شخصيّات

نبذة عن حياة العالم “أبو بكر الرازي”

1999 موسوعة الكويت العلمية الجزء العاشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العالم أبو بكر الرازي شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

هو أبو بكرٍ محمدٌ بنُ زكريّا الرازي. وُلِدَ في مدينةِ الرَّي بِخُراسان، وهي الآنَ في إيرانَ بالقُرْبِ من طَهْران، ومنها أخَذَ لقبَهُ (الرازي).

وكانت ولادَتُه حوالَيْ عامَ 235هـــ ووفاتُه حوالي عام 320هــ (850-932م).

وكعادَةِ عُلماءِ العربِ في ذلك العصْرِ كان الرّازيُّ مَوْسُوعيَّ المعرفة. فقْد دَرَسَ الفلْسَفَةَ، والْفَلَكَ، والكمْياءَ، والموسيقى. وثبت ذلك من مُؤلفاتِهِ العديدةِ في تلكَ العلوم.

 

أما الطِّبُّ فقدْ درسَهُ وهو في العَقْدِ الرَّابع من عُمْرِه؛ وكانت دراسَتُه على يَدِ عليّ بنِ ربن الطَّبَري صاحبِ كتابِ «فِرْدوس الحكمة». وما لَبِثَ أن غَلَبَتْ على نشاطِهِ الفِكْري عُلُومُ الطبِّ فأصبحَ – بحقٍّ – طبيبَ العَرَبِ الأوَّلَ.

وقد اطَّلَعَ الرَّازيُّ على مُعْظَمِ ما كتَبَهُ السابِقون من الأطبّاءِ وبخاصَّةٍ الإغريقُ منهم، فحفِظَ لهم الجميلَ وكرّمَهُمْ أعظمَ تَكْريم. فهُوَ لا يذكُرُ جالينوسَ إلا بقَوْلِهِ «الفاضِلُ جالينوس»، أمّا ابقْراط فهو عنْدَهُ «الحكيمُ أَبقْراط».

لكنَّ هذا التكريمَ والاحْتِرامَ لم يُؤَدِّ به إلى الانْبِهارِ بعلْمِهِم، فَأَعْطى لملحوظاتِهِ الدقيقةِ قدراً عظيماً، كما أَنَّهُ قامَ ببعضِ الدراساتِ التجريبية بقدرِ ما سمحتْ به ظروفه.

 

وقد أدّى به ذلك إلى مَداخِلَ جديدةٍ في الفَحْصِ والعلاجِ. وكانَ يسردُ ما قالَهُ الأولون، ثمَّ يَبْدَأُ في ذكر ملحوظاتِهِ وتجاربِهِ بقولة «لي» في تواضعٍ محمودٍ.

وكانت شهيةُ الرّازي للعِلْم قويةً، فلم يَكْتَفِ بما قَرَأَ من أقوالِ الأَقْدَمين، بَلْ أضافَ إليهِ كُلَّ ما وَصَلَ إلى عَلْمِهِ من ممارساتٍ مُعاصِرَةٍ، إلى درجة أنَّهُ ذَكَرَ ما أَخَذَهُ عن بعضِ النِّساءِ في عِلاجِ الجُدَريّ وغيرهِ ما دامِ يختبرُهُ بالممارَسَةِ والتَّجْرِبَة، فكأَنَّما كانَ مَثالاً لِمَنْ يسْتَمعون القولَ فيتَّبِعونَ أَحْسَنَه.

وتميَّزَ الرَّأزي بدقَّتِهِ الفائقَةِ في الملاحَظَةِ ووَصْفِ ما يُقابِلُهُ من الحالات، وما يَصِلُ إلى عِلْمِهِ مِنْ أَعْراضِ الأمراضِ، وما تَوَصَّلَ إليهِ من عَلاماتٍ مَرَضِيَّةٍ لم يَسْبِقْهُ إليها أحدٌ.

 

وبهذا كانَ كتابَهُ الأعْظَمُ «الحاوي» كِتاباً طبياً من الطِّرازِ الأوَّلِ، بِهِ الكثيرُ جداً من الإضافاتِ الجديدةِ الدَّقيقَةِ التي تَتَّفِقُ تَماماً مَعَ العِلْمِ الحَديث.

أمّا تَمَيُّزُ الرّازي الذي اعْتَرَفَ بهِ كُلُّ العاملينَ في مَجالِ الطَّبِّ حتَّى يومِنا هذا، فَهُوَ وَصْفُهُ غيرُ المسبُوق لمرَضَيْ الجُدَري والحَصْبةِ، فقد كانا يُعدّان مُجرّدَ مثَلَيْنْ للحمَّيات التي كانَت تُصنَّفُ، في غَيْبَةِ العلم، بأسبابها ومدتها وطُرُق بدايتها ونهايتها ونحو ذلك.

إلاّ أنّ الرّازي بيّنَ أنَّ الجدري والحصبة مرَضان مُختلفان يتميَّزُ كلٌّ منهما بأعراضِ وأوصافٍ خاصّةٍ، حدّدها الرّازي بدقّةٍ بالغة.

 

وبِمثْلِ هذا التميُّز نَجِدُ وَصْفَ الرّازي للدُّودة الطُّفَيْليَّة المسماة بـ «العِرْق المَدَني» وهي تُصيبُ الجلدَ وتَخْتَفي تَحْتَهُ في الأنسِجةِ الرِّخْوَةِ، (وقد اكْتَسَبَتْ اسمَها نِسْبَةً إلى «المدينة المنوَّرَة»).

وقد وَصَفَ الرّازيُّ عِلاجَها فقالَ إنَّ طَرَفَ الدودة يعلَّقُ برصاصَةٍ ثمَّ تُلَفُّ الدودَةُ عليها بِبطْءٍ، وَحَذَرٍ لئلاً تُقْطَع، ويستمرُّ ذلك إلى أن تَخرُجَ عن آخرِها. وهذه هي الطريقةُ المستخدَمَةُ حالياً.

وكانَ الرّازيُّ ايضاً معلماً ممتازاً للطِّبِّ. فقد اتَّبَعَ طريقَةَ الملاحظَةِ والمناقَشَةِ في تعليمِ الطَّلَبَةِ لِلطِّبِّ، وكان مجلسُهُ يتكوَّنُ من الطلبةَ الذين يُحيطونَ به بحيثُ يكونُ أَحْدَثُ الطلبةِ في الدائِرَةِ الخارجيَّةِ، ثمَّ يليهمُ مَنْ هُمْ أقدمُ منهم، مجموعةً بعدَ مجموعةٍ إلى أنْ يصلوا إلى المركزِ حيثُ يوجَدُ الشَّيخُ.

 

فإذا جاءَ مريضٌ فَحَصَهُ أحدثُ الطلبةِ فإنْ كان لهُ رأيٌ فَبِها، وإلاَّ فيأتي من يليهِ في القِدَمِ، فإن كان لهذا رأيٌ أيضاً فَبِها وإلا تعدّى المريضُ حلقةً بعدَ حلقةٍ حتى يصلَ إلى الشَّيْخ. وهنا يقولُ الأستاذُ كلمتَهُ.

فهو إذنْ فصلٌ واحِدُ يتعلّمُ فيهِ الطَّلَبَةُ من الخبْرَةِ المباشِرةِ، ويتعلَّمونَ أولاً مِنْ خبرَةِ زُملائِهِم ثمَّ من شَيخهم.

وهي طريقةٌ تربويةٌ من أحْدَثِ ما عُرِفَ في التَّربية، يتخرَّجُ فيها الطَّالِبُ مُتَفَتِّحاً على الحقائقِ، مُعْتَمِداً على المُلاحَظَة، واثِقاً في نفسِه، مُسْتَفيداً من خِبْرَةِ أستاذِهِ ورِفاقِهِ في وَقْتٍ واحد.

 

أمّا في مجالِ الكيمياء فقدْ حاوَلَ الرّازيُّ تحويلَ المعادِنِ الرخيصةِ، مثلِ النُّحاسِ والرَّصاصِ، إلى ذَهَبٍ حتَّى توصَّلَ إلى مادَّةٍ جديدة ظَنَّ أَنَّها ذهَبٌ خالصٌ.

وقد كَلَّفَهُ هذا العَمَلُ مشاقَّ كثيرةَ ولَمْ يَنْجَح. لكنْ كانَ لَهُ في مجالِ الكيمياءِ اكتشافاتٌ عِلْمِيَّةٌ مُمَيَّزَةٌ مثلَ: حامضِ الكبْريتيك الذي سمّاه الزّاجَ الأخضرَ أو زيْتَ الزّاج. كذلكَ حضَّرَ مادةَ الكُحولِ لأوَّلِ مَرَّةٍ عن طَريقِ تقطيرِ بعضِ الموادِّ النَّشَويّةِ والسُّكريةِ المُتَخَمِّرَة، وأَدْخَلَ الكُحولَ في صناعَةِ الأدْوِيَةِ.

كذلكَ عملَ الرّازيُّ في حسابِ الكثافاتِ النَّوْعيَّةِ للسَّوائلِ مُسْتَخْدِماً «الميزانَ الطّبيعي»، وهو ميزانٌ خاصٌّ من ابْتِكارِهِ، كما قَسَّمَ الموادَّ الكيميائيةَ المعروفةَ في زمانِهِ إلى أربعةِ أقسامٍ هي:

(1) الموادُّ المَعْدِنيَّةُ، (2) والموادُّ النباتيَّةُ، (3) والموادُّ الحيوانيَّةُ، (4) والموادُّ المُشْتَقَّةُ.

 

كذلكَ قسَّمَ المعدنيَّات إلى مجموعاتٍ سِتْ، بِحسبِ طبائعها وصِفاتها، وكانَ لَهُ الفضْلُ في تَطْويرِ هذا العِلْمِ. ومِنْ كُتُبِهِ في الكيمياءِ «كتابُ الأسْرار»، وكتابُ «سِرِّ الأسرارِ»، ويقْصِدُ به أسرارَ عِلْمِ الكيمياء.

وكانت للرّازي كتبٌ في عِلْمِ الفلكِ أيضاً، مثلا: «كتاب هيئةِ العالَم» والذي يُثبتُ فيه كُرَويَّةَ الأرضِ وأنَّ لها قُطْبَيْن شماليّاً وجنوبيّاً تَدورُ عَليهما، وأنَّ الشَّمْسَ أعظمُ من الأرْض، والقمرَ أصغرُ منهما.

ولهُ في علم ِالحيوانِ «كتابٌ في علّة خَلقْ السِّباع والهوَّام» (أي الحيواناتِ والحشراتِ)، وله في الدِّينِ والفلسَفَةِ والإلهيَّاتِ كتابُ «العلْم الإلهيِّ»، وكتابُ «ميزانُ العقْل».

 

وقد أُصيبَ في آخرِ حياتهِ بالعَمى وكانَ يقولُ لتلاميذِهِ: إنَّني قد رأيتُ في الدُّنيا ما يكْفيني، وأصْبَحْتُ الآنَ في غِنىً عن عوْدَةِ البَصَرِ إليَّ وتكفيني بصيرتي.

ومنْ أقوالِهِ الفلسفيَّة «العقلُ أعظَمُ نِعَمِ اللهِ وأَرْفَعُها قَدْراً، إذْ بِهِ نُدْرِكُ ما حَوْلَنا. وبالْعَقْلِ اسْتَطاعَ الإنسانُ أنْ يُسَخِّر الطبيعةَ لِمنْفعَتِهِ، وبِهِ يتميَّزُ الإنسانُ على سائرِ الحيواناتِ».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق