شخصيّات

نبذة عن حياة “ابن النفيس”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

حياة ابن النفيس شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

إنه بين المسلمين طبيبهم، وبين مكتشفي الحياة في مقدمتهم، كشف الكشف الصغير ولو حالفه الحظ وتقدم به خطوة لكان جبَّ بكشفه الكبير ما أتى به من بعده أحد علماء الفرنجة.

فطنطنوا له وطبَّلوا وزمَّروا، حتى ضاع في زحمة الضجيج ما كان لعالمنا من فضل، إنه ابن النفيس (شكل رقم 91)…

 

للتين قومٌ… وللجميز أقوام!

عاد الشاب الطويل النحيل علاء الدين علي بن أبي الحزم بن النفيس القرشي إلى قريته القرشية من حمص السورية بعد أن أتم فيها دراسته للفقه والحديث وعلوم اللغة العربية.

 وفرح بعودته أبواه وأقاربه وأهل حمص جميعاً، فسوف يكون عليٌّ عالمهم وفقيههم. ولكن عليَّاً بدَّد الفرحة عندما أعلن عزمه على الرحيل إلى دمشق ليدرس الطب في مستشفاها الكبير (البيمارستان النوري).

وعندما دهش والده وعارض رغبته، رد عليه ابنه: علماء الفقه واللغة يا أبتٍ في زماننا كثر، والأطباء قلة، وأنا أريد الطب لأعرف قدرة الله وأشفى عباده بإذنه.

ولما أدرك الوالد صدق ولده في عزمه، وأنه قد بلغ سن الرشد، سلَّم له بما يريد. وزوَّده بالمال، وودَّعه إلى دمشق.

 

ابن النفيس… في دمشق

ولد ابن النفيس في نحو عام 607هـ (1210م)، وكانت ولاية دمشق للسلطان العادل سيف الدين منذ عام 595هـ (1199م).

وكانت دمشق قد ورثت مجد بغداد الطبي، وازدهر فيها العلم بفضل حكامها الأيوبيين الذين كانوا يعيرون العلم عامة والطب خاصة اهتماماً كبيراً، حتى إنهم جعلوا من عاصمتهم مركزاً مهماً للعلوم والفنون، وحققوا فيها نهضة تعد الثانية في حضارة العرب.

وقد ظلت دمشق واحة هادئة وسط عالم ساده الاضطراب، تحفظ فلول العلماء في الشرق. ومن مظاهر تلك النهضة مكتبة وبيمارستان: المكتبة التي أنشأها نور الدين محمد بن زنكي واستودعها عديداً من نفائس الكتب، والبيمارستان الذي اجتذب أمهر أطباء عصره، جلهم من بغداد ومن تلاميذ الطبيب النصراني الشهير أمين الدولة بن التلميذ (شكل رقم 92) البغدادي الأصل. وقد حمل هؤلاء معهم نسخاً من أشهر المؤلَّفات كقانون ابن سينا.

وقد تتلمذ ابن النفيس على مهذب الدين عبدالرحيم علي المسمى (الدخوار) والمتوفي عام 628هـ (1330م)، والذي عني في بداية حياته العملية بأمراض العيون في البيمارستان النوري بدمشق.

ثم عيَّنه السلطان سيف الدين أخو صلاح الدين الأيوبي وخليفته رئيساً لأطباء سوريا ومصر حوالي عام 607هـ (1210م) .

 

وكان الدخوار أستاذ ابن النفيس وابن أبي أصيبعة في آن، وقد أوصى بتحويل بيته ومكتبته – بعد موته- إلى مدرسة للطب، وتم ذلك فعلاً، فأنشئت المدرسة (الدخوارية). وفضلاً عن الدخوار تتلمذ ابن النفيس في دمشق على عمران الإسرائيلي.

وكان عمران يزامل الدخوار في علاج المرضى في البيمارستان، وابن النفيس وابن أبي أصيبعة يتدربان فيه معهما على الطب.

وكانت طريقة تعلمه في البيمارستان تمتاز بالتدقيق في تفحص المرضى ومتابعة مظاهر المرض في تطورها واستجابتها للعلاج والتباحث مع الزملاء والطلاب من غير قيد أو حرج، وهي الطريقة (الإكلينيكية) الصحيحة التي لم يأخذ بها الغرب إلَّا مؤخراً في عهد (سيدنهام)، في لندن و (بورهاف)، في ليدن بهولندا.

في ذلكم الجو العلمي السليم المبني على الخبرة والأصالة نشأ عالمنا قبل أن يرسله من كان بيدهم زمام الحكم من الأيوبيين إلى مصر مع طائفة من زملائه، من مثل ابن أبي أصيبعة وعبداللطيف المهندس ويوسف السني.

 

ابن النفيس… المصري!

لم يكن شأن الطب في مصر، عندما وطئ ابن النفيس أرضها، أقل منه في سائر الدول العربية، بل في صدر الإسلام كان متفوقاً عليه في بغداد، وقد استقى العرب في أول عهدهم به من طب مصر الكثير.

ولنا أن نتصور ابن النفيس في القاهرة وأهل الحي، في جزيرة الروضة، يشيرون بهيبةٍ واحترام إلى شيخٍ طويل نحيلٍ أسيل الخدين تنم مشتيه وسيماؤه على دماثةٍ في الخلق ورقة في المعاملة، وهو يتجول في الحواري بين منزله والبيمارستان بجوار قصر الفاطميين أو في مدرسة (المسرورية) حيث كان يدرس الفقه.

وكان بيته في الجزيرة فخماً ضخماً يتألق (شياكة) وينضح بالأناقة، به مكتبة عامرة وسرر فاخرة وفيه مجلس شرقي وثير مفروش بالبسط والحرير، وإيوان يلقى فيه كل مساء أهل العلم من الفقهاء والأطباء وأهل السلطان من الأعيان والأمراء وكان البيت من السعة والخير بحيث يأكل فيه الجميع ويسهرون يسمرون بل ويبيتون.

وكان ابن النفيس-الذي لم يسبق له الزواج- لا يزال يعيش أعزب بلا زوج ولا ولد. وكان رده على من يعاتبه: العلم والزواج خطان متوازيان، أبداً لا يلتقيان!.

 

وفي القاهرة عايش عالمنا أحداثاً وأحداثاً، من أهمها هجوم هولاكو على بغداد وهدمها عام 656هـ (1258م)، والوباء الذي اجتاح مصر عام 671هـ (1272م) والذي شارك ابن النفيس في مكافحته وعمره إذ ذاك ثنتان وستون سنة.

ووقف الشيخ الطبيب مع أطباء مصر يقود الحملة لمكافحة ذلكم الوباء القتَّال شهوراً ستة حتى غلبه.

فنال بنصره هذا مكانة مرموقة لدى حكام مصر وشعبها، وتوجه أهل مصر بلقب (المصري): فصار يعرف باسم علاء الدين علي بن أبي الحزم بن النفيس القرشي المصري! وفتحت له كنوز الدنيا كما فتحت له أبواب العلم من قبل في الفقه والطب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق