبحت له فروع خاصة مهمتها توجيه جانب كبير من العمليات العقلية في مجالات العلوم والقانون، وكذلك توجيه العمليات العقلية المرتبطة بالالتزامات والعهود والأوامر والاستفسارات وتحديد الأفضليات والمعتقدات.

ومع ذلك فإن جانبا كبيرا من التفكير الذي يمارسه الناس لا زال غير استدلالي، بمعنى أنه يؤدي إلى نتائج محتملة وليست مؤكدة، مثلما يفعل الأطباء عندما يستخدمون تفكيرا غير استدلالي لتشخيص الأسباب المحتملة للأعراض التي يشكو منها المريض.