الكيمياء

فوائد وأهمية استخدام “العقاقير البحرية” في علاج عدد من الأمراض

2002 في رحاب الكيمياء

الدكتور نزار رباح الريس , الدكتورة فايزة محمد الخرافي

KFAS

العقاقير البحرية الكيمياء

منذ ما ينوف على ألفي عام استخدم الصينيون خلاصات من كائنات بحرية لعلاج العديد من العلل والأمراض . 

والآن يلتفت العلماء من جديد إلى البحث عن بعض العقاقير من الكائنات البحرية بعد أن حصلوا على بعض النتائج الباهرة . 

ومن بين الاستخدامات التي حققت نجاحاً استخدام دم سرطان البحر (السلطعون) في الاختبارات الطبية واستخراج مرهم واق من الشمس وذلك من الحيد البحري المرجاني.

 

ويبدأ تاريخ العقاقير البحرية منذ عام 206 قبل الميلاد حينما كان الأطباء الصينيون يستخدمون خلاصات النباتات والحيوانات البحرية لعلاج الأمراض . 

وأصبح من المألوف عند الصينيين استخدام نجم وفرس البحر في الوصفات الطبية الصينية .  وبعد عام 1960 ، حين تقدمت وسائل الغوص في أعماق البحار ، تمكن العلماء من الحصول على العديد من الأحياء البحرية النباتية والحيوانية والتي استخدمت في تصنيع أدوية لاقت نجاحاً واسعاً ودرت أرباحاً وفيرة .

وقد تمكن العلماء استخلاص بعض المواد الكيميائية التي تستخدم في التشخيص الطبي ، ومن أمثلتها الحمض الكايني الذي يستخلص من طحلب أحمر يجمع من اليابان وتايوان والذي يبلغ سعر الغرام الواحد منه 190 دولار . 

 

ويستخدم هذا الحمض كأداة أولية لتتبع سبب مرض هانغتون العصبي الذي يسبب اختلاجات في الوجه والأطراف ، ويعتبر هذا المرض نادراً لكنه قاتل . أما المركب الآخر فهو الحمض الأوكادي الذي يبلغ سعر المليغرام الواحد منه ألف دولار ، والذي يستخلص من نوعين من أنواع الإسفنج البحري . 

ولهذا الحمض القدرة على منع بعض التفاعلات الخلوية وتنشيط بعضها الآخر ، لذا فهو يستخدم في الدراسات المتعلقة بالسرطان والإيدز .

ويقوم العلماء حالياً بالبحث في البحار والمحيطات عن مركبات جديدة مستخدمة آخر ما توصلت عليه تقانات الاستخلاص والتنقية ودراسة التركيب . 

 

وتتركز هذه الجهود بشكل خاص في الحزام الاستوائي الآسيوي من منطقة المحيط الهادي الآسيوي التي تعتبر الأغنى بالكائنات البحرية في العالم .

وقد أعلن عام 1990 ، عن اكتشاف عقار بحري جديد ساهم فيه علماء من ثلاث جامعات أمريكية ومعهد العلوم البحرية في الفليبين ، وقد استخلص هذا العقار من سم محار بحري يعيش في مناطق المحيط الهادي الاستوائية . 

ووجدوا أن المكونات السامة هي عبارة عن عدد من البروتينات الصغيرة ، يتميز بعضها بأثره الانتقائي على العضلات وخلايا الأعصاب . 

 

ولما كان هذا السم يحتوي على عشرات البروتينات وإذا أخذنا في الاعتبار وجود ما يربو على 500 نوع من هذه المحارات ، فإننا ندرك أن ما توصل إليه هؤلاء الباحثون هو بداية لطريق طويل وشاق عليهم أن يقطعوه قبل التوصل إلى جوهر هذا الكنز الصيدلاني .

وفي عام  1991، طلب معهد ابحاث السرطان الوطني في الولايات المتحدة من المعهد الأسترالي لعلوم البحار ان يجمع له 1000 كائن بحري من المحيطين الهادي والهندي .  وقد ارسلت خلاصات هذه الكائنات البحرية إلى معهد مختص لتجربتها كعقاقير لعلاج السرطان .

