العلوم الإنسانية والإجتماعية

نماذج البحوث والدراسات التي تم إجراؤها لعملية “التسلسل” المتواجدة لدى الأطفال

1995 مستويات النمو العقلي

الدكتور محمد مصيلحي الأنصاري

KFAS

عملية التسلسل المتواجدة لدى الأطفال العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

التسلسل هو تنظيم مجموعة من الأشياء في تتابع طبقاً لخاصية معينة تختلف فيها هذه الأشياء ، (عبيد ، 1974: 38)، ولا يستطيع الطفل التوصل إليه ، إلا إذا قارن أولاً بين شيئين وحدد العلاقة بينهما ، مثل "أطول من" أو "أقصر من" ومن ثم رتبهم في سلسلة ما ، (Copeland 1979, p. 420)

ويُعد التسلسل من المهارات قبل العددية مثله مثل التصنيف ، وغالبا ما يمتلكه الأطفال فيما بين الثالثة والرابعة وذلك من خلال ألعابهم في أشياء ذات أطوال أو أحجام مختلفة . (lovell, 1971, P. 250)

وينظر بياجيه وزملاؤه إلى التسلسل على أنه عملية ذات ثلاثة مستويات ، هي التسلسل البسيط ، ثم التسلسل المتعدد ، وأخيراً التسلسل من خلال الاستدلال المتعدي . 

وأن نموه يمر في ثلاث مراحل ، أولها تقابل طفل ما قبل العمليات ، وثانيتها تقابل الفترة الانتقالية بين ما قبل العمليات والعمليات المحسوسة ، والأخيرة تتقابل مع مرحلة العمليات المحسوسة (Piaget, Inhelder & Zenineska), 1960; (Beth & Piaget, 1966); (Inhelder &  piget, 1964).

 

ومن الملاحظ أن البحوث الخاصة بالتسلسل قد تركزت على المرحلة الثالثة منه ، أي على التسلسل من خلال الاستدلال المتعدي (Brainerd, 1978, p. 198) حيث زعم (Braine, 1959, p. 62) أن اختبارات بياجيه لقياس الاستدلال تقيس اشياء أخرى غير مجرد الاستدلال.

هذا النقد يتماثل مع قول (Bower, 1967) عن قياس مفهوم بقاء أو دوام الأشياء في المرحلة الحس الحركية وكذلك يتماثل مع ما قالته (Borke, 1977) حول اختبارات التمركز حول الذات في مرحلة ما قبل العمليات . 

وهذه الانتقادات تتفق جميعاً في أن ما يقيسه بياجيه ليس فقط الاستدلال ، بل إن هناك ثلاث قدرات إضافية بجانب الاستدلال وهي : تجنب الخداع البصري ، الفهم اللغوي ، التذكر ، وأنه من المحتمل جداً أن كثيراً من الأطفال الذين يفشلون في الاستدلال يفشلون لأن أحد هذه القدرات الإضافية تنقصهم وليس لكونهم لا يقدرون على الاستدلال . 

ولقد قام عدد كبير من الباحثين (Braine, 1959, 1962; Brainerd, 1973, 1974; Brainerd & Vaden Hauvel, 1974; Taniola & hooper, 1976; Roadi & Gruen, 1970; Sigel, 1971; Bryant & Trabasso, 1971) باستبعاد اثنين من هذه المهارات الإضافية، بل وتمكن Bryant ومن استبعادها جميعاً . 

 

وأشارت النتائج جميعها إلى أن الاستدلال المتعدي يتمكن منه الطفل اعتباراً من عمر خمس سنوات مثل هذه المعلومات تضع شكوكاً لا يستهان بها حول وجهة نظر بياجيه ورفاقه فيما يتصل بمراحل نمو مفهوم العلاقات عامة والتسلسل بصفة خاصة ، كما أنها تشير – وهذا و الأهم – إلى أن المحتوى المعرفي فعملية التسلسل قد يكون خاصاً بمرحلة ما قبل العمليات وليس بمرحلة العمليات المحسوسة.

وللرد على هذه الانتقادات ، قام (Breslow, 1981, pp. 325-351) بمراجعة شاملة لأدبيات نمو الاستدلال بل وإعادة تقييمها ، وبخاصة ما تزعمه Trabasso من القول بأن المفاهيم المتضمنة أو الكامنة وراء عملية الاستدلال لا تنمو مع العمر كما ادعى بياجيه ، لكنها يمكن أن توجد لدى أطفال في عمر الرابعة أو الخامسة لو أمكن ضبط مستوى التذكر والفهم اللغوي والتحكم فيهما.

 

وقد اعتمدت مراجعة breslow على إعتبارات نظرية ومنهجية وتجريبية عرض من خلالها لبعض القضايا في قياس الاستدلال وخاصة ما يتعلق بالاستجابة أو الحكم الذي يصدره الطفل أو ضرورة أن يبرر الطفل الاستجابة التي أصدرها وذلك في ضوء إعتبار بياجيه للغة والفكر كوظيفتين مستقلتين (Piaget & inhelder, 1969)، وكذلك أثر التدريب على اكتساب الاستدلال كما عرضته (Sinclair, 1967)، وتوصل من خلال هذه المراجعة بالذات إلى إجابة على سؤال مهم :

"إلى أي مدى يتشابه التسلسل المبكر – الذي يفترض تراباسو ورفاقه وجوده – مع التسلسل البسيط الذي يوجد عادة لدى اطفال ما قبل المدرسة ؟ وإلى أي مدى يتشابه هذا التسلسل المبكر مع التسلسل القائم على الاستدلال المتعدي وما يتضمنه من قابلية العكس كما يظهر لدى الأطفال الكبار  (Breslow, 1981. P. 334)، توصل إلى النقاط المهمة التالية :

 

– أنا لمهام التي استخدمها تراباسو تسمح بالمحاولة والخطأ في سياق التدريب المكثف على المقدمات ، وهي تتضمن فقط عددا ًمحدوداً من الأشياء (لا تزيد عن 5 اشياء) .  وعلى هذا الأساس فإن ما ينجزه الطفل من تسلسلات محتمل أن تكون قبل مفاهيمية في طبيعتها ومحدودة في عموميتها .

– أن المهام التي استخدمها تراباسو لا تسمح للاطفال بإدراك الفروق بين الاشياء المعروضة ، إلى جانب أن التدريب على التذكر (وهو احد اساليب تجارب) ، يؤدي إلى تحويل المعلومات المتوافرة حول المقدمة إلى صيغة تخيلية تسمح بالاستفادة من هذه المعلومات بطريقة شبه إدراكية وقد أيد Breslow هذه الفكرة  (Youniss & Furth, 1983).

– هناك أكثر من دليل تجريبي على أن ما ظهر لدى صغار الأطفال من إنجاز لعمليات تسلسل لا يعدو أن يكون تتابعاً نمائياً لنماذج من التسلسل البسيط (Greenland et al, 1972) و (Langerman, 1979).

 

نموذج آخر من نماذج بحوث ودراسات التسلسل يتمثل في إدخال أو تضمين عنصر إضافي جديد في سلسلة قائمة ، حيث ربط بياجيه (Piaget, 1965, 1976) بين وصول الطفل إلى مستوى العمليات المحسوسة وادائه الصحيح وقيامه ببناء تسلسل يتضمن إدخال ما يقدم إليه من عناصر جديدة في هذا التسلسل.

كما ادعى أن المهام ذات المتطلبات المحدودة او الأقل يمكن أن ينجح جزئياً في حلها اطفال ما قبل العمليات ولم يقدم توقعاً محدداً لعمر يستطيع الأطفال عنده القيام بحل مهام التسلسل مع الإدخال ، وقد عارضه (Case, marini, Mckeogh, dennis & Gold Berg, 1986) على أساس ان الفهم الصحيح لمستوى العمليات ليس شرطاً للنجاح في مهام التسلسل مع الاطفال .

وبحثاً عن إجابة تفسر هذا التناقض قامت (Belina Blevine-Kaabe, 1987) بدراسة حول نمو القدرة على الإدخال في تسلسل، تكونت عينة هذه الدراسة من 64 طفلاً ، نصفهم من البنين والنصف الآخر بنات وتتراوح أعمارهم بين 3-6 سنوات وبمتوسط 44 شهراً لاطفال الثالثة ، 54 شهر لأطفال الرابعة ، 65 شهراً لأطفال الخامسة 76 شهراً لأطفال السادسة وجميعهم من ابناء الطبقة الوسطى (Little Rick, Arkansa).

 

وكانت أدوات الدراسة عبارة عن تقديم أحد مهام التسلسل المعيارية لبياجيه لكل طفل ، ثم اثنين من مهام التعلم، وأخيراً مهمة معدلة للتسلسل مع الإدخال ، وقد روعي في تصميم التجربة ألا تتحقق فقط من افتراضات بياجيه حول متى ييصل الطفل إلى التسلسل مع الإدخال.

بل أيضا التحقق من الفرض التماثلي الذي تقدم به (Bullock, 1985) الذي يقول فيه بأن الخبرة المتوفرة في مهمتي التعلم يمكن أن تؤدي إلى تحسين الأداء في مهمة التسلسل مع الإدخال ، وكذلك فرض (Halford, 1982) الذي يقول فيه إن الأطفال اعتباراً من عمر الرابعة والنصف يمكنهم التعرف على تسلسل لكن لا يمكنهم التوصل للإجابات الصحيحة في المهمة المعيارية لبياجيه ولا في المهة المعدلة للإدخال (Blevine – Knabe, 1987, p. 429).

أما عن نتائج هذه الدراسة فقد جاءت متفقة مع كل من بياجيه وهالفورد في التأكيد على حتمية المراحل ، كما أظهرت أن أداء الأطفال قد تحسن بسرعة حول عمر الخامسة سواء في المهمة المعيارية أو في التسلسل مع الإدخال وهذا ما يبرر الإتفاق مع مقولة هالفورد من أن توقع وصول الطفل إلى المرحلة التالية من النمو العقلي حوالي الرابعة والنصف هو الذي يسمح له بالنجاح في مهمة مثل التسلسل مع الإدخال ، لكن لم تبين النتائج أية دلائل على صحة الفرض الخاص بأثر الخبرة الذي يقول به بالوك . 

 

كما كشف استخدام المهمة المعدلة عن أن متطلبات المهام المعيارية لبياجيه يمكن أن تؤثر على درجة الصعوبة التي يواجهها الطفل سواء فيما يتعلق بعدد العناصر أو إجراءات التقديم مثل حافة الطاولة من عدمه.

ويمكن القول بصفة عامة أن نتائج هذه الدراسة قد أيدت فكرة وجود مراحل في مفهوم التسلسل عند الطفل ، وأنه لا يوجد عامل واحد يمكن معه القول باستقلالية التسلسل عن العمر ، فالعمر يتفاعل مع الخبرة مع عدد المتطلبات مع إجراءات التقديم وهكذا (pp. 537-38) .

هذا وقد أجرت (Belinda Balvias-uabe, 1987) بحثاً آخر حول العلاقة بين التذكر وبناء الاطفال لتسلسل ما ، وهدفت دراستها هذه المرة لتحديد ما إذا كان الاطفال الذين يستطيعون التعرف على نظام خطي معين ، قادرين على تذكر هذا النظام واستخدام ما تذكروه في الإجابة عن أسئلة جديدة حول هذا النظام.

 

ولم يكن الإطار النظري الذي قامت عليه هذه الدراسة ببعيد عن الإطار النظري لدراستها السابقة ، حيث ناقشت ما أشار إليه بياجيه (Piaget & Inhelder, 1973) من أن مستوى الأطفال في فهم العمليات هو الذي يحدد أداءهم على أسئلة الاستدلال ، وإمكاناتهم في بناء أية أنظمة للتسلسل ، وما اشار إليه تراباسو ورفاقه من أن أطفال ما قبل العمليات يمكنهم القيام بالاستدلال ، طالما أنهم يتذكرون – من خلال التدريب – ما يعرض عليهم من أنظمة تسلسلات مختلفة (Bryant & Trabass, 1971) (Trabasso & Riley & Wilson, 1976, Trabasso, 1977) وفي ضوء هذه المناقشة.

وباستخدام نفس عينة الدراسة السابقة تقريباً (64 طفل في الأعمار من 3-6 سنوات) ومن خلال تدريبهم على اختيار سلسلة من بين مجموعة غير متسلسلة من الأشياء من بين مجموعة غير متسلسلة ، وبعد هذا التدريب تعرض المهمة المعيارية البياجية لقياس التسلسل فقط ، وأخرى للتسلسل مع الإدخال على الاطفال.

 

وقد كان هذا التصميم التجريبي إستجابة من الباحثة مرة أخرى لمحاولة قياس ليس التناقض بين بياجيه وتراباسو فقط بل وأيضا ما قدمه (Halford, 1988) من محاولة للتنظير لمستوى النمو العقلي ومراحله وعلاقته ببعض العمليات المعرفية ، وخاصة التسلسل والتصنيف .

وقد كشفت نتائج هذه الدراسة عن دعم لأفكار هالفورد عن التسلسل وبعضاً من الدعم أيضاً لبياجيه ، حيث بينت أن الأطفال يستطيعون التعرف على التسلسل قبل أن يكونوا قادرين على بنائه ، كما توقع كل من هالفورد وبياجيه ، لكن الأداء على مهام التعرف لم يكن مرتبطاً ببناء التسلسلات على عكس ما ذهب إليه بياجيه . (PP. 453-68)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق