العلوم الإنسانية والإجتماعية

مستقبل العلم والتقانة في بلدان حافة المحيط الهادي

1998 تقرير1996 عن العلم في العالم

KFAS

مستقبل العلم والتقانة العلم والتقانة في بلدان حافة المحيط الهادي العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

يتزايد باستمرار انهماك بلدان حافة المحيط الهادي (شرق وجنوب شرق آسيا وأستراليا) بتجارة آسيوية موجهة.

وفي غضون ذلك، تستهل هذه البلدان-ضمن إطار بلدان آسيا وحافة المحيط الهادي (APEC)-تعاونًا في برنامج مشترك لتحرير التجارة، ولوضع معايير توافقية لتشريع حقوق الملكية الفكرية.

وبناء على ذلك، فإن اهتمامًا متزايدًا يتركز عبر حافة المحيط الهادي على المواقع الإقليمية، والطرز الداخلية المنشأ الضرورية لنماء البلدان الأخرى. إن كفاءة العلم والتقانة في هذه المنطقة صارت واضحة للعالم كله كقوة محركة للتنافسية الاقتصادية لكل بلد من هذه البلدان.

وكنتيجة لذلك، فإن الأفضلية الرئيسية لبلدان حافة المحيط الهادي تتجه حاليًا نحو استثمار مكثف لتطوير الثروات البشرية المؤطرة للعلم والتقانة، ونحو تحسين إدارة الثروات الوطنية للعلم والتقانة لتستثير العلم الوطني باتجاه تطبيقي تجاري فعال. وكانت البلدان الأقل نماء تتطلع في الماضي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا كطرازين للنجاح.

 

أما الآن، فإن اهتمامًا أكبر تبديه البلدان الأقل نماء في شرق وجنوب شرق آسيا باقتصادات آسيا التي تتنامى حاليًا بسرعة تفوق كثيرًا سرعة نمو بلدان المنظمة (OECD)، وتستثمر بجدية واضحة في العلوم، ونعني بذلك (إضافة إلى اليابان) جمهورية كوريا وتايبيه الصينية وسنغافورة.

لذا، فإن بلدان حافة المحيط الهادي بدأت في التسعينات تلتف حول كيان اقتصادي إقليمي، يشكل العلم فيه سمة مركزية في استراتيجية التنمية. ومع أنه يُعبر عن ذلك بأساليب تتفاوت من بلد إلى آخر، فإن هنالك محرضًا عامًا لتوجيه علم القطاع العام باتجاه السوق، وتتطلع إلى نمو مستقبلي للعلم والتقانة، وتطبيق ذلك ضمن قطاع الأعمال.

وعمومًا، فإن بلدان المنطقة تستثمر في العلم والتقانة، وتخطط لذلك على الأمد البعيد. وضمن هذه القرينة، فإن الأسلوب الذي تحقق وفقا له منح الأفضلية للعلم والتقانة يختلف من بلد إلى آخر.

 

فإندونيسيا مثلاً لا تزال في مرحلة مبكرة من التحول التقاني لاقتصادها. فثلاثة أرباع مجموع نتاج التصنيع تقريبًا يتم في صناعة منتجات ذات تقانة متدنية. ونتيجة لذلك، فإن الصناعة الضيقة النطاق، والقطاع اللارسمي وضعا في مقدمة الأولويات التي تستحق الدعم.

وعلى التوازي من ذلك، يتم تطوير قدرات تقانية معقدة وذلك ضمن الصناعات الاستراتيجية المتميزة في مجال الطيران والطاقة والإلكترونيات.

وتلقى هذه الاستراتيجيات دعمًا قويًا كأداة لإخراج الاقتصاد من وضعه الحالي الذي تنطبع به البلدان النامية.

وتواجه السياسات العلمية لإندونيسيا مشكلتين رئيسيتين: تتمثل الأولى في معالجة النقص الواضح في المهندسين والعلماء المهرة، ولاسيما من أصحاب الدرجات العليا. ولقد استهلت إندونيسيا، بقروض دولية، برنامج العلم والتقانة لتطوير الصناعة (STAID)، بغية إغناء ثروات العلم والتقانة، ولتهيئة المناخ الملائم "لإقلاع" صناعي، وذلك خلال خطة البلد الخمسية السادسة، التي ستُدخل إندونيسيا في القرن الحادي والعشرين.

 

أما الموضوع الرئيسي الثاني لإندونيسيا فيتعلق بالإسهام المتدني للصناعة في البحث والتطوير. فحاليًا لا يسهم القطاع الخاص في إنفاق إندونيسيا على البحث والتطوير إلا بمقدار %30.

وتتجه سياسات الأمد البعيد إلى رفع هذه النسبة لتصل إلى %70. وتتشارك الفيليبين وتايلند مع إندونيسيا هموم سياسة تطوير الثروات البشرية الخاصة بالعلم والتقانة.

ويعد نزوح الأدمغة من إندونيسيا منخفضًا نسبيًا، وينزع الخريجون الذين تدربوا في الخارج إلى العودة إلى الوطن. أما في الفيليبين، وحيث الثقافة غربية أكثر بسبب التأثير الأمريكي السابق، ولأن نسبة من يتقنون القراءة والكتابة مرتفعة جدًا، فإن نزوح الأدمغة يشكل معضلة حقيقية.

ولقد أقامت الفيليبين، في إطار هذه القرينة، مشروع تعليم الهندسة والعلوم (ESEP) يزود البلد في عام 1998 بعدد إضافي من العلماء والمهندسين يبلغ ثلاثة آلاف.

 

ووفقًا لخطة الفيليبين الرئيسية للعلم والتقانة (STMP)، فإن هذا التركيز على تطوير الثروات البشرية استُكمل بتطوير ثقافة علمية تقانية بغية تدعيم البنية التحتية للعلم والتقانة، ولتحديث قدرات البحث والتطوير في القطاعات ذات الأولويات، ولإقامة روابط بين تطور العلم والتقانة الداخلي المنشأ وبين الصناعة وسياسات نقل التقانة، ولتحديث قطاعات الإنتاج عبر نقل مكثف للتقانة من مصادر محلية وأجنبية. ولهذا فلقد تركز الاهتمام بصورة خاصة على تطوير تشريعات ملائمة، تهدف إلى تشجيع حركة انتقال التقانة.

أما في ما يتعلق بتايلند، فإن الحكومة تدرك بأن النمو الواضح الذي حدث في الثمانينات قد يتوقف ما لم تتزايد القدرة الوطنية التقنية في المستويات كافة، بدءًا من تقنيي المصانع وحتى العلماء الباحثين في التخوم الريادية للعلوم.

وبناء على ذلك، ولكي تفوز الصناعة بما تحتاج إليه من التدفق العالمي للرأسمال التقني والاقتصادي، فإن تطوير الثروات البشرية التي ستزودها لهذا الدعم مُنح أعلى الأولويات.

وفي غضون ذلك، أسهمت الصناعة إسهامًا قويًا في نمو قدرة تايلند الوطنية على البحث والتطوير في الفترة ما بين 1986 و1991، حيث كانت مسؤولة عن معظم الزيادة في الإنفاق الاجمالي على البحث والتطوير(GERD) منسوبًا مئويًا إلى الناتج المحلي الإجمالي (GDP) وذلك من %0.02 إلى %0.15.

ويتزايد الآن تأكيد الحكومة التايلندية أهمية تدفق التقانة، وأهمية التقانة الداخلية المنشأ، أكثر مما توليه للبحث والتطوير بذاته.

 

وتضع تايلند في أعلى سلم أولوياتها تنشيط النمو المستمر لاستثمار القطاع الخاص في البحث والتطوير، وتوسيع التعاون الدولي في العلم والتقانة كوسيلة لترسيخ القدرات الوطنية. وتتميز خطط تايلند للتسعينات بتأكيدها، ولأمول مرة، أهمية القطاعات الصناعية النوعية الأكثر تأثيرًا في التطور المستقبلي لتايلند. ويُقدم حاليًا دعم قوي للتقانات العامة، كالإلكترونيات المكروية (الصِغرية) وتقانة المعلومات والتقانات الحيوية.

ولدى ماليزيا معاهد راسخة القاعدة موجهة (وفقًا للتراث الإداري البريطاني الاستعماري السابق) نحو الزراعة. وتتمثل مهمة ماليزيا، في ما يتعلق بالبحث، بتأسيس الثروات الضرورية لتعزيز الخطة الوطنية الطويلة الأمد وفقًا "لتصور عام 2020" كبلد مصنع، إن دلائل هذا التغيير أخذت تظهر فعليًا.

ولقد بدأ تأثير معهد بحوث الإلكترونيات (MIMOS) يظهر في الصناعات الإلكترونية الوطنية عبر انتقال أطر بشرية عالية التأهيل إلى الصناعة. كما أن ميدان ماليزيا التقاني، الذي يقع خارج كوالا لامبور، يجتذب استثمارات دولية مهمة ذات قاعدة تقانية. كما أن نظام منح IRPA أخذ يضيف منظورًا صناعيًا جديدًا إلى بحوث تخوم العلم القيادية.

وحاليًا، توجه ماليزيا اهتمامًا خاصًا لترسيخ قدراتها البحثية، التي تقود هذه المبادرات، ولإقامة روابط بين الصناعة والقطاع العام. وتُستهدف الصناعة الآن كمصدر للنمو المستقبلي في البحث والتطوير الوطنيين.

ولتحقيق هذه التطلعات، فإن ماليزيا أنشأت رسميًا في العالم 1993، وبمبادرة من رئيس الوزراء نفسه، اللجنة MIGHT (أي مجموعة الصناعة – الحكومة للتقانة العالية) التي ستضع الفرص أمام الصناعة المبنية على البحث والتطوير، وتعبئ القدرات التقانية والصناعية.

 

وفي حين أن ماليزيا لا تزال ضمن الحالة الانتقالية، فان جمهورية كوريا تمتلك فعلاً بنية تحتية قوية لصناعة ذات قاعدة علمية، ذلك أن نصف معاهد البحث فيها، والتي يقارب عددها الألف، تنتمي إلى الصناعة الخاصة، وأن نصف هذا العدد يتمركز بكثافة في أضخم الشيبولات chaebol (الكتل الصناعية)، ولاسيما الإلكترونيات والصناعات الكيميائية.

ولقد تم تطوير هذه القدرات بالترابط باستثمار ملتزم بتطوير الثروات البشرية الذي تم في الستينات والسبعينات، وبالدعم الفعال لتطوير بنية تحتية وطنية قوية، عززتها حينذاك استثمارات مكثفة جدًا وظفتها الصناعة في البحث والتطوير في الثمانينات.

وبانتهاء ذلك العقد، أصبح الاستثمار الوطني في البحث والتطوير أكثر بنحو 15.5 مما عليه في العقد السابق له. وهكذا، فإن النجاح الذي حققته جمهورية كوريا في الأسواق المستهدفة لتقاناتها أوصلها إلى تخوم المعرفة. فالاعتماد التقليدي على الهندسة المعكوسة للتقانات المستوردة يجب أن يحل محله حاليًا علم تصوري أكثر قاعدية.

لذا، فإن الموضوع المركزي لاستراتيجية جمهورية كوريا هو تدويل قاعدتها في البحث والتطوير. وحاليًا، تتبع الصناعة الكورية استراتيجية تدويلية مماثلة لما حدث في اليابان، وتنشئ مختبرات في الدول الغربية.

كما أن المجازفات التعاونية، المحلية والدولية، في ما يتعلق بالبحث والتطوير، تشجع على إقامة أنجع الروابط بين المؤسسات الأكاديمية ومصالح العمل كشرط مسبق لتوسيع هذه العلاقات لتصل إلى القاع الدولي.               

 

ولدى تايبيه الصينية اقتصاد تهيمن عليه بقوة مؤسسات تجارية متوسطة الحجم. ولقد أنشئ معهد البحوث الصناعية والتقانية (ITRI) في الثمانينات ليتصدى إلى إسهام في البحث والتطوير يعوزه بعض الرسوخ.

ويضم المعهد المشار إليه سلسلة من المراكز، تركز على تقانات أساسية لتايبيه الصينية ولتقوم التقانات الدولية وللتمييز بين التقانات التي يجب استيرادها، وتلك التي يجب تطويرها محليًا، وتسعى لتنشيط الصناعة وربطها بشبكة البحوث التقانية. وغالبًا ما تنتقل الأطر البشرية في البحث والتطوير من المعهد إلى الشركات التجارية الصناعية.

فمثلاً، اتحدت، تحت مظلة المعهد (ITRI)، 47 شركة من شركات تايبيه الصينية كي تطور مفكرة الحواسيب. وعبر دعم تعاوني للبحث أتى من شبكة الشركات الصغيرة، ازداد الاستثمار الإجمالي في البحث والتطوير بمقدار 12 مرة من حجمه السابق (من 6 إلى 71 بليون دولار تايواني جديد) وذلك ما بين عامي 1978 و1990.

ورُصد في خطة التنمية الوطنية الأخيرة لتايبيه الصينية مبلغ 18 بليون دولار أمريكي لتمويل البحث والتطوير ونماء التقانة. وتنزع هذا الاستراتيجية إلى تجاوز صناعة المكونات المادية للحواسيب إلى وضع البرمجيات، ولهذا يُنشأ حاليًا ميدان لبرمجيات الحواسيب بغية تسريع تطوير صناعات البرمجيات الحاسوبية المتخصصة محليًا.

وكان لسنغافورة في السنوات القليلة الماضية التزامات رئيسية بالابتكارات العلمية والتقانية، حيث أدركت بوضوح أهمية القدرة على البحث والتطوير لبقاء اقتصادها مستقبلاً. وفي عام 1991، تم تحديث البنية المؤسساتية للعلم والتقانة تحديًثا جذريًا، وذلك بإنشاء المجلس الوطني للعلم والتقانة بإشراف وزارة التجارة والصناعة.

 

ولقد وضع هذا المجلس نصب عينيه تطوير معاهد بحث استراتيجية وعالية المستوى، وذلك في تقانة المعلومات والبيولوجيا الخلوية والجزيئية والتقانة التصنيعية. ولقد اتضح نمو قدرات سنغافورة العلمية (التي دُعمت باستثمارات إضافية في أواخر الثمانينات) بتطور القطاع الخاص.

وتشجيع الحكومة تشجيعًا قويا استثمارات أضخم للقطاع الخاص في البحث والتطوير، كما تجتذب العلماء الرواد من العلم كله للعمل في سنغافورة، مستهدفة إمكان توليد أفكار اختراقية، قد تحوّل إلى نتاج، أو حتى تكوين أسواق بكاملها.

وتُبذل حاليًا جهود لإقناع الشركات المتعددة الجنسيات بتخصيص سنغافورة بأعلى فاعلياتها الخاصة بالقيم المضافة، حتى ولو نقلت هذه الشركات الإنتاج ذا العمل المكثف إلى أمكنة أخرى. وبموازاة ذلك، يتم حاليًا تشجيع النسل الجديد من "المقاولين التقانيين" (المقاولون التقانيون المبتكرون المحليون)، الذي برهن على نجاعته في أواخر الثمانينات.    

 

وتظل اليابان القوة المهيمنة على العلم والتقانة في آسيا. وكانت تعتمد تقليديًا على قطاعها الصناعي في قيادتها للبحث والتطوير. ونزعت الجامعات لأن تؤدي دورًا ضئيلاً في نظام الابتكار الوطني ما عدا بعض المهارات ذات المستوى العالي، وكمصدر لروابط شبكية بين الجماعات العلمية الوطنية والدولية.

وعلى اليابان، كجمهورية كوريا، أن تتبوأ موقعًا قياديًا في خلق معرفة بحثية أساسية. ولم يعد يُنظر إلى تزايد البحث الأساسي على أنه أمر مهم فقط، بل وملح أيضًا.

وبالالتزامات التي قطعتها على نفسها في الثمانينات وذلك في ما يتعلق بالتقانات الأساسية الضرورية لصناعات المستقبل وبمواد جديدة وبالتقانات الحيوية و"بعناصر وظيفية جديدة" وباستثماراتها لعام 1986 في برنامج البحوث التخومية، فإن اليابان تركز حاليًا على العلم لتعالج مشكلات عالمية، وعلى العلوم الضخمة megascience. كما يتركز الاهتمام حاليًا على زيادة الدعم لتحديث البنى التحتية والبحث العلمي عبر قطاع الجامعات ومعاهد البحوث الوطنية.

 

ولدى أستراليا ونيوزيلندا تقليد قوي في البحوث الأساسية، بيد أنها اعتمدت أكثر مما يجب على التمويل من القطاع العام الذي لم يتمخض عن التنشيط الكافي لابتكارٍ صناعي وطني متميز.

ولقد تمثلت استجابة نيوزيلندا بإعادة بناءٍ شاملة لبحوث القطاع العام بغية تعزيز تنافسية أقوى، ووجهت مواردها الأساسية الضئيلة نسبيًا إلى تصنيع أساسه الزراعة، متوخية في الوقت نفسه إقامة روابط علمية وصناعية تقانية أوثق بآسيا. وبالمثل، تعزز أستراليا صلات أوثق-علمية وتقانية وصناعية-بآسيا، بغية إقامة شراكة في حقول بحث وطنية راسخة القوة تتعلق بالنماء و"بجدران" البنية التحتية التي أخذت تنتصب في وجه البلدان الآسيوية كنتيجة حتمية لنمائها السريع.

وتم التركيز ضمن أستراليا على جعل قطاع البحوث الأكاديمية والعامة أكثر تنافسية، موجهًا نحو الإنتاج التجاري، كمار رُكز في الوقت نفسه على قيام شراكة تجارية في البحث والتطوير.

 

ولهذا، فإن التمويل من قطاع الأعمال للبحث والتطوير تضاعف ما بين 1984/1985 و1991/1992، وكذلك الأمر في ما يتعلق بالتمويل التجاري للبحث الأكاديمي، في حين أن دعم قطاع الأعمال لبحث وتطوير القطاع العام ضمن منظمة الكومنولث للبحث العلمي والصناعي (CSIRO) ازداد خمس مرات، وبلغ %21.4 من مجموع تمويل هذه المنظمة.

ويوجه حاليًا اهتمام خاص لإقامة روابط ضمن نظام الابتكار الوطني، وذلك عبر برامج بحثية تقانية جيدة التمويل والارتباط بقطاع الأعمال، وعبر برنامج مركز البحوث التعاوني الأكاديمي مع القطاع العام والقطاع التجاري.

يمكن القول إذًا إن وجه العلم والتقانة عبر حافة المحيط الهادي يفرض انطباعًا قويًا عن حيوية وتجربة وتزايد للثقة بالذات، وبالتزام ببناء اقتصاد منافس تدخل فيه هذه البلدان القرن الحادي والعشرين.

 

ولكن، وكملاحظة استنتاجية، لابد من الاعتراف بأن الجدل القائم حول العلم والتقانة في تلك المنظمة ينم عن قلق متزايد يأتي من الجانب القاتم لذلك النجاح الذي نجم عن نماء اقتصادي، عمومًا، سريع ومبعثر.

وتشير حسابات مصرف (بنك) التنمية الآسيوي إلى أن على بلدان اتحاد شعوب جنوب شرق آسيا (ASEAN) فقط أن تخصص في العام 2005 مبلغ تريليون واحد من الدولارات الأمريكية لتمويل تعزيز البنية التحتية إذا ما أُريد لمعدل النمو أن يستمر على ما هو عليه (Bardsly, 1995) ولابد من الاستثمار على نحو مكثف جدًا سواء في الثروات البشرية أو في البنية التحتية الخاصة بالتوسع والاتصالات الضروريين للحفاظ على المؤسسات الصناعية القائمة على العلم والتقانة.

وعلاوة على ذلك، فإن مجرد تطوير موارد بحثية وتقانية ماهرة تقانيا لا يكفي بحد ذاته. وتتطلب المشاركة الناجعة في النظام التقاني العالمي (الذي أخذ ينبثق في التسعينات) ابتكارات تنظيمية وأنماطًا جديدة من القدرات الاجتماعية والتدبيرية.

وعلى كل بلد من بلدان حافة المحيط الهادي أن يواجه، وقد انطلق من ممارسات ثقافية وتنظيمية شديدة التباين، عوائق موروثة في هذا التباين تجعل الفوز بتدفق التقانة العالمية، ووضع البحث والتطوير الوطنيين موضع التطبيق التجاري السريع أمرين صعبين نسبيًا.

 

إضافة إلى ذلك، لابد من التذكر بأنه سيبقى خارج توهج المعجزة الاقتصادية لبلدان حافة المحيط الهادي ظل من التخلف، وعلى ثروات البحث والتقانة الوطنية أن تتصدى له. وكما هي الحال في عدد كبير من الحالات، فإن الروابط بين القطاعات الاقتصادية تقليدية أكثر، وبين بقية القطاعات، تتحطم مع تعاظم مد التغيرات التقانية الحديثة.

وغالبًا ما تتجسد المعضلة بعدم الانحياز إلى معايير جودة تقنية محددة، وكذلك عندما تكون المؤسسات الوطنية للعلم والتقانة هي المصدر الوحيد لدعم إعادة تكامل التعدد الاقتصادي والتقاني الذي يميز الاقتصاديات النامية.

وأخيرًا، لابد من الإشارة إلى أن النماء السريع غالبا ما يترافق مع إهمال للبيئة. فمصادر المياه مثلاً ومعالجات مياه الصرف وتدبير النفايات الصلبة والخدمات الصحية، ستصارع كلها كي تفي بالاحتياجات التي تتولد من تصنيع سريع، وعن نماء مديني إضافي.

ولا تتوافر لدى معظم بلدان حافة المحيط الهادي قدرات راسخة في البحث والتطوير لتدبير البيئة. ولكن، وبالمقابل، يتوافر حاليًا إقرار واسع النطاق بالحاجة إلى ذلك. فجمهورية كوريا مثلاً ستنفق خلال العقد الحالي بليون دولار أمريكي على تطوير تقانات بيئية، كما أن سنغافورة جعلت من التقانة البيئية فاعلية أساسية من فاعليات الهيئة الوطنية للعلم والتقانة.

 

ويتم حاليًا تنفيذ مزيج متجانس، يتألف من ثلاثة افتراضات (كان قد قدم في افتتاحية لقاء سياسة العلم والتقانة في آسيا الذي عقد عام 1965) من قبل فاعليات بلدان حافة المحيط الهادي في ممارستها المعاصرة للعلم والتقانة.

ويعد المسار الذي اتبعته جمهورية كوريا أكثر هذه المسارات نجاحًا، ويصلح هذا المسار لأن يكون باستمرار الطراز الأمثل، الذي يمكن أن يقتدي به عدد كبير من بلدان جنوب شرق آسيا. وتتمثل السمة المهيمنة للسياسات المعاصرة لبلدان هذه المنطقة بالاهتمام الذي تبديه بقيام رابطة أوثق بين التصنيع والمستهلك، وذلك في ما يتعلق بالنظام الوطني للعلم والتقانة.

بيد أن التخطيط وجدولة الأفضليات سيشكلان عمومًا السمة الأساسية لسياسة العلم والتقانة، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحاجة إلى ترشيد استخدام الثروات الضئيلة لهذه البلدان ترشيًدا فعالاً عبر اقتصاديات عالمية شديدة المنافسة.

وأخيرًا، فإن الاهتمام انتقل من جديد (بعد أن أضحت المعرفة السمة المركزية الأقوى تحريكًا للصناعات الجديدة) ليولد بحوثًا أساسية في التخوم القيادية للعلوم، وللفوز بما يمكن من هذه المعرفة.