شخصيّات

نبذة عن حياة العالم “هِنري موزلِي”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

العالم هنري موزلي شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

لقد قلتها يا ابن سينا: إن البعض يفضلونها قصيرة وعريضة، وها هي ذي أقصر ما تكون وأعرض، تلك حياة عالمنا…

وإذا كان من نصيب بعض الناس أن يقوموا في حداثتهم بعملٍ خطيرٍ ثم سرعان ما ينهصر غصن حياتهم الرَّطب في كارثة.

فهذه هي سيرة موزلي (شكل رقم 67)، الذي بلغ مدى حياته العلمية سنواتٍ أربعاً فقط، أخرج في أثنائها ما أدهش الثقاة. وقبل أن يذيع اسمه وتُدرك قيمة مباحثه حق الإدراك واراه التراب شهيد وطنيته.

 

درَّةٌ… في عقد النبوغ

ولد موزلي في عام 1887 وكان أبوه، هنري نتدج موزلي أستاذ علم التشريح المقارن بأكسفورد، مشهور بقوته البدنية ومقدرته على تحمل أعباء التعبين الجسدي والعقلي.

فأجهد نفسه كثيراً في البحث فأصيب بتصلب الشرايين ومات قبل أن يبلغ ابنه الخامسة عام (1891). فنشأ الفتى تكفله أمه نشأة جديرة ببيت العلم الذي ولد فيه.

ولما بلغ الثالثة عشرة تمكن من دخول مدرسة إيتن، وكانت حياته فيها حياة فتى إنجليزي سليم العقل والجسم.

وكان ميله إلى الرياضيات بالذات قد تبدَّى وهو في التاسعة، لذا لما امتحن ثبت أنه يعرف مبادئ علم الجبر مع أنه لم يتعلمه قط!. والظاهر أنه كان يجلس في حداثته يعد دروسه الخاصة، إذ كانت أختاه الكبيرتان تتعلَّمان على الجبر فتعلم هو منهما أصوله من غير قصد!. وبالطبع كان نبوغه هذا في الرياضيات ذا أثرٍ كبيرٍ في نجاح مباحثه الطبيعية من بعد.

مضت سنوات خمس وهو يدرس في إيتن، بعدها دخل فتانا كلية ترنتي في أكسفورد للتوفر على دراسة العلوم الطبيعية.

وكان ذا عقلٍ ألمعي، متعدِّد الجوانب، إذ أنه قبل دخوله أكسفورد كان قد تفوق في دراسة الآداب القديمة. وربما لم يكن ذلك جديدا عليه، فيبدو أن أسرة أبيه وأسرة أمه كانتا مشهورتين بذكاء أفرادهما وتفوقهم العقلي.

فجده لأبيه كان عالماً رياضياً طبيعياً وفلكياً مشهوراً، وجده لأمه كان متفوقاً في علم البحار، وأخته الكبرى نبغت في علوم الأحياء. وقبيل تخرج موزلي من أكسفورد كان قد أسرَّ في نفسه أمرا.

 

لا … لن أكون محاضراً

صمَّم الشاب على أن يقف حياته على البحث العلمي. فزار رذرفورد في جامعة مانشستر قبل تخرجه من أكسفورد، ووجد في هذا المعلم الممتاز مثلا مجسَّداً نادراً للباحث العلمي المطبوع.

واقترح عليه الأستاذ أن ينضم إليه في بحث ظواهر الإشعاع، فطار موزلي فرحاً وقفل عائداً إلى بيته ومسألة البحث العلمي تحت إشراف رذرفورد تستهويه من بعيد، تراود أحلامه وتدغدغ فكره وكيانه.

ولما كان التخرج من أكسفورد بعد عام، وما إن حضر احتفال الجامعة وتسلَّم شهادته منها، حتى حزم أمتعته قاصداً معمل رذرفورد في مانشستر، فوجد في مباحثه من اللذة ما حمله على اعتزال منصب المحاضر الذي عُرض عليه في جامعة أكسفورد، لكي ينفق كل دقيقة من وقته فيما جذبه إليه واستهواه.

 

مباحث علمية…دقيقة

كان من حظ موزلي أن تمرَّن على البحث العلمي تحت إشراف العلَّامة رذرفورد. فلما جاء إليه من أكسفورد بيَّن له الأستاذ نوع البحث الذي ينبغي أن ينصرف إليه أولا، وهو إحصاء عدد الإلكترونات (الكهارب) التي تنطلق من ذرات الراديوم في أثناء انحلاله فكان عند حسن ظن معلمه به.

ففي اجتماع الجمعية الملكية الذي عقد في السنة التالية أعلن أن كل ذرة من الراديوم تطلق ما متوسطة إلكترون واحد قبل انحلالها. وكان السير وليم كروكس (الشكل رقم 68) الكيميائي الفذ جالساً في مقعد الرئاسة، فأصغى إلى العالم الشاب مشدوهاً، ولما ختم كلامه هنَّأه الرئيس على براعته في توضيح موضوع عويص كهذا الموضوع .

وتلك مسألة علمية دقيقة أخرى. إنه يحاول فيها تعيين مدى الحياة لأحد منبعثات عنصر الأكتينيوم، وهو عنصر مشع ومدى حياة منبعثاته جد قصير. إذن لا بد من استحداث أدوات للقياس تكون هي أيضا جد دقيقة وجد حساسة.

 

وقد فاز في هذا الشأن، بمشاركة فايانس البولوني الذي شغل منصب أستاذ الكيمياء فيما بعد في جامعة ميونخ بألمانيا. وقد أثبتا أن متوسط مدى الحياة لذلك المنبعث الأكتينيومي الخاص إنما هو…. ماذا؟ جزء من خمسمائة جزء من الثانية!.

ومسألة علمية دقيقة ثالثة. هل ثمة حدٍ لقوة الشحنة الكهربائية في جسمٍ معزولٍ محتوٍ على الراديوم ذلك أن الراديوم يمضي في إطلاق الكترونات، شحنات الكهرباء السالبة، فتزداد بذلك شحنة كهربائه الموجبة. فهل ثمة حدٍ لقوة هذه الشحنة الموجبة؟ .

ثبت لموزلي – بعد طول جهد- أن الراديوم بفقده المتوالي لطائفة من إلكتروناته يصبح ضغطه الكهربائي – أي الفرق بين قوة الشحنة الموجبة وقوة الشحنة السالبة فيه – مائة ألف فولت، وأن هذا الضغط ماضٍ في ازدياد حتى يتوقف انبعاث الإلكترونات منه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق