شخصيّات

نبذة عن حياة وإنجازات العالم “لافوازييه” الكيميائية

2002 في رحاب الكيمياء

الدكتور نزار رباح الريس , الدكتورة فايزة محمد الخرافي

KFAS

العالم لافوازييه شخصيّات الكيمياء

يقال إن الثورة تأكل أبناءها ، لكن الثورة الفرنسية اكلت أبناءها وشربت من دعم علمائها ، وكان من ضحاياها العالم الكبير إنطوان لورنت لافوازيين (A.L. La-voisier)

وحينما سقطت المقصة وتدرح رأس لافوازييه ، ساد الهرج والمرج بين الناس وتساءلوا كيف تعدم الثورة مثل هذا العالم الفذ ؟

وهل بإمكان فرنسا هذه الامة العظيمة ان تضحي بخبرة أبنائها وعباقرتها وعلمائها ؟ لكن جواب روبسبير خطيب الثورة الفرنسية كان مختصراً وحاسماً .. "نحن لم نعد بحاجة للعلماء" والآن من هو لافوازييه ؟

كان لافوازييه عالماً فذاً ومديراً للأكاديمية الفرنسية وعضواً في العديد من اللجان العلمية .. وباختصار كان أفضل علماء الكيمياء في عصره .  ولد لافوازييه في باريس عام 1743 ، والتحق بكلية مازارين الشهيرة وهو في الحادية عشرة من عمره . 

 

وفي سن السابعة عشر التحق بكلية الحقوق ودرس القانون وحصل على الدكتوراة في القانون وهو في الحادية والعشرين من العمر .  لكنه وجد القانون مملاً واستهواه العلم وبخاصة علم الكيمياء . 

وقام بتجهيز مختبر في منزله حيث قام بإجراء تجاربه دون كلل أو ملل ، وبدأ في تفحص كل ما كتب في مجال الكيمياء وقام بإجراء القياس على كل ما تمكن من قياسه ، وكان يجمع بياناته وملاحظاته ، واشتهر بحذقة في جميع البيانات ودقته في إجراء التجارب . 

وخلال عمله لم تعجبه دقة الموازين المتوافرة آنذاك ، فأوصى أبرع الميكانيكيين بصناعة ميزان خاص به غاية في الدقة . 

 

وقد فسر توجهه للدقة بقوله .. " لما كان تحديد وزن المواد قبل التجربة وبعدها هو الاساس للحصول على كل ما هو مفيد ودقيق في مجال الكيمياء ، فليس هناك حدود لدرجة الدقة المطلوبة في هذا المجال".

وبإدخاله مبدأ دقة الوزن والقياس في مجال علم الكيمياء آنذاك ، القى ظلالاً من الشك على نظرية كانت تسود أوروبا حينذاك وتشكل أساس علم المواد . 

وكانت تلك النظرية من وضع جورج أرنست شتال (G.A. Stahl)  ، الأستاذ بجامعة هال عام 1697 .  بحسب نظرية شتال ، فعندما يتم الاحتراق تنطلق مادة غير مرئية اسماها "فلوجستون".  وكان يقال إن الفلوجستون له خواص تشبه الكبريت ، لكنه غير محسوس ولا يمكن وزنه . 

 

وكان يقال بحسب تلك النظرية إن الفحم الذي له قابلية عالية للاحتراق يحتوي على كم كبير من الفلوجستون بينما الحجارة التي لا تحترق لا تحتوي على هذه المادة .

وعلى الرغم من انتشار هذه النظرية إلا أنها كانت تعاني من بعض نقاط الضعف .  وكان البعض يتساءل .. لماذا يزداد وزن الحديد بعد تحميته ؟ إذ من المفروض أن ينطلق منه الفلوجستون بالتسخين ويصبح أقل وزناً .  لكن أنصار النظرية كانوا يجيبون بأن الفلوجستون له وزن سلبي أيضاً .

لكن مثل هذا الجواب لم يكن ليقنع عالماً مثل لافوازييه ، وفي 20 من نوفمبر عام  1772، كان قد بلغ الثلاثين من عمره ، قدم ظرفاً مختوماً يحتوي على بحث مطول إلى أكاديمية باريس ، حيث كان عضواً فيها . 

وفي هذا البحث قدم نظرية من عنده ، لم تكن معروفة آنذاك ، ومفادها "عندما تحترق المادة ، لا ينطلق منها أي شيء ، لكنها ترتبط بذلك الشيء الذي يسبب الاحتراق " ولكن من أين تأتي المادة التي تحترق .. وكان الجواب من الهواء .  لكن الهواء حينذاك كان يعدّ مثله مثل النار والماء والأرض ، واحداً من العناصر غير المرئية التي تكون منها عالمنا الذي نعيش فيه . 

 

من هنا بدأ لافوازييه في أبحاثه على الهواء ، وقام بإجراء تجاربه ليلاً ونهاراً ، والاتصال بكل من يعرفهم من علماء عصره وبخاصة الإنجليزي جوزيف بريستلي (J. priestley) والالماني كارل ويلهلم شيلي (K.W.Shilly)

وكان كل من هذين العالمين قد اكتشف أن هناك غازاً يسرع بعملية الاشتعال ، ولكن ارتباطهما بنظرية الفلوجستون جعلهما يعدان هذا الغاز "هواء منزوع الفلوجستون" أو "هواء النار" .

وبعد أن قضى لافوازييه ثلاثة أعوام من البحث والتجربة ، القى بعض الضوء على هذه المشكلة قائلاً بأن "هواء النار" هو جزء من الهواء الذي نتنفس ، وهو المادة التي إذا ما سخنت تتحدد مع الكبريت والفسفور والحديد والزنك ، والتي أسماها الأكسجين .

 

وفي 24 من ابريل من عام 1775 كتب لافوزييه أول تقرير عن نظريته حول احتراق الأكسجين ، وقدمه إلى الأكاديمية الفرنسية .  وفي هذا التقرير هدم لافوازييه نظرية شتال الشائعة حول الفلوجستون ، وأوضح بأن عملية الاحتراق هي عملية اتحاد مع الأكسجين . 

وهكذا تعاونت نظرية الفلوجستون التي سيطرت على العقول وأعاقت تقدم العلم لما يزيد عن قرن من الزمان .  وأثنت الأوساط العلمية على نظرية لافوزاييه واصحبت باريس فجأة "مكة" الكيميائيين التي يحجون إليها . 

وقدما لعلماء من سائر أنحاء أوروبا لزيارة مختبر لافوازييه والتعرف على ابحاثه في مجالات تخمر الكحول والتنفس التي اعتبرها عمليات كيميائية ووصفها بأنها " احتراق بلا لهب" . 

 

وشاهد ضيوف لافوزاييه في مختبره التفاعل الشديد بين الهيدروجين والأكسجين والذي ينتج عنه "ماء صنعي" وأظهر أن غذاءنا يتكون أساساً من الكربون والهيدروجين اللذين يحترقان في الجسم ليزودانا بالطاقة . 

ومن ناحية اخرى كانت خاتمة تجاربه قيامه "بتبخير" قطعة من الماس بتسليط الاشعة عليها عبر عدسة قوية .  وكان هذا إثباتاً بأن الماس لا يحتوي سوى على شيء من الكربون فائق النقاوة .

وأحس لافوازييه (Lavoisier) أن من واجبه أن يبتكر للكيمياء لغة مميزة على شكل مسميات جديدة .  وفي هذا الإطار تكونت لجنة خاصة كانت وظيفتها دراسة اسماء المواد والرموز الكيميائية وتعديلها ، تلك التي بقيت دون تغيير من عهود الكيميائيين القدامى . 

وفي هذا المجال اوضح لافوازييه " لقد حان الوقت بالنسبة للكيمياء أن تكسر قيودها وأغلالها وأن تبدأ روح التحليل الجديدة " .  وهكذا سميت كل المركبات الكيميائية بحسب العناصر المكونة لها .

 

في إبريل عام 1787 نشر لافوازييه بالتعاون مع بيروتوليت (Berthollet) وفوركروي (Forcroy) "طرق التسمية الكيميائية" والتي اشتملت على التوضيح التالي " لقد أعطينا هواء الحياة اسم الأكسجين لأنه يحول المواد إلى أحماض عند الاحتراق ، والهواء القابل للاحتراق هو الهيدروجين لأنه يكون الماء عند اتحاده مع الأكسجين وسيطلق اسم النتروجين على الآزوت لأنه لا ينفع حياة الحيوانات وبالتالي فهو عنصر ضار ". 

وقد سمي زيت الزاج بحمض الكبريت ، والهواء المثبت اطلق عليه ثنائي أكسيد الكربون، والكلس (نفايات المعادن) سمى الأكسيد . 

ولأول مرة تم التفريق بين العناصر الكيميائية والمركبات الكيميائية ، ولأول مرة أيضاً وضع تعريف للأحماض والقواعد (الأسس) والأملاح .

 

وهكذا ولدت نظرية كيميائية عامة جديدة ، وهي نظرية لها القدرة على تفسير الظواهر القديمة والتنبؤ بتفاعلات جديدة وبشكل كمي . 

وولت بذلك أيام الكيمياء القديمة باسرارها وخزعبلاتها ، وفتح الباب على مصراعيه لبزوغ عهد جديد للكيمياء .

هذا هو لافوزاييه .  وهذه إنجازاته ، ولو قدر له أن يعيش لقدم المزيد لفرنسا وللعالم أجمع ،

لكن مقصلة روبسبير (Robespierre) انهت حياته ، وتدحرج راسه في إحدى ساحات باريس بتهمة العمالة للعهد الملكي وتعاونه مع الملك لويس السادس عشر .