لكن هذه التجارب تستغرق وقتاً وجهداً كبيرين .  وقد توصل العلماء بعد عشر سنوات من البحث إلى أن مادة بريوستاتين 1- المستخلصة من حيوان بحري صغير هو بريوزون ، ومادة دايدمنين – ب المستخلصة من بخاخ بحري ، قد أظهرتا فائدة في علاج الأورام، ولكنهما لم يعتمدا كعلاجين لمرض الاورام على النطاق التجاري ، حتى تستكمل التجارب المختبرية وتدرس ىثارهما الجانبية المحتملة .

 

أما شعاب البحر المرجانية فلها قصة أخرى ، هي خليط من البحث العلمي والصدفة .  فمنذ حوالي عشر سنوات بدأ الكيميائيون في المعهد الأسترالي لعلوم البحار في دراسة نوع من المرجان يعيش في المياه الضحلة . 

وتوقع هؤلاء الكيميائيون أن يمتلك هذا المرجان قدرة على حماية نفسه من تاثير إشعاع الشمس المدمر .  وفي عام 1984 تمكن هؤلاء العلماء من استخلاص مادة من هذا النوع من المرجان لها القدرة على امتصاص الاشعة فوق البنفسجية وبالتالي الوقاية من تأثيرها .. وقد وجد هؤلاء العلماء أن هذه المادة تمتص حزم الأشعة ذاتها التي تسبب سرطان الجلد . 

وهنا خطر لهم استخدام هذه المادة في تصنيع مرهم جلدي يقي الإنسان من تأثير اشعة الشمس المسببة للسرطان . 

وكان سرطان الجلد آنذاك في أستراليا يثير اهتماماً واسعاً على المستويين الرسمي والشعبي ، وخاصة بعد أن اتضح أن المواد المستخدمة آنذاك لوقاية الجلد من تاثير أشعة الشمس لا تقي الإنسان من الإصابة بالسرطان .

 

وهكذا وقعت شركة أي.سي. أي بأستراليا اتفاقاً مع المعهد الأسترالي لعلوم البحار بهدف تطوير مركبات لها القدرة على امتصاص اشعة الشمس الضارة وتشبه تلك الموجودة في المرجان . 

وقد قدرت تكاليف هذا المشروع آنذاك بحوالي 750 مليون دولار أمريكي ، وقد تم إنجازه عام 1991 وقدمت النتائج للحكومة الأسترالية للتسجيل ، تمهيداً لطرح هذه المنتجات في الأسواق .

انضمت اليابان حديثاً إلى جهود البحث العلمي المتعلقة بالكائنات البحرية ، وبدأ عدد من الجامعات والمعاهد العلمية في دراسة الاستخدامات التجارية للكائنات البحرية في المياه الباردة والدافئة على السواء .

 

وفي عام 1990 اتفقت الولايات المتحدة والصين على مشروع لاستخلاص دم كائن بحري يعيش بكثرة على سواحل الصين الجنوبية وهو ملك السراطين .  ويستخلص من هذا الدم مركب اسمه "ليزات" وهو أساسي في العديد من الفحوصات الطبية التي يتم إجراؤها في المستشفيات في سائر أنحاء المعمورة.

ويتم ذلك باصطياد السرطانات المذكورة واستخلاص %50 من دمها ثم يطلق سراحها في البحر ، وبعدها تستخلص مادة ليزات من دم السرطان .. حيث تستخدم على سبيل المثال في الكشف عن التهاب السحايا وحمى التيفوئيد .  وتباع هذه المادة حالياً بعشرة آلاف دولار للتر الواحد ، علماً بأن طاقة إنتاج المشروع هي 128 ألف لتر في العام .

وهكذا تتجلى أهمية العقاقير البحرية وتزداد يوماً بعد يوم ، وستثبت لنا الايام أن هذه العقاقير سوف تستخدم في علاج معظم الأمراض التي يعاني منها الإنسان .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة