العلوم الإنسانية والإجتماعية

أوجه ازدهار العلم والتقانة في الصين

1998 تقرير1996 عن العلم في العالم

KFAS

ازدهار العلم والتقانة العلم والتقانة في الصين العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

تسنمت الصين قمة الهرم العلمي والتقاني لما يربو على 1000 عام، كانت لها فيها إسهاماتها الرفيعة في الحضارة الإنسانية.

وقد حققت الصين إنجازات رئيسية عديدة في مجال الرياضيات والجغرافيا وعلم الفلك والطب، إلى جانب إنجازاتها في تطوير عمليات صهر المعادن والخزفيات وفنون العمارة والزراعة.

وقد وفرت الاختراعات الأربعة الكبرى، اختراع البوصلة المغنطيسية وصناعة الورق ومسحوق البارود والطباعة، للعالم إنجازاتٍ تقانية كان لها الأثر الأكبر في التطور التاريخي للبشرية.

 

ومن الجدير بالملاحظة أن هذه الأمثلة لا تعكس وتمثل فقط المستويات العليا والإنجازات العظمى للحضارة الصينية قديمًا، لكن في الوقت نفسه تكشف الخصائص المميزة لهيكلية التقانات في المجتمع الصيني التقليدي وعلاقتها الذاتية مع الهيكل الاجتماعي للصين القديمة؛ إذ إن هيكلية التقانات في أي مجتمع تعتمد على الهيكل الاجتماعي نفسه ومتطلباته من هذه التقانات.

ونظرًا إلى أن النظام الاجتماعي (في الصين القديمة) كان نظامًا مركزيًا هيمن الإقطاع على المجتمع فيه، فإن التقانات الرائدة لهذا النظام الاجتماعي – من مثل الاتصالات والمواصلات وتطوير التقويم الفلكي وغيرها – تمتعت جميعها بتطور متسارع الخطى.

لكن هذه التقانات كانت، ولفترة طويلة، بمهن محددة، ولذلك، وعلى الرغم من بلوغ مستوياتها شأوًا كبيرًا، لم تؤدِ إلى انقلابٍ مماثل في المجالات أو القطاعات الأخرى في المجتمع. إضافة إلى ذلك فإن هذه التقانات كانت وثيقةَ الصلةِ بالصناع المبدعين أنفسهم، فانتقلت بذلك خبراتها عبر الأجيال في العائلة الواحدة أبًا عن جد، من المعلم الحرفي إلى الصبي المتدرب، أو أنها كانت محتكرة من قبل الحكومة.

 

ولهذا السبب نجد، في حقولٍ مختلفةٍ، أمثلةً على إعادة اكتشاف تقاناتٍ قديمة بعد اندثارها. ومما تجدر الإشارة إلية أن التقانة في الصين كانت وثيقة الصلةِ باستقرار العائلات الإقطاعية الحاكمة، ولذلك تأثرت بشكل كبير مع انهيار هذه العائلات وهذا بالطبع أوجد عائقًا كبيرًا في سبيل تراكم المعلومات والمعارف وفي طريق نقل التقانة.

وإذا كان ازدهار التقانة في الصين مرتبطًا بالهيكل السياسي والاقتصادي للمجتمع، ففي المقابل، كان تطور العلوم النظرية والتجريبية في الصين أساسًا محكومًا بهيكل الحضارة التقليدية.

فجميع النظريات العملية تحمل في طياتها النظرة الفلسفية السائدة في تلك العصور. فمنذ عهد عائلة كوِن Qin برز هيكل عقائدي يتخذ من النظرية الكونفشيوسية Confucian Theory منهجًا أساسيًا له، ويتخذ من النظرية الطاوية Taoist Theory منهجًا ثانويا.

وقد أدت الفلسفة الكونفشيوسية ونمطها الفكري cognitive pattern دورًا إيجابيًا نتج منه ظهور أجيالٍ من النظرياتِ العلميةِ التي استندت إلى التجربة المباشرة والإثباتات الحسية، مع تركيزٍ خاصٍ على علم الاجتماع في مجال الحكم والإدارة.

وبالطبع لا يعني هذا نقصًا في وجود الخيال المبدع أو المحاكمة العقلية أو التنظير المنطقي. وعلى الرغم من أن فكرة التكامل بين الطبيعة والإنسان اتخذت تفسيراتٍ مختلفةٍ حسب المدارس الفكرية، فإن الشكل العام لهذا التكامل عكس نموذج العلم المعاصر، الذي تطورت نظرته للطبيعة من الشكل الآلي الذي ساد لفترةٍ امتدت قرونًا ثلاثة.

 

وفي حين كان للتطور العلمي والتقاني S&T في الصين القديمة تاريخ طويل وحضارة مزدهرة قبل القرن الخامس عشر، فإن هذا الوضع تقهقر بشكل عام عن خطى العالم بعد ذلك. أما لماذا حدث هذا التقهقر فهو محل جدلٍ حتى الآن.

فمن منطلق حضاري اعتبر العلماء الصينيون الأقدمون الأنظمة (الطبيعية) المعقدة كلاً متكاملا، دون الولوج في تحليل جزئيات هذه الأنظمة بهدف الوصول إلى بنائها الداخلي والآلية التي تعمل وفقها. فعلم المنطق والرياضيات لم يتطوروا بشكل متسق، كما لم تبرز مدرسة واحدة في العلوم الطبيعية.

وفي الوقت نفسه أعاقت النظرة الاجتماعية الدونية للتقانيين والتجار ظهور اتجاه إنتاجي جديد، وعرقلت خطى تطوير العلوم والتقانات المعاصرة. إن الخمود في البُنى التحتية الأساسية للمجتمع الإقطاعي، والعزلة الاقتصادية للمجتمع الصيني، والطبيعة المحافظة والمتخلفة للإمبراطورية الصينية القديمة، هذه العوامل أدت مجتمعةً إلى عزلة الصين عن العالم الخارجي وعن خطى القرن السادس عشر، مما أدى إلى تخلف الصين عن دول العالم الغربي في العلوم والتقانة.

 

ويمكن تعقب التطور العلمي المعاصر للعلم والتقانة في الصين إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عندما أبرزت الغزوات المتتالية للبلاد ضعف وفشل المملكة الوسطى Middle Kingdom، خلال تلك الفترة بدأت الصين بإرسال عددٍ كبيرٍ من الطلبة إلى الدول الغربية، وبعد عودة المبتعثين إلى وطنهم عملوا بجدٍ على توطين المعارف العلمية وإقامة الصناعات المختلفة، كما نشروا مجلات تُعنى بالبحث والتطوير وأسسوا الجمعيات العلمية والمعاهد البحثية.

وبحلول عام 1928 تأسست أكاديمية سنكا  Academia Sinica وأكاديمية بكين للعلوم Beijing Academy of Sciences. لكن الحروب المتتالية وضعف الاقتصاد الصيني أعاقا العلوم عن التطور بالسرعة المطلوبة.

ولم يبدأ التطور البارز في مجال البحث والتطوير إلا مع ظهور جمهورية الصين الشعبية عام 1949. وبعد أربعين سنة من الإخلاص والجهد المتواصلين كانت النتيجة ازدهار مجتمع البحث والتطوير، وتمكنت الصين بفضل ذلك من تأسيس نظامٍ للبحث والتطوير يشمل كل الحقول نسبيًا، ويمازج بين العلوم الأساسية والعلوم التطبيقية والتصميمات الهندسية وتطويرها. وبذلك تحققت إنجازاتٌ باهرةٌ، وظهرت إسهاماتٌ مميزةٌ انعكست على ارتقاء الأمة وازدهارها الاجتماعي.