شخصيّات

نبذة عن حياة الإمام الشافعي

2000 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الحادي عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الإمام الشافعي شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

هو أبو عبدِ اللهِ، محمدٌ بنُ إدريسَ بنِ العبّاسِ بنِ عُثمانَ بنِ شافعٍ. كانَ أبوهُ رَجُلاً من تبالَةَ (وهي بَلْدَةٌ مشهورَةٌ في أَرْضِ تِهامَةَ في طَريقِ اليَمَنِ).

وُلِدَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ يومَ الجُمْعَةِ آخرَ يومٍ من شهرِ رَجَبٍ سَنَةَ مِئَةٍ وخمسينَ هجريةٍ، بغَزَّةَ في إقليمِ عَسْقَلانَ بفِلِسْطِين، وحُمِلَ إلى مَكَّةَ وعُمْرُهُ سَنَتان.

وكان الشَّافِعيُّ مُعْتَدِلَ القَامَةِ، واضحَ الجَبْهَةِ، رقيقَ البَشَرَةِ لونُه يميلُ إلَى السُّمْرَةِ، يَخْضِبُ لِحْيَتَه بالحِنَّاءِ، حَسَنَ الصَّوتِ، جَميلَ الوَجْهِ، عَظيمَ العَقْل. رُزِقَ وَلَدَان: مُحَمَّدُ وكُنْيَتُه أبو عُثْمانَ، ومُحَمَّدُ وكُنْيَتُه أبو حَسَنَ، وبِنْتٌ اسمُها زَيْنَبُ.

 

وقد نَشَأ الإمامُ الشَّافِعِيُّ بِمَكَّةَ، وهُوَ يتيمٌ فيقولُ: «كُنْتُ يتيمًا في حِجْرِ أمِّي، ولم يَكُنْ مَعَها ما تُعْطِيهِ لِمُعَلِّم».

وكانَ المُعَلِّمُ يُلَقِّنُ الصَّبِيَّ حَتَّى حَفِظَ القُرْآنَ، وهو ابنُ سَبْعِ سنينَ. وبَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ المَسْجِدَ، وسَمِعَ مِنْ العُلَمَاءِ بِشَغَفٍ شَديدٍ، وذِهْنٍ حَادٍّ، حتَّى حَفِظَ مُوَطَّأَ الإمامِ مَالِكٍ وهو ابنُ عَشْرِ سنين.

وتَلَقَّى الفِقْهَ من شَيْخِ الحَرَمِ المَكِّيِّ: مُسْلِمٍ بنِ خالدٍ الزَّنْجِيِّ، وأَقامَ في قَبيلَةِ هُذَيْلِ سَبْعَ عَشْـرَةَ سَنَةً يأخذُ الشَّعْرَ واللُّغَةَ والأَدَبَ، وأَتْقَنَ إلى جانِبِ ذَلِكَ كُلِّه فُنونَ الشَّجاعَةِ والفراسةِ.

 

ثُمَّ خَرَجَ الشَّافِعِيُّ من مَكَّةَ إلى المَدينَةِ طالبًا العِلْمَ عِنْدَ مالِكٍ بنِ أَنَسٍ يَقْرَأُ ويَتَعَلَّمُ حتَّى تُوُفِّيَ الإمامُ مالِكٌ عامَ 179هـ، وكانَ عُمْرُ الشَّافِعِيِّ تِسْعًا وعشرين سَنَةً.

ثم رَجَع الشَّافِعِيُّ إلى مَكَّةَ. وقَدِمَ إلى مَكَّةَ والٍ علَى اليَمَن، وهو حَمَّادٌ البَرْبَرِيُّ، فَكَلَّمَهُ بَعْضُ القُرَشِيِّينَ في أنْ يَصْحَبَهُ الشَّافِعِيُّ حَتَّى يَتَلَقَّى العِلْمَ. وعَلِمَ به هَارونُ الرَّشيدُ، فصَيَّرَهُ قاضِيًا علَى اليَمَن.

وحُمِلَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ في عامِ 184هـ إلى بَغْدَادَ، وظلَّ فيها حتَّى تُوُفِّيَ محمدٌ بنُ الحَسَن، صاحِبُ أبو حنيفَةَ (الإمامُ)، سنة 189هـ، ثُمَّ عادَ إلى مَكَّةَ وكانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ في المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَأَصَّلَ الأُصُولَ ووَضَعَ القَواعِدَ، وتَعَلَّمَ منه الكثيرون.

 

وقد رُوِيَ عن إسحاقَ بنَ رَاهَوَيهِ قَال: كُنْتُ مع أَحْمد بنِ حَنْبَلِ بمَكَّةَ فَقَالَ لي: تَعَالَ حتَّى أُرِيكَ رَجُلاً لَمْ تَرَ عَيْناك مِثْلَه؛ فَأَرَانِيَ الشَّافِعِيَّ.

أَلَّفَ الشَّافِعِيُّ كتابَ «الرِّسَالَةِ» عن مَعَانِي القُرْآنِ والأُصُولِ والنَّاسِخِ والمَنْسوخِ وغَيْرِهَا. وذَهَبَ إلى الجامِعِ الغَرْبِيِّ في بَغْدادَ.

وذَهَبَ إلى مِصْرَ وعَمِلَ مُنَاظَرَاتٍ كثيرةً هُناكَ، وأَلَّفَ كتاب «الأُمّ» الذي فصَّل فيه مذهبَه، و«الحُجَّة»، وأَلَّفَ في جميعِ العُلومِ.

 

وقد اهتمَّ الشَّافِعِيُّ في كُتُبِهِ بالتأكيدِ على الاحتجاجِ بالحديثِ الشريفِ. وانتشَرَ مذهبُه في مِصْرَ والحجازِ، ثم امتدَّ إلى الشَّامِ في عهد الأيُّوبيينَ. وهو الآنَ المذهبُ الغالبُ في إندونِسيا وما يجاورها، وله أتباعٌ في كلِّ البلادِ الإسلامِيَّةِ.

ومرض الشَّافِعِيُّ وهو بمصرَ بِمَرَضِ البَواسيرِ، ولازَمَه النَّزيفُ حَتَّى أَنْهَكَهُ في أَرْبَعِ سَنَواتٍ. وسَأَلَهُ تلميذُه المُزْنِيُّ وهو في آخِرِ لَحَظَاته: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟

 

فقال الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ: «أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا راحِلاً وللإخْوانِ مُفَارِقًا، ولِكَأْسِ المَنِيَّةِ شَارِبًا، وعَلَى اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وارِدًا، ولا واللهِ ما أَدْرِي تَصيرُ رُوحِي إلى الجَنَّةِ فَأُهَنِّيَها أَمْ إلى النَّارِ فَأُعَزِّيها»، ثم بَكَى.

وتُوُفِّيَ، رضِي الله عنه، لَيْلَةَ الجُمْعَةِ آخِرَ يَومٍ من رَجَبِ سَنَةَ أَرْبَعٍ ومئتين للهِجْرَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وخمسينَ سنةً، ودُفِنَ في فُسطاطِ مِصْرَ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق