شخصيّات

نبذة عن حياة الطبيب “داود الأنطاكي”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

الطبيب داود الأنطاكي شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

سل عنه عطاراً، أو حَمَّاراً، فالكل يعرفه. إنه المشهور في الطب الشعبي، فكم داوى من علَّة وطبَّب من داء بوصفاته المفيدة وعلاجاته الناجحة.

ولِمَ لا؟ أليس هو صاحب التذكرة… تذكرة داود؟! (انظر شكل رقم 93).

ظلمة البصر ونور البصيرة

ولد داود كفيف البصر. وفي طفولته أخذ طبيبه الفارسي بَهزَاد، الذي كان يُعالجه من داءٍ ألمَّ به، يصف له بالكلمات مالايراه.

ولكنه كان يرى بنور قلبه، فقد كان نور البصيرة عنده أقوى من ظلام البصر.

وكان هذا في مدينة أنطاكية (شمال غربي سوريا) منذ قرابة أربعمائة عام من الآن. وكان أبو داود، عمر الأنطاكي، مختار (عمدة) قرية (حبيب النجَّار) القريبة من أنطاكية.

 

الطبيب… الأعمى!

كان الطبيب بهزاد موسوعة تسعى على قدمين. كان بارعاً في علوم المنطق والرياضيات والطبيعيات براعته في عزف المقطوعات الفارسية والعربية على العود.

كما كان يعرف اللغة العربية معرفته بلغة قومة. وكان يُحب التدريس لسواه محبته لعلاج مرضاه. وبناءً على رغبة داود ومن بعده أبيه، راح بهزاد يُعلِّم داود علوم المنطق والطبيعيات والرياضيات المعروفة في زمانه، بل وراح يُحببه إلى الموسيقى ويُعلِّمه كيف يسمع وكيف يعزف حتى يتسع أفقه العقلي لمعارف الطب وهي معارف متشابكة معقَّدة بين النفس والجسد.

ومرت سنوات خمس، بلغ معها داود العشرين من عمره، تعلَّم فيها اللغة الفارسية ومعارف العلوم الدنيوية التي لا يعرفها إلى زمانه سوى العلماء.

ومن ثم أخذ بهزاد يُعلمه ما يعلمه من معارف الطب تشخيصاً وعلاجاً وأعراضاً وأمراضاً وأدوية مفردة وأخرى مركَّبة. واعتاد بهزاد أن يصحب تلميذه داود معه كلما ذهب لزيارة مريض من مرضاه في قرى أنطاكية وضواحيها.

يصف له بصوتٍ مسموعٍ حال المريض وأعراض مرضه، ويجعله يتحسَّس بيديه مواطن الدَّاء في جسد المريض ويذكر له الدواء الشافي لمرضاه. واعتاد داود أن يسمع في جولاته تهامس الناس : (فاقد البصر ويدرس الطب!؟ لم نسمع بهذا من قبل).

وازدادت ثقة بهزاد بداود، فراح يترك له فحص المريض: يتسمَّع بأذنه نبض قلبه، ويتحسَّس بأصابعه مواطن الألم في جسده، ويدق ناقراً مواطن بعينها من بطن المريض أو صدره أو ظهره، ولا يفتأ يسأل عن صحوه ونومه وأكله وهضمه ونوبات مرضه في نهاره وليله، ثم يلتفت لأستاذه قائلاً: أرى أن مرضه كذا، وعلاجه بكذا وكذا، وغذاءه يكون بكذا وكذا.

 

السفر لمزيدٍ من العلم

كان داود قد بلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً حين فاجأه بهزاد ذات صباح بقوله: لمزيد من العلم عليك أن تسافر يا داود إلى بلاد الروم في الأناضول وبيزنطة.

وامتثل داود لأستاذه، وحفظ عنه ومن سيكون رفيقه في سفره ومرشده بقية عمره ألفاظاً وجُملاً من لُغة اليونان ولغة الرومان. وكان رفيق داود هو أحمد ابن عمه.

ودَّع داود وابن عمه الأهل والطبيب الفارسي وركبا فرسين واتجها إلى الشمال يتبعهما خادمٌ على بغلة وكانت تسير خلف الكل بغلتان أخريان محمَّلتان بقرب الماء والأطعمة المجففة والمقدَّدة.

وكانا يواصلان سيرهما بالجياد والبغال ويتوقَّفان في الليل في الطريق ويأويان إلى خان من خانات الطريق المستعدة دائماً لراحة المسافرين.

ومنذ العقد الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، الذي عاش فيه داود بن عمر الأنطاكي، والحروب تستعر ومناطق النفوذ تتسع والدمار يعم المشرق كله. ووسط هذه الظروف كلها قُدِّر لكفيفٍ أن يكون طبيباً عالما ومؤلِّفاً في الطب والصيدلة!.

 

عودٌ إلى أنطاكية

أتقن داود خلال سنوات اغترابه اللغات اليونانية واللاتينية والتركية كما حصَّل معارف الطب اليوناني مع ابن عمه. وعادا معاً إلى أنطاكية يحملان معهما على ظهور البغال صناديق ملأى بالكتب المنسوخة.

وحزن داود حين علم بخبر وفاة أبيه وأمه فهذان في الدنيا هما الرُّحماء وذهب لزيارة قبريهما. وبرغم حزن داود فقد فرح لسماع صوت معلمه بهزاد الذي كان لا يزال حياً.

وفي بيت الأهل، وقد انقشعت غمامة الحزن، جلس داود وابن العم يُحدِّثان بهزاد عن بلاد آسيا الصغرى والعثمانيين والرومانيين البيزنيطيين.

 

الرحيل إلى مصر

حتى ذلك الحين لم تزل مصر داراً للعلم والعلماء والمماليك يحكمونها من قبل العثمانيين لذا رغب داود في السفر إليها، وأعلن ذلك لبهزاد وأعيان قرية حبيب النجار الذين تفهموا رغبته ودعوا له بالتوفيق.

هبط داود وابن عمه أرض مصر واستقرا بحي الأزهر بالقاهرة. وولَّى داود وجهه شطر البيمارستانات وخاصة البيمارستان المنصوري.

ووجد داود في القاهرة الملجأ والأمن والعلم والزوجة. فقال لابن عمه: هنا المقام يا أحمد إلى أن يشاء الله.

وعكف داود في البيمارستان المنصوري على كتب الطب العربية، يقرأ له أحمد ويُملي هو عليه ملاحظاته فيدونها أولاً بأول ليرجع إليها حين يشاء.

وفي البيمارستان درس داود دراسة منظمة كتب السابقين في علم الدواء (الصيدلة) عن الأدوية المفردة والمركبة والنباتية والحيوانية والمعدنية وعرف أسماءها التي يتعامل بها أطباء مصر ومصادرها وقواها وأهميتها في علاج الأمراض، وعرف المزيد عن الأمراض وأعراضها وأسبابها وعلاجها وأضاف إليها ما عرفه وهو بالشام وتركيا، فاجتمعت لديه معرفة طبية نباتية بلغ عددها ثلاثة آلاف نباتاً حصَّلها من كتب التراث العربية واليونانية والفارسية وقرأها بلغاتها.

نعم لقد أخذ عن علماء كثيرين لهم معرفة كبيرة بالدواء مثل ابن الطبري والكندي وأبو بكر الرَّازي وابن سينا والبيروني وابن الجزَّار وابن ماجة وابن التلميذ والغافقي والإدريسي وابن ميمون وابن البيطار وكوهين العطار.

وقد قُدر لداود أن يكون هو آخر العلماء العرب بالدواء وأن يؤلِّف فيه، وهو الكفيف، أكبر كتبه وأخلدها وأشهرها!.

 

جامعٌ الألقاب

ذاعت شهرة داود في البيمارستان المنصوري بالقاهرة وضواحيها كطبيب معالج للفقراء والأغنياء في حي الأزهر. فعيِّن رئيساً للعشَّابين (الصيادلة) في البيمارستان ومن بعد رئيساً عاما له.

ومنحت القاهرة، على ألسنة الأطباء والناس، داود بن عمر الأنطاكي ألقاباً كبيرة والقاباً فهو: أبقراط زمانه، والعلامة الطبيب، والحكيم الماهر، والفرد، والحاذق، والعالم الكامل، والصيدلاني الضرير، وأبو الصيدلة.