شخصيّات

نبذة عن حياة فيلسوف الإسلام “الكندي”

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الرابع عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الفيلسوف الكندي شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

الكِنْدِيُّ هو أَبو يوسُفَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ الكِنْدِيُّ. وُلِدَ في مدينةِ البَصْرَةِ، وقيلِ في مدينةِ الكُوفَةِ.

وكانَ أبوهُ إِسْحاقُ بنُ الصَّبَاحِ أميراً علَى الكوفَةِ في عَهْدِ الخليفَةِ المَهْدِيِّ المُتَوَفَّى سنةَ 169هـ، ثمَّ في عَهْدِ هارونَ الرَّشيدِ المُتَوَفَّى سَنَةَ 193هـ. وكانَ أجدادُهُ مِنْ أُمَراءِ كِنْدَةَ في بلادِ حَضْرَمَوْتِ في اليَمَنِ في العَصْرِ الجاهِليِّ.

ولم يذكر المُؤَرِّخونَ العَرَبُ تاريخَ ميلادِ الكِنْدِيِّ، ولا تاريخَ وفاتِهِ علَى وَجْهِ الدَّقَّةِ. ولِذَلِكَ اخْتَلَف الباحثونَ في تاريخِ الفِلْسَفَةِ في تاريخِ ميلادِهِ ووفاتِهِ.

 

ورَجَّحَ أكثرُهُم أنْ يكونَ ميلادُ الكندِيِّ في العَقْدِ الأَخيرِ مِنَ القرْنِ الثانِي الهِجْرِيِّ، ووفاتُه في حدودِ سَنَةِ 260هـ (873م).

واشْتَهَرَ الكِنْدِيُّ في عَصْرِ المَأْمُونِ، واتَّخَذَه الخليفةُ المُعْتَصِمُ مُعَلِّماً لابْنِه أَحْمَدَ ولُقِّبَ بفيلسوفِ العَرَبِ، وذاعَ صِيْتُه بينَ النَّاسِ، فَكَثُرَ حُسَّادُهُ والمتآمرونَ عَلَيْه.

وكانَ من خُصومِهِ الأَخَوَانِ اَحْمَدُ ومحمودٌ ابْنا مُوسَى بِن شاكِرٍ، فَوَشَيَا به عِنْدَ المُتَوَكِّلِ، فأَمَرَ بِضَرْبِهِ، وأَخَذَ ابْنا موسَى بنِ شاكرٍ مَكْتَبَتَهُ، ولكنَّ الكِنْدِيَّ اسْتَرَدَّها فيما بَعْدُ.

 

أَلَّفَ الكِنْدِيُّ في الكثيرِ منَ العلومِ السَّائِدَةِ في عَصْرِهِ. فكَتَبَ في الفَلْسَفَةِ، والمَنْطِقِ، وعِلْمِ النَّفْسِ، والموسيقَى، والهَنْدَسة، والفَلَكِ، وزَادَتْ كُتُبُه ورَسائِلُه علَى المِئَتَيْنِ، ذَكَرَ أكْثَرَها ابنُ النًّديمِ في كتابِهِ «الفِهْرِسْتِ».

وقَدْ نَشَرَ بعضُ العلماءِ مِنَ العَرَبِ والمُسْتَشْرقينَ عدداً مِنْ مُؤَلَّفاتِهِ، ومازالَ بعضُها محفوظاً ينتظرُ مَنْ يَتَوَلَّى دِراسَتَهُ ونَشْرَهُ.

واهْتَمَّ الكِنْدِيُّ بنَقْلِ فَلْسَفَةِ اليونانِ إلَى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَتَرْجَمَ عدداً مِنَ مُؤلّفاتِ أرِسْطُو، وفَسَّرَ في كُتُبِهِ الكثيرَ مِنَ المُشْكِلاتِ الفَلْسَفِيَّةِ، ولَخَّصَ الصَّعْبَ، وأَوْضَح العَويص. وقيلَ إنَّه كانَ يُتْقِنُ إِحْدَى اللُّغَتَيْن اليونانِيَّةِ أو السّريانِيَّةِ. وكانَ علَى مَعْرِفَةِ بعلومِ الفُرْسِ والهنودِ والإغْريقِ.

