شخصيّات

نبذة عن حياة العالم “أنطوان لافوازيَيه”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

أنطوان لافوازيَيه حياة العالم لافوزاييه شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

إذا قمت تبحث عن أبٍ للكيمياء الحديثة ، شرعٍّي غير دعيٍّ، جنَّبناك مشقة البحث وقلنا : لافوازييه ( شكل رقم 220 ).

بيد أن هذا النعت لا يعكس سوى جزء من حياته جد صغير. فلو أن عالمنا لم يقم في حياته بتجربةٍ كيميائيةٍ واحدة لاستحق أيضاً ما له من مكانة في التاريخ ، فنشاطاته متعدِّدة وفعالياته متنوعة .

وإذا كان هو الرائد في الكيمياء فهو السبَّاق أيضا في الفسيولوجيا والتكنولوجيا والزراعة العلمية، وهو البارز في عصره في الاقتصاد والتعليم والتنظيم الحكومي .

ويقصر لسان التاريخ أو يعجز عن أن يُحدِّثنا إلا عن عددٍ جد ضئيل من مثل ذلك الفرنسي النابغة الذي أحاط بكل ما تقدَّم من جنبات الحياة ومجالاتها.

حقاً إن لافوازييه ليعدُ عالما من الكيميائيين، وسياسياً من الثائرين، واجتماعياً من المصلحين، واقتصادياً من الثقات الواثقين، وزراعياً من الزُّراع المبدعين .

 

حفيد ….  السَّائس !

ولد أنطوان في باريس يوم 26 أغسطس عام 1743 وكان الابن الوحيد لوالدين مقتدرين .

ماتت أمه وهو صغير فكفله أبوه وعمته العانس . وكان يتمتع بنعمة العبقرية ، ولكنه قاسي من لعنة الثراء .

فقد قادته عبقريته إلى المجد وقاده ثراؤه إلى الموت . وكان أسلافه قد ارتقوا من الحضيض الأوهد إلى قمة السؤدد ، ذلك أن جد جده لأبيه كان سائساً في الاصطبلات الملكية ، أما والده فكان مُشرِّعاً قانونياً للبرلمان الفرنسي .

 

وقد اعد انطوان الشاب نفسه للمحاماة مثل والده، على أن اهتمامه كان يتجه صوب العلم . فكان يُفضِّل البحث والتنقيب على الدفع والتقاضي.

وقد بلغ من استغراقه في تجاربه العملية أنه كان حتى وهو طالب صغير قد ابتعد بنفسه تماماً عن اللهو الطائش الذي ينغمس فيه أترابه ، وكان يعتذر عن المشاركات الاجتماعية بدعوى أنه معتل الصحة ولم يكن العذر محض حجة ، فقد كان يعاني بالفعل من سوء الهضم المزمن؛ لذا كانت الشهور تمر وليس له من دون اللبن غذاء ! .

ونصحه أصدقاؤه أن يُقلِّل من العمل ويزيد من التريض ، حتى قال له أحدهم : "لأن يزداد عمرك سنة أخرى فوق الأرض خيرٌ لك من أن تعيش مائة مثلها في ذاكرة التاريخ!" . ووافق أنطوان على أن يمد فترة حياته فوق الأرض قليلاً ! .

 

في صحبة …. جيتار

ومن جيتار ؟ إنه المعلم الأول للافوازييه . بناءً على تلك الموافقة، قبل أنطوان عرضاً يمكنه من أن يجمع بين العمل والتريُّض .

فقد دعاه الجيولوجي الشهير جان جيتار إلى المساهمة في إنشاء أطلس تعديني لفرنسا، وكان ذلك يعني فرصة للسفر والتنقل . وكان أنطوان مشوقاً بالفعل لاقتناص تلك الفرصة.

وشد الرَّحال مع جيتار إلى جبال الفوج في صيف عام 1767 . كان في جيبه مالٌ وفير وتحته جوادٌ أصيل ويتبعه خادمٌ أمين ويقوده عالم كبير ، وأمامه كتاب الطبيعة مفتوحٌ لمن يريد أن يقرأ السطور وما بين السطور . كانت أولى مغامراته في طريق العلم المسحور .

 

وكان الاستاذ الشيخ ، الحاد المزاج، يتصرَّف مع الفتى مساعده برقَّة الأب الصارمة ، كان يُرَدِّد : " إن أنطوان لا يتمتع برجاحة العقل فحسب ، بل وبالشخصية القوية أيضا " .

وكانت طبيعة الفتى الحسَّاسة والمهذَّبة تجعله يُقدّر عطف استاذه ورقَّته اللذين تخضبهما الشدة والصرامة .

وقد استفاد فتانا من صحبة جيتار فائدة ظاهرة ، كانت له السند والمدد في حياته الآتية . فقد أكسب الأستاذ تلميذه صلابة في عوده وحكمة في سلوكه وشباباً في أفكاره – وكان يكمن وراء كل ذلك عملٌ كبير .

 

كان على أنطوان أن يصحو كل يوم مبكراً لينجز أعمالاً كثيرة هو مكلفٌ بها : يراجع قراءات الترمومترات والبارومترات، ويُسجِّل طبيعة التربة، ويعيِّين حدود الأرض ، ويُحلِّل مياه الأنهار والبحيرات، ويزور المناجم والمصانع ، ويجمع العيِّنات ويصنِّفها ويُعلِّق عليها .

وفي المقابل، ومن بعيد، كان هناك صوتٌ قلقٌ ، صوت عمته التي تولول عليه قائلةٌ : " إن هذا الغلام الأحمق سيقتل نفسه من الإجهاد " . وهي معذورة ، فقد كانت في محل أمه ،  ترعاه رعايتها لوعاءٍ هشٍّ من خزفٍ ثمين ! " . وانتهت الرحلة، والصحبة، وقد حسَّن العمل صحة أنطوان بدل أن يقتله .

 

العمل الجاد … والزواج الميمون

أكبَّ أنطوان على البحث بشغف ونهم – ألم يتدرب عليه في صبحته لجيتار؟.

كان يقضي يوماً كاملاً في معمله كل أسبوع لا يبرح ولا يغادر ، فضلاً عن أنه كان يعمل في فرنه الكيميائي ست ساعات كل يوم، من السادسة إلى التاسعة صباحاً ومن السابعة إلى العاشرة مساءً . وما كان يبيح لنفسه التوسعة في الطعام، بل كان غذاؤه اللبن والخبز.

ونصحه أصدقاؤه وسألوه التخفيف ، ولكنه كان مدفوعاً نحو العمل دفعاً يجعله لا يفكر في حاضرٍ أو مستقبلٍ . والتاريخ لا يُهمل، طال الزمن ما طال ، من مات فداء للعلم والحقيقة . ومن يجهل عالمنا اليوم من طلاب الكيمياء؟!.

ما أن أشرف فتانا على الخامسة والعشرين حتى كانت رسائله العلمية قد عرفت طريقها إلى أكاديمية العلوم ، وكانت متباينة : من التنويم المغناطيسي ، إلى صنع كراسيِّ للمرضى ، إلى استحداث أساليب لإنارة باريس.

 

وما لبث أن نال ما هو جدير به من مقام إذ انتخب عضواً في ذلك المجمع العتيد – أكاديمية العلوم.

وفي خلال ذلك تعرَّف برجلٍ يُدعى بولز من الأشراف، فكان يثوب إلى بيته حيثُ يخالط أكابر الرجال من مثل : لابلاس الفلكي الشهير، وفرانكلين العالم والسياسي الأمريكي الكبير، وترجو الاقتصادي الفرنسي القدير ، وكندورسة الرياضي الفذ وصاحب الإنتاج الأدبي الغزير .

وما لبث أن تعرَّف إلى ابنة بولز ، مال الهوى نحوها فأحبته وأحبها ،  من بَعْد تزوَّجا . وأصابا في الزواج نعمة مكَّنت أنطوان من متابعة بحوثه العلمية . ويُبيِّن شكل رقم (221) لافوازييه وزوجه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق