علوم الأرض والجيولوجيا

مظاهر جيوكيميائية لعلم البيئة القديمة

1998 الموسوعة الجيولوجية الجزء الخامس

ترجمة أ.د عبد الله الغنيم واخرون

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

مظاهر جيوكيميائية لعلم البيئة القديمة علم البيئة القديمة علوم الأرض والجيولوجيا

فكرة عامة عن المضمون العلمي للمصطلح:

إن الصخور لا تعكس لنا أهم عناصر البيئة مثلما تعكسها الأحافير.

فدرجة الحرارة والرطوبة والتضاريس وعمق المياه وكثير من عوامل البيئة الفيزيائية لا يمكن التكهن بها إلا من خلال دراسة أحافير البيئة.

وقد تعطينا الرواسب بعض المعلومات عن العوامل الكيميائية والمناخ القديم، وعوامل النقل، والفروق الأساسية بين الأنواع المختلفة للصخور المتكونة في البحار والبحيرات والقنوات غير أن دراسة الأحافير لهذه المنطقة توفر لنا معلومات أكثر مما تعطينا إياها الرواسب.

 

وقد تبين من خلال دراسة علم البيئة القديمة لعينات صخرية من عصر ما قبل الكامبري، معرفة الكثير عن بيئات الأرض في أوائل نشأتها، وكذلك معرفة الكائنات عن بيئات الأرض في الميكروبات والبكتيريا.

والتي تعيش في تلك البيئات الأرضية القديمة؛ هذا فضلاً عن معرفة المناخ وأنواع التربة القديمة. إن معرفة البيئات القديمة للتربة الزراعية خصوصاً بعد دراسة الأحافير النباتية والفقارية الموجودة في رسوبيات تلك التربة يعكس حجم وتركيب الغطاء الخضري القديم.

ومن الجدير بالذكر أن دراسة علم البيئة القديمة يكون أكثر جدوى حينما يستخدم البعد الجيوكيميائي في العملية الدراسية، حيث يصبح المضمون العلمي شاملاً لكيميائية الأرض من الوجهة البيولوجية.

 

وبذلك يعبر هذا المصطلح عن العلم الذي يختص بدراسة التركيب الكيميائي للمعادن المكونة لهياكل الأحفورة، وذلك من خلال التعرف على العناصر الأساسية والشحيحة والنادرة بها، وكذلك تركيب النظائر المشعة بها خصوصاً لعنصري الكربون والأكسجين، وقد تدرس أيضاً كيميائية المواد العضوية المحفوظة في الصخور.

وجميع المعلومات السابقة تعطى مدلولات قوية عن كيميائية وفيزيائية البيئات القديمة من حيث رواسبها أو نوعية بيئاتها سواء أكانت بحرية أو نهرية أو قارية أو صحراوية.

إن أكثر العوامل تأثيراً على تغيير تركيب الأحافير بعد تكوينها هي المياه الجوفية، وكذلك عمليات التماسك لحبيبات الرواسب المحتوية على بعض الأحافير ونوع المادة اللاحمة بين الحبيبات.

 

وتؤثر عملية إعادة تبلور مواد الرواسب وأيضاً عملية السيلكة تأثيراً كبيراً على تغيير تركيب الأحافير بعد تكوينها وهناك عمليات أخرى مثل الأكسدة والكربنة.

كل العمليات السابقة واللاحقة لتكوين الأحافير تؤثر على تكوينها وتركيبها، ولذلك فإن الدراسة الكيميائية لهياكل تلك الأحافير تكشف تلك التغيرات اللاحقة لبيئة الترسيب الحاوية للأحافير.

ولذلك فإنه من الأهمية أن تدرس كيميائية الأحافير الموجودة في رسوبيات التربة أيضاً حيث أنها تضيف معلومات كثيرة لا يمكن الحصول عليها من الدرسات المعدنية فقط للأحافير، ومن بينها معرفة التبادل الأيوني الذي تم بين رسوبيات البيئة، وهيك الأحفورة وكذلك قيمة الأس الهيدروجيني لرسوبيات البيئة وظروف التأكسدة والاختزال وأيضاً الكربنة التي حدثت.

 

والدراسات المعدنية لهياكل الأحافير ليست قاصرة على معرفة التركيب العنصر لها، وإنما تتضمن أيضاً معرفة أسلوب ترتيب الذرات في الفراغ الشبكي للمعادن المختلفة. وهذا بالطبع شيء مكمل للدراسات الكيميائية.

ومن أهم المعادن المكونة للهياكل والتي تجري عليها الدراسات الكيميائية وغيرها، معادن الكلسيت والارجونيت والفاتيرت هذا بالإضافة إلى وجود معادن السيليكات والفوسفات وكذلك مادة الكيتون التي تغطى معظم الأصداف البحرية.

 

وعموماً فإن أكثر المعادن انتشاراً هو معدن الكلسيت الذي يتكون من كربونات الكلسيوم ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:

1- غزارة هذا المركب في مياه البحر الضحلة.

 

2- يتميز هذا المركب بسرعة ترسيب عالية بالمقارنة بالمعادن الأخرى حيث يرجع سبب ذلك إلى توافر مجموعة الكربونات والتي يلائم وجودها بوفرة الأس اليهدروجيني للمياه البحرية، وكذلك ارتفاع درجة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون.

 

3– قلة تركيز ايونات السيليكون ومجموعة الفوسفات بالمقارنة بأيون الكلسيوم ومجموعة الكربونات خصوصاً في المياه الضحلة هذا فضلاً على أن ترسيب الفوسفات (فوسفات كلسيوم) والسيليكا (معدن الأوبال) لتكوين الهياكل يحتاجات لتدخل بيولوجي قوي.

 

4- استقرار مركب معدن الكلسيت في ظروف الحرارة والضغط للمياه الضحلة، يجعله أكثر المركبات انتشاراً في هياكل الأحافير، خصوصاً أن معدل إذابة معدن الأراجونيت مرتفع. ولذلك فهو قليل الاستقرار بمعدن الكلسيت.

 

التركيب المعدني للهيكل:

إن معظم هياكل الأنواع الحديثة مثل الحزازيات والدودة السعفية وصفائحية الخياشيم (ذات المصراعين). والبطن قدميات تتكون من معدني الأراجونيت والكلسيت.

ومن الملاحظ أن هذين المعدنين يحدث لهما تعديل تلقائي مستمر أثناء تكوين الوحدات البنائية الدقيقة للهيكل، وذلك لكي يلائم حدوث أي تغيير سواء أكان ذلك التغيير في البيئة مثل التغير المستمر في درجة الحرارة أو في الكائن ذاته مثل ازدياد حجمه أثناء النمو.

 

نسبة معدن الأراجونيت إلى الكلسيت:

لقد وجد أن نسبة معدن الأراجونيت إلى معدن الكلسيت في الهياكل عموماً لأنواع مفردة في بيئة محدودة، تتغير مع العمر لكل نوع.

وتتغير هذه النسبة بتغير درجة حرارة البيئة المائية، حيث وجد أن درجة الحرارة المرتفعة للوسط المائي إلى ارتفاع نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت المتكونة في هياكل تلك الحيوانات.

وقد اتضح أن أفضل قياس يبين أن نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت تعتمد على الحرارة، لا بد أن يتم على هياكل منفردة (مثل الأنابيب الكلسية) حيث يكون نموها كاملاً من السطح الخارجي مما يساعد على توضيح العلاقة السابقة والتي قد لا يثبت صحتها تماماً عند استعمال هياكل غير منفردة.

 

إن العلاقة بين نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت أثناء الزيادة المتوالية في النمو لأنبوبة دودية في المياه الساحلية ببرمودا. والتغيرات السنوية في الحرارة المتميزة بمدى كبير متدرج من 16°س إلى 30°س قد رسمت بيانياً كما هو مبين في الشكل.

إن العينة قد أخذت حية في وقت متقدم في الصيف قبل وصول درجة الحرارة للماء إلى أقصى معدل موسمي.

لقد وجد أن تأثير درجة الحرارة يكون واضحاً على التغير الطارئ لنسبة الأراجونيت إلى الكلسيت أثناء النمو حيث تبين أن التغيرات الحلقية المعبرة عن النمو والمكونة من الأراجونيت والكلسيت تكون نسبة المعدن الأول فيها في فترة الصيف 90% تقريباً، بيمنا تنخفض نسبة نفس المعدن فيها في النمو الشتوي إلى 60%.

 

كذلك فإن الأعضاء الوظيفية للكائن الحي تؤثر على نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت، وعليه نجد أن دراسة أنواع مختلفة كل على حدة في نفس درجة الحرارة تظهر اختلافاً بيناً في نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت، مما يدل على أن وظائف أعضاء الكائن الحي تؤثر على نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت.

ولقد اتضح أيضاً أن هناك زيادة ملموسة عند تأثير الحرارة على التركيب المعدني للهيكل في عينات التجارب المؤكدة في الرخويات مثل صفائحية الخياشيم (ذات المصراعين) والبطن قدميات، والتي تتدرج من بيئات استوائية أو تحت استوائية إلى مياه معتدلة.

إن هذه الأصداف من الرخويات تتكون من 100% أراجونيت لجميع الأنواع، باستثناء الأنواع التي تعيش في المياه الباردة.

 

وقد تبين وجود نسبة ضئيلة من الكسيت تصل أقصاها إلى 10% في تلك الأنواع التي تعيش في درجات متدرجة من المياه الباردة.

أما عن المملكة النباتية قد وجد أن الطحالب الخضراء والبنية وقلة من الحمراء تعتمد في ترسيب مادة الكربونات على الحرارة حيث اتضح أن معدن الأراجونيت المترسب من تلك الأنواع للطحالب يكون غالباً موجوداً في الحزام الاستوائي الذي لا تقل درجة الحرارة فيه عن 16°س، حتى في أكثر الشهور برودة في السنة.

 

وتعتمد نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت كذلك على كيميائية المياه، ويتضح ذلك من الأنواع التي تتدرج في حياتها من مياه المحيط إلى المياه العذبة.

فقد تبين أن نسبة الأراجونيت إلى الكلسيت لأنواع منفردة تعيش في مياه قليلة الملوحة أو عذبة تكون أكثر من مثيلاتها التي تعيش في نفس الحرارة ولكن في مياه بحر عادية أي ملوحة مرتفعة نسبياً.

 

التركيب الكيميائي للهيكل:

محتوى المغنسيوم

لقد وجد أن تركيز عنصر المغنسيوم في الهيكل الكلسي للأنواع الحديثة يعتمد أساساً على عوامل عديدة منها ما يلي:

1- هيئة المعدن.

2- درجة سلالة الأنواع.

3- درجة حرارة الماء.

4- كيمياء المياه.

 

إن التركيب الكلسي للهيكل يستطيع أن يحتوي كميات كبيرة من المغنيسيوم الموجودة في المحلول أكثر من التركيب الأراجونيتي للهيكل.

ولذلك نجد أن الأراجونيت المترسب بيولوجيا يحتوي على نسبة ضئيلة لا تزيد إلا في قليل من الأحيان عن جزيء واحد في المائة من كربونات المغنسيوم، بينما نجد أن نظيره من الكلسيت المترسب قد يحتوي على 19 جزئياً جرامياً في المائية من كربونات المغنسيوم.

ويزداد محتوى كربونات المغنسيوم في البيئات ذات الحرارة المرتفعة، وذلك في الهياكل الكلسية للأنواع المنفردة لنفس رتبة السلالة.

 

كما اتضح أيضاً أن التركيز النسبي للمغنسيوم وكذلك المنحنيات الناتجة من علاقة المغنسيوم بالحرارة تختلف باختلاف الرتب حيث وجد أن منحدرات المنحنيات الناتجة من علاقة المغنسيوم بالحرارة تزداد انخفاضاً كلما ارتفعت سلالة الرتبة في النظام(شكل2).

إن البيانات المستنتجة من دراسة بعض الأنواع أوضحت أن منحنى المغنسيوم مع الحرارة لنوع منفرد قد حاد عن منحنى الرتبة ككل.

 

ومن الجدير بالذكر أن محتوى المغنسيوم في هياكل الكربونات يتأثر أيضاً بالتغيرات الكيميائية التي تحدث لمياه البحر، فلقد وجد أن نسبة المغنسيوم الموجودة في هياكل الجلد شوكيات التي تعيش في مياه منخفضة الملوحة.

تكون منخفضة وذلك في نفس درجة الحرارة بينما وجد أن نسبة المغنسيوم في هياكل الرأس القدميات المفصلية التي تعيش في مياه مرتفعة الملاحة تكون مرتفعة، وذلك بالمقارنة مع الأشكال المميزة أو الأنواع ذات العلاقة التي تعيش في المحيط.

 

محتوى الاسترانشوم:

إن المعادن التي تترسب بفعل الكائنات الحية لا تكون خالية من بعض أيونات العناصر النادرة والغريبة. ولذلك تكون عادة موجودة في الفراغ لبلورة المعدن أو مدمصة على السطح العلوي للمعدن.

إن درجة تركيز هذه العناصر النادرة في الأحفورة تعكس الظروف الفيزيوكيميائية والمتغيرات البيئية التي يتكون فيها هيكل الأحفورة.

كما تعكس أيضاً نوع العمليات اللاحقة التي حدثت لبيئة الترسيب المحتوية على الأحفورة، وكذلك التكوين العضوي للكائن الحي.

 

أن معظم العناصر النادرة في هيكل الأحفورة ذات علاقة بمجموعة الكربونات، وأهمتلك العناصر النادرة هو عنصر السترونشيوم. إن عنصر السترونشيوم الموجود في الهياكل الكلسية للأنواع الموجودة حالياً. يتأثر بنفس العوامل التي تؤثر على المحتوى المغنسيومي.

ومن الملاحظ أيضاً أنه من النادر أن تزيد كربونات السترونشيوم عن 0.4% جزيء جرامي في الهياكل الكلسية بينما في هياكل الاراجونيت قد تصل كربونات السترونشيوم إلى 1.3% جزىء جرامى.

وقد تبين أن للحرارة تأثيراً على محتوى السترونشيوم في الهياكل الكلسية. وهذا التأثير يتضح جيداً في مجموعتين من الكائنات الحية فقط هما قنافذ البحر والمسرجيات ذوات الركاز (Articulated Brachiopods).

 

ويصاحب عنصر السترونشيوم دائماً عنصر المغنسيوم، وذلك لتقارب نصف قطرهما الأيوني بالمقارنة مع عنصر المغنسيوم، وذلك مما يسهل عملية إحلالهما لبعضهما في الفراغ الشبكي لمعدن الكلسيت و(الأراجونيت).

ويزيد التقارب الشديد في شحنتيهما (Mg2+, Sr2+) عملية إحلالهما بسهولة، وكذلك توافر عنصري الماغنسيوم والسترونشيوم في مياه البحر خصوصاً أن العنصر الخير يكون شحيحاً في البيئات غير البحرية.

ويزداد تركيز عناصر (Sr, Mg, Ca) وكذلك نسبهما (Mg/Ca) (Sr/Ca) في هياكل الأحافير بازياد تركيز هذه العناصر في مياه البحار وبيئاتها.

 

إن نسبة السترونشيوم إلى الكلسيوم (Sr/Ca) تفيد كثيراً في تحديد درجة حرارة الوسط التي تكونت فيه هياكل الأحفورة، وقد وجد أن تحديد درجة الحرارة بهذا الأسلوب مطابق تماماً لدرجة الحرارة المحددة بطرق أخرى غير كيميائية، مثل استخدام النظائر المشعة لعنصر الأكسجين الموجود في الهيكل.

وتفيد معرفة نسبة عنصر السترونشيوم إلى الكلسيوم في تحديد درجة ملوحة المياه البحرية، كما تفيد نفس النسبة في معرفة المتغيرات التي حدثت في رسوبيات البيئة في وقت لاحق لتكوينها.

وكذلك معرفة تاريخ الحياة في تلك البيئات للكائنات المختلفة مثل: الطحالب الكلسية – المثقبات – الإسفنجيات – الجوفمعويات – الحزازيات – ذراعيات الأقدام (المسرجيات – البطن قدميات – الرأس قدميات – الرخويات – المفصليات – الجلد شوكيات – نباتات الأرض – الفقاريات.

 

إن الدراسات الكيميائية لهاكل الكربونات للكائنات الحية البحرية الحديثة قد أوضحت أن كيميائية مياه البحر ودرجة حرارته.

قد تؤثر على محتوى عنصر السترونشيوم والمغنسيوم في الكائنات الحية التي تعيش فيه وكذلك على نسبة الأكسجين 18 إلى الأكسجين 16 (O18 / O16) وعلى نسبة معدني الأراجونيت إلى الكلسيت في هياكل تلك الكائنات أثناء نموها في البيئات البحرية.

 

وتتضح العلاقة بين محتوى السترونشيوم ودرجة في المسرجيات ذوات الركاز من شكل(3)، ونجد فيه أن قيم درجات الحرارة قد حددت بتعيين نسب الأكسجين 18 إلى الأكسجين 16 في مجموع الأصداف المختارة لعائلات مميزة وعديدة، ثم تعديل هذه النسبة بالأخذ في الاعتبار نسبة الأكسجين 18 إلى الأكسجين 16 للمياه المأخوذة منها الأصداف المختارة.

إن التوافق الكبير بين قيم الحرارة المعينة للمسرجيات والبلمنيت تؤكد صحة الطرق المستخدمة في تعيين الحرارة القديمة والمعتمدة كلياً على بلمنيت روسترا من العصر الكريتاسي الأوسط والعلوي.