 

وقَدْ عَدَّه «كارادَفو» – وهو أَحَدُ عُلَماءِ إيطالْيا في القَرْنِ السَّادِسَ عَشَر – مِنْ الإثْنَيْ عَشَرَ عَبْقَرِياً، الّذينَ هُم مِنْ أَهْلِ الطَّرازِ الأَوَّلِ في الذَّكاءِ والعِلْمِ، ولم يَخْرُجْ للنَّاسِ مِثلُهم مُنْذُ بِدايَةِ العالَمِ إلَى نِهايَةِ القَرْنِ الثَّالِثَ عَشَر الميلادِيِّ.

ويُعَدُّ الكِنْدِيُّ في نَظَرِ كثيرِ مِنَ الباحثينَ أَوَّلَ فلاسَفَةِ الإسلام. وهو الّذي عَمِلَ علَى شَرْحِ المعانِي الفَلْسَفِيَّةِ في ألفاظٍ عَرَبِيَّةٍ دقيقَةٍ.

وتقومُ فَلْسَفَتُهُ علَى أساسٍ رياضِيٍّ. فعَالِمُ الفَلْسَفَةِ في رِأْيه يجبُ أنْ يكونَ عالِماً في الرِّياضياتِ وكانَ لِذَلِكَ يُطَبِّقُ المَنْهَجَ الرِّياضِيَّ في المَسائِلِ الفَلْسَفِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ والطِّبِّيَّةِ.

 

ولكنَّ شَهْرَةَ الفَيلَسوفَيْن العَرَبِيَّيْن ابن سِينا والفارابيِّ قَدْ فاقَتْ شُهْرَةَ الكِنْدِيِّ، حتَّى ظنَّ كثيرٌ من الباحثينَ في الفَلْسَفَةِ – ومِنْهم الغَزالِيُّ – أنَّ ابنَ سينا والفارابيَّ هُما اللَّذانِ قَاما بِشَرْحِ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ اليونانِيَّةِ، مَعَ أنَّ كثيراً من آراءِ هَذَيْن الفيلسوفَيْن مأخوذةٌ من أقوالِ الكِنْدِيِّ، فهو المُؤَسِّسُ الأَوَّلُ لِصَرْحِ الفَلْسَفَةِ العَرَبِيَّةِ، ولولاهُ ما راجَتْ الفَلْسَفَةُ في بلادِ المُسلمينَ.

وكانَ الكِنْدِيُّ شديدَ التَّقدير لِلْعَقْلِ، فهو يَرَى أنَّ مَرَدَّ الأَشياءِ كلِّها إِلَيْه. فالمادَّةُ لا تُتَصَوَّرُ إلاَّ بالصُّورَةِ الّتي تفيضُ عَلَيْها مِنَ العَقْلِ، والنَّفْسُ في المَرْتَبَةِ الوُسْطَى بينَ العَقْلِ الإلَهِيِّ والعالَمِ المادِيِّ، فهي فَيْضٌ مِنَ النَّفْسِ الكَوْنِيَّةِ، هَبَطَتْ مِنْ عالَمِ العَقْلِ إلَى عالَمِ الحِسِّ، ولا يَقَرُّ لها قَرارٌ حتَّى تعودَ إلَى عالَمِ العَقْلِ، وتعيشَ فيه بديمومةٍ مُستَقِرَّةٍ.

 

أمَّا المَعْرِفَةُ عِنْدَ الكِنْدِيِّ فَلَها طريقانِ: أحَدُهما طريقُ العَقْلِ، والآخرُ طريقُ الوَحْيِ. وهذان الطَّريقانِ يُوصلانِ إلَى حقيقةٍ واحِدَةٍ. وهو بهذا يحاوِلُ التَّوفيقَ بينَ الحقائِق الّتي يصلُ إلَيْها الإنْسانُ عَنْ طريقِ النَّظَرِ العَقْلِيِّ، والحقائِقِ الّتي يأتِي بِهَا الوَحْيُ.

ولِلْكِنْدِيِّ أقوالٌ في الحِكْمَةِ نَجِدُها في بَعْضِ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ، ومِنْها قولُه، رَحِمَهُ اللهُ: «العَاقِلُ يَظُنُّ أنَّ فَوْقَ عِلْمِهِ عِلْماً، فهو أَبَداً يتواضَعُ لِتِلْكَ الزِّيادَةِ. والجاهِلُ يَظُنُّ أَنَّه قَدْ تَناهَى فَتَمْقَتهُ النُّفوسُ لِذَلِكَ».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق