علم الفلك

نظرية الجاذبية الكمية الحلقية

2006 موسوعة علم الفلك والفضاء2

شوقي محمد صالح الدلال

KFAS

علم الفلك

تعد نظرية الجاذبية الكمية الحلقية واحدة من أهم نظريات المجال الموحد التي ظهرت في أواخر القرن العشرين ، وهي تصف بشكل مفصل البنية "الذرية" للفضاء والزمكان .

وتتنبأ النظرية بدقة بما يمكن تبينه من هندسة الفضاء عند تفحصه مجهرياً حتى مسافات غاية في الصغر قريبة من طول بلانك (انظر Planck length) ، ووفقاً لهذه النظرية فإن الفضاء مكون من لبنات "ذرية" منفصلة ولكل منها حجم صغير ومستقل .

وتختلف هذه الفكرة عن ما جاءت به الهندسة التقليدية من أن للحجم والمساحة قيمة متناهية الصغير دون تحديد ، ويكون الحجم والمساحة في نظرية الجاذبية الكمية مساوياً لعدد صحيح من وحدات صغيرة تحددها نظرية الكم ، وعلى هذا الأساس نقول أن حجم الفضاء كما تتنبأ به هذه النظرية هو مقدار كمي.

 

وتذهب النظرية إلى أن أصغر مساحة ممكنة هي ما يساوي مربع طول بلانك ، أو 66-10سم2 تقريباً ، وأن أصغر حجم ممكن هو ما يساوي مكعب طول بلانك ، أو 99-10سم3 تقريباً ، وهذه المساحات والأحجام صغيرة جداً حتى بمقاييس أصغر الجسيمات في الطبيعة.

وتفسر لنا هذه الحقيقة مظهر الفضاء الذي يبدولنا كوحدة متصلة ، وتعود الفكرة الحديثة لنظرية الجاذبية الكمية الحلقية إلى الستينيات (1960s) حيث وضع كل من بروس دو ويت (Bryce De Witt) وجون ويلر (John Wheeler) أول معادلات لنظرية كمية للجاذبية ، ولكنها بقيت دون حل.

وبعد عقدين من الزمان قام فريق بقيادة لي سيمون (Lee Simon) بإيجاد صيغة معدلة أكثر بساطة لهذه المعادلات.

وبعد تضمين هذه المعادلات بعض الحدود التي تصف الحالات الكمية المسموح بها لهندسة الزمان والمكان – وجد كل من لي سيمون ورفاقه أن حلول هذه المعادلات تمثل حلقات كمية لا تتقاطع ، كما هو مبين في الشكل (1) .

 

وبعد اتباع بعض القواعد البسيطة وجد الباحثون أن الحلقات المتقاطعة تمثل حلولاً لهذه المعادلات ، ففي هذه الحالة يمكن أن تمثل الحلقات المتقاطعة عدداً لا نهائياً من الحالات الكمية.

وقد تطلب إيجاد التبعات لهذه الحلول سنوات عدة من العمل المضني لفرق من الباحثين في مجال الجاذبية الكمية ، وبعد ذلك وضع العلماء أيديهم لأول مرة على نظرية للجاذبية الكمية تصف بدقة الفيزياء عند مقياس بلانك كما تحددها مجموعة من العناصر الأساس المنفصلة .

وهذه العناصر لا ترتبط بالفضاء ، ولكن العلاقات بينها تحدد نفسها الفضاء ، وبقيت بعد ذلك المعضلة الكبرى لاستكمال الصورة النهائية لهذه النظرية – وهي أن تكون حلول هذه المعادلات مستقلة عن فضاء الخلفية .

 

وهذا يتطلب أن تحقق هذه الحلول مجموعة أخرى من المعادلات التي تجعل النظرية مستقلة عن الخلفية ، وقد وجد الشاب الإيطالي كارلو روفيلي (Carlo Rovelli) حلاً لهذه المسألة ، وذلك بعد زمن قصير من حصوله على الدكتوراه.

فقد قام كارلو بإعادة صياغة معادلات النظرية بحيث تبقى المتغيرات الوحيدة فيها هي الحلقات نفسها ، وعند استخدام النظرية لوضع الصيغة الكمية لنظرية آينشتاين للجاذبية – وجد أنها تعتمد فقط على العلاقات بين الحلقات.

كما وجد الطريقة التي يمكن بواسطتها عقد هذه الحلقات ، ووصلها ببعضها ، وفتلها ، وقد بين كارلو ورفاقه إمكانية إيجاد عدد غير محدد من الحلول لجميع معادلات الجاذبية الكمية ، وأن هناك حجم أدنى ومساحة دنيا للفضاء تحدد بنيته "ذرية" المظهر .

ولعل من أهم النتائج التي جاءت بها نظرية الجاذبية الكمية الحلقية هي اكتشاف أن الحالات الكمية للحلقات قابلة للترتيب ترتيباً متناسقاً في منظومة تسمى الشبكة الدومية  (spin network).

 

وكانت هذه الصورة المتناسقة قد اقترحت قبل ذلك بثلاثين عاماً من قبل روجر بنروز  (Roger Penrose)، والشبكة الدومية هي مخطط يبين قيمة الدومة في نقاط محددة كما هو مبين في الشكل (2).

ويرمز للأوضاع في هذه الأشكال بأعداد صحيحة ، وهي مشتقة من القيم المسموح بها لكمية الحركة الزاويّة للجسيمات كما تحددها ميكانيكا الكم ، أي عدد صحيح مضروباً في ثابت بلانك  (h).

وكانت الخطوة التالية هي إيجاد الطريقة التي يمكن بواسطتها ترجمة الشبكة الدومية التي جاء بها بنروز إلى شيء مماثل يتعلق بهندسة الفضاء ، كالحجم الأدنى الممكن على سبيل المثال.

 

وقد توصل كل من لي سيمون وكارولو روفيلي إلى إيجاد هذه العلاقة ، وفي هذه الحالة تمثل كل شبكة دومية إحدى الحالات الكمية الممكنة لهندسة الفضاء.

وتمثل الأعداد الصحيحة في كل ضلع في نظرية الجاذبية الكمية الحلقية وحدات المساحة التي يمثلها الضلع ، فتمثل الخطوط في الشبكة الدومية وحدات المساحة، بينما تمثل العقد في هذه الشبكة وحدات الحجم الكمي.

فالحجم الذي تشغله شبكة دومية ما ، عند قياسها بوحدات بلانك ، تساوي عدد العقد في الشبكة ، انظر الشكل (2) و(3) وفي نظرية الجاذبية الكمية الحلقية لا تكمن الشبكة الدومية في الفضاء.

 

ولكن بنية الشبكة نفسها تولد الفضاء ، وهي مجرد نسيج من العلاقات تحكمها الطريقة التي ترتبط بها الأضلاع مع بعضها مكونة العقد ، وتحكمها أيضاً قواعد تحدد الطريقة التي تتقاطع بها الأضلاع .

تعتمد هندسة الفضاء في نظرية النسبية العامة على الزمن ، فعلى سبيل المثال ، عندما تمر موجات الجاذبية عبر سطح ما ، يتذبذب السطح بمرور الزمن.

 

وتوجد صورة مماثلة في نظرية الكم لهذه العملية ، وفي هذه الصورة تؤدي موجات الجاذبية إلى اضطرابات في الشبكة الدومية وتغيرها مع الزمن . يبين الشكل (4) بعض مراحل تطور الشبكة الدومية مع الزمن .

ويشبه تغير الشبكة الدومية مع الزمن – الزمكان إلى حد بعيد ، ولكنه متقطع البنية بدلاً من أن يكون متصلاً ، وقد وصف جون ويلر (John Wheeler) الزمكان عند مقياس بلانك بأنه مجرد من الانسياب، وهو يشبه الزبد ، وأطلق علي زبد الزمكان.

وتخليداً لويلر فقد اقترح عالم الرياضيات جون بيز (John Baez) أن يطلق عليه الشبكة الدومية المتغيرة زبد الدومة (spin foam) ، وقد برز هذا الفرع من فروع فيزياء الجاذبية الكمية بشكل كبير منذ منتصف التسعينيات (1990).

 

وبعد هذه الجولة التاريخية في تطور نظرية الجاذبية الكمية الحلقية وبعض الأسس والمبادىء التي جاءت بها – يجدر بنا الوقوف وتأمل مدى صحة هذه النظرية . لعل أهم ما جاءت به هذه النظرية هي أن الحجم والمساحة التي تحدد هندسة الزمكان ليست شيئاً متصلاً .

كما أن النظرية لا تشرح لنا بدقة الأشياء الأخرى في الكون ، مثل عدد الأبعاد فيه ، والتناظرات الأساسية الأخرى .

وبالطبع فإن التجربة هي المعيار الأساس لصحة أية نظرية ، ولكن كيف يمكن التحقق من نظرية تتحدث عن بنية الفضاء بمقياس بلانك الذي يقل عن حجم البروتون بـ 1020 ضعفاً؟ .

 

اقترح الفيزيائي الإيطالي جيوفاني أميلينو كاميليا (Giovanni Amelino ( Came-lia طريقة لاختبار ما تنبأت به النظرية من البنية غير المتصلة للفضاء عند مقياس بلانك ، وتشمل الطريقة المقترحة استخدام الكون بأكمله مسرحاً للتجربة.

فعندما ينتقل فوتون خلال فضاء غير متصل ، فإنه يحيد بصورة صغيرة عن المسار الذي تتنبأ به الفيزياء الكلاسيكية ، وينتج عن هذا الحيود من تأثيرات تداخل تحدث عند تشتت الموجة المرتبطة بالفوتون بواسطة العقد في الهندسة الكمية للفضاء ، ويزداد هذا الحيود بازدياد المسافة من المصدر إلى الراصد.

ويقترح جيوفاني دراسة الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية للأحداث الكبرى في الكون بصورة متأنية ، ولا سيما تلك التي ينتج عنها إصدار أشعة سينية أو أشعة جاما .

ويعتقد العلماء أن اكتشاف البنية "الذرية" للفضاء بمقياس بلانك سوف تكون واحدة من أعظم الاكتشافات في مطلع القرن الحادي والعشرين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق