الطب

نبذة تعريفية عن وسيلة العلاج بـ”الدواء” ومدى أهميتها وتطورها عبر الزمن

1998 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء التاسع

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الدواء أهمية الدواء تطور الدواء عبر الزمن الطب

استعمل الإنسان الدواء منذ فجر التاريخ، حين لاحظ قدرة بعض النباتات على تسكين الآلام والشفاء من بعض الحالات المرضية.

ويروي بعض الباحثين أن الإنسان في العصور الأولى لاحظ التهام بعض الحيوانات المريضة لبعض النباتات وشفاءها من هذه الحالات المرضية. وقد دفعت هذه الملاحظة الإنسان إلى أن يتناول هذه النباتات عند مرضه.

أما أول أثر مكتوب وصل إلينا عن استعمال الإنسان للدواء فيرجع تاريخه إلى حوالي ألفي عام قبل الميلاد، ويتمثل في لوحة من الصلصال كتبت في عهد الحضارة السومرية.

 

وتضم هذه اللوحة 12 وصفة طبية. ومن المؤكد أن المصريين القدماء قد استعملوا الدواء بطريقة متقدمة على مر عصورهم، وربما سبقوا السومريين في هذا.

وقد ثبت وجود قرطاس مصـري يرجع تاريخه إلى عام 1550 قبل الميلاد ويحوي أكثر من سبعمئة دواء، وهو ما يدل على أن معرفة المصـريين بالدواء كانت قد تقدمت خطوات واسعة حتى استطاعوا التمييز بين هذا العدد الكبير من الأدوية.

أما الرومان فقد كانوا أول من خصصوا للأدوية مكانا خاصا (صيدلية) وكتبوا أول وصفات طبية تحدد كمية كل مادة من المواد التي يتكون منها الدواء.

 

ومن الأدوية النافعة التي اكتشفت منذ قديم الزمان: الأفيون كمسكن للألم، وزيت الخروع لعلاج الإمساك، وتناول الكبد لعلاج فقر الدم.

وإلى حضارتنا العربية الإسلامية يرجع الفضل في فصل مهنة الصيدلة عن مهنة الطب حيث أصبح لعلم الأدوية تخصص مستقل.

وقد بدأ هذا الفصل في بغداد أيام العباسيين ثم في مصـر والأندلس. ويحفظ لنا التاريخ أسماء العديد من العلماء المسلمين الذين تفرغوا لمهنة الصيدلة قبل أن تأخذ أوروبا بهذا التقليد بثلاثمئة سنة على الأقل.

 

وإلى العالم العربي الكبير جابر بن حيان يعود كثير من الفضل في تقدم علم الصيدلة حتى من قبل تميز هذا العلم.

وما يزال العلماء يدهشون لمدى النتائج التي وصل إليها جابر بن حيان في هذه الحقبة المتقدمة من التاريخ (القرن الثامن الميلادي).

وقد أخذ الدواء مكانته اللائقة في الحضارة الإسلامية بفضل اهتمام المسلمين الأوائل بمهنة الصيدلة بنفس القدر الذي كانوا يهتمون بالطب.

 

وكانت لهم في ممارسة الإشراف على هذه المهنة تقاليد عملية وخلقية متقدمة فلم يكن يسمح للصيدلي بممارسة صناعة الصيدلة إلا بعد نجاحه في اختبارات شبيهة بما نسميه الآن باختبارات ممارسة المهنة، وأداء قسم المهنة.

كذلك عرفت الحضارة الإسلامية ما نسميه الآن بسجل الممارسين للمهنة، وقد أخذت الحضارة الأوروبية تقاليد مهنة الصيدلة عن العرب المسلمين.

ولكن معظم الأدوية المعروفة الآن لم يكن معروفا قبل بداية القرن العشرين الذي شهد أكبر تقدم في اكتشاف الدواء وإنتاجه.

 

وقبل استعمال عقاقير السلفا والمضادات الحيوية ومبيدات الميكروبات كان كثير من البشـر يموتون من جراءالإصابة بمرض الالتهاب الرئوي على سبيل المثال. وقد انخفضت الوفيات الناشئة عن الإصابة بكثير من الأمراض الميكروبية بسبب توافر هذه المجموعات المهمة من الأدوية.

ويعد الدواء الآن من أبرز الوسائل الطبية في العلاج، وهو أكثر هذه الوسائل استعمالا إذ يفوق استعماله اللجوء إلى العمليات الجراحية أو الإشعاع أو العلاج الطبيعي.

ولا تقف فوائد الدواء عند النواحي العلاجية فمن الأدوية ما يقوم بدور فعال في الوقاية من المرض قبل حدوثه. ويطلق الآن على هذا النوع من الدواء "المصل واللقاح"

 

وفي الحقيقة، يطلق علماء الأدوية كلمة "العقار" على أي مادة كيميائية ذات تأثير على الجسم الحي (سواء كان جسم الإنسان أم الحيوان).

ولكن في اللغة العربية تستخدم كلمة "الدواء" للدلالة على العقار الذي يستخدمه الإنسان من أجل العلاج أو الوقاية من المرض.

وقد كانت أبرز الأدوية التي عرفت في أول القرن العشـرين عقاقير السلفا والمضادات الحيوية ولكنها لم تستعمل في العلاج إلا في أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات من هذا القرن.

أما لقاح شلل الأطفال فقد استعمل لأول مرة عام 1955، ونتيجة لاستعماله انقرض هذا المرض الآن من العالم العربي.

 

ويمكن تقسيم الأدوية اعتمادا على الشكل الذي تقدم به، وهكذا نجد الأقراص والكبسولات، والأشربة، والغازات والمراهم والكريمات والهلامات، واللصوقات.

كذلك يمكن تقسيم الأدوية تبعا للطريقة التي يتعاطاها بها المريض سواء بالبلع (أي عن طريق الفم) أو الاستنشاق (عن طريق الأنف) أو الحقن (سواء في الوريد أم في العضل أم تحت الجلد).

كذلك يمكن بالطبع تقسيم الأدوية تبعا لتركيبها الكيميائي أو للمصادر التي أخذت منها، أو أثرها الرئيسي في الجسم. وهكذا.

 

ومن المهم أن يصل الـدواء إلى الدم حتى يؤدي وظيفته في التأثير على نشاط خلايا الجسم المراد التأثير عليها.

ومعظم الأدوية يعطى عن طريق الفم إلا أن الهدف في النهاية هو وصلها إلى تيار الدم.

ومع هذا فإن الغازات المبنجة لا يمكن إدخالها للجسم إلا عن طريق الاستنشاق، والمراهم لا يمكن الاستفادة منها إلا عن طريق وضعها على الموضع المصاب.

ولكل طريقة من طرق تعاطي الأدوية مزايا ومساوئ. فتعاطي الأدوية عن طريق الفم، مثلا، يعد من أسهل الطرق، ولكننا نجد صعوبة شديدة قد تصل إلى حد الاستحالة في إعطاء بعض الأدوية عن هذا الطريق لبعض الأطفال الذين قد لا يستسيغون مذاق بعض الأدوية مهما وضعت في عصائر أو سوائل محببة لهم.

 

أما طريق الحقن فمع أنه سريع وفعال إلا أننا كثيرا ما نجد صعوبة في الوصول إلى وريد قابل للحقن فيه، وخصوصا في بعض الحالات كحالات الصدمة حيث تنقبض الأوعية الدموية تماما. وفي كثير من الأحيان يصاحب عملية الحقن نفسها الشعور بالألم، كما قد تكون العملية نفسها مصدرا للإصابة بالعدوى.

ولا ينبغي أن نستهين بهذه الجزئية فقد انتشـرت أمراض التهابات الكبد في الحقبة الأخيرة بسبب استعمال الحقنة نفسها لعدة أشخاص. ولكن استعمال حقن "المرة الواحدة" ثم رميها، يتغلب على هذه الصعوبة.

ولا يكف العلم عن استحداث طرق جديدة لتعاطي الأدوية. ومن هذه الطرق الجديدة الرقعات الجلدية، وهي رقعات تحتوي على طبقة من الدواء يتم إلصاقها على الجلد ومن ثم يتم إفراز الدواء وامتصاص الجلد له ووصوله إلى تيار الدم.

 

وأشهر الأدوية التي تعطى بهذه الطريقة عقار النيتروجلسـرين الذي يوصف لتوسيع الشريان التاجي

ومن الطرق الجديدة أيضا ما يسمى "المضخة المخروسة"، وهي قرص معدني صغير يحتوي على خزانة صغيرة يمكن تعبئتها بالدواء.

وتدخل هذه المضخة إلى الجسم من خلال فتح جراحي، حيث تقوم المضخة بدفع كميات قليلة من الدواء داخل الجسم عبر الدم، فإذا ما نفدت محتوياتها أعيدت تعبئتها بالدواء عن طريق الجلد.

 

ومن أهم المعلومات التي يدرسها الأطباء والصيادلة عن دواء معين ما يتعلق بآثاره الجانبية. ولكل دواء آثار أخرى غير تلك التي نستهدفها من تعاطيه.

وتزداد هذه الآثار بزيادة جرعة الدواء، ومما يساعد على ظهورها أن الدواء يسـري مع تيار الدم، وهكذا فإنه يصل إلى الأعضاء سواء منها الصحيح والمريض. وتختلف الآثار الجانبية للدواء من شخص إلى آخر. وهكذا فإن الجرعة التي لا تؤذي مريضا ما قد تؤذي مريضا آخر.

كذلك يواجه الأطباء بمشكلة حساسية بعض المرضى تجاه بعض الأدوية فبعض البشـر – مثلا – لا يستطيعون تعاطي الأسبرين ولا البنسلين نتيجة لحساسية مفرطة تجاه هذين العقارين. وفي هذه الحالات يلجأ الأطباء إلى أقرب بديل ممكن للعقار الموصوف.

 

أما الآثار السامة للدواء فلا تحدث إلا بعد تناول كميات معينة من الدواء، وقد يصل الأثر السام إلى حد إتلاف خلايا الجسم بل وقتل الإنسان نفسه في بعض الأحيان.

أما الإدمان فهو الصورة الرابعة من الآثار غير المرغوبة للدواء. (الآثار الأخرى هي: الآثار الجانبية، والحساسية، والآثار السامة). وينشأ الإدمان عند تعاطي كميات كبيرة من بعض الأدوية (وليس أي دواء).

ومن أهم الأدوية التي تؤدي مع الوقت إلى الإدمان: الكحول، والأمفيتامينات، والبربيتيورات، والمخدرات.

 

وفي النهاية، يطرد الجسم بقايا الأدوية، كما يطرد بقايا الأغذية، من خلال البول والبراز والعرق والدموع بل وهواء الزفير. وهكذا فإن أي تعطيل لأية عملية حيوية من عمليات الإخراج يزيد من مستوى بقايا الدواء في الجسم، وبالتالي من آثاره الضارة.

وقد أصبحت صناعة الدواء إحدى الصناعات المهمة في النصف الثاني من القرن العشـرين، كما أضحت تمثل مصدرا من أهم مصادر الدخل الاقتصادي لكثير من الدول المتقدمة.

ولا يقف نشاط مصانع الأدوية عند إنتاج الأدوية المركبة كيميائيا فحسب، ولكنه يمتد إلى كثير من الأدوية المستخرجة من النباتات والفطريات والحيوانات والمعادن والجراثيم والجينات.

 

وتستطيع مصانع الأدوية إنتاج كميات كبيرة من الأدوية بتكلفة أقل من تكلفة استخلاص هذه الأدوية من الموارد الطبيعية فضلا على أن هذه الأدوية المخلقة صناعيا عادة ما تكون أكثر أمانا من حيث الآثار الجانبية. ولكن ما زالت شركات الأدوية تنتج كثيرا من العقاقير من مصادرها الطبيعية.

وينبغي لنا أن نفهم أن الدواء ليس غذاء، وأن تناوله يخضع لقواعد أخرى غير قواعد تناول الغذاء، فكما أن الدواء يفيد عندما يستخدم استخداما مناسبا، يضـر إذا ما استخدم استخداما سيئا.

ولهذا فلا ينبغي لك أن تتناول دواء وصف لإنسان آخر غيرك: لزميلك أو لأخيك على سبيل المثال.

فالطبيب وحده هو الذي له الحق في أن يصف لك الدواء، وقد ينجح الدواء في علاجك ولكنه لا ينجح في علاج زميلك بسبب اختلافكما في العمر أو الوزن أو الصفات البدنية الأخرى أو لأسباب لا يمكن لأي شخص إدراكها بسهولة. كذلك فقد لا يكون تشخيصك لما أصبت به من أعراض صحيحا.

 

وهكذا فإنك في هذه الحالة تتناول دواء لمرض ليس موجودا عندك بينما تترك المرض الذي أنت مصاب به فعلا بدون علاج.

كذلك ينبغي أن تقلع عن العادة التي يتبعها عدد غير قليل من الناس، حين يحتفظون بالكميات الباقية من الدواء لاستعمالها عند الحاجة إليها في المستقبل عندما يصابون بأعراض مشابهة لما أصيبوا به من قبل. 

وينبغي لنا أن نتذكر أن بعض الأمراض تتشابه في الأعراض وتختلف في الأسباب، أو تختلف في الأعراض رغم تشابهها في الأسباب أو الظروف السابقة لحدوث المرض.

 

ولا بد لك أن تتأكد أيضا من صلاحية الدواء للاستعمال، فقد يكون الدواء الذي احتفظت به عندك قد انقضت مدة صلاحيته.

وقد يكون الدواء قد تعرض للفساد بسبب خزنه في ظروف غير ملائمة لحفظه.

ويمكن لنا في بعض الحالات أن نستشير الصيدلي في مدى صلاحية الدواء الذي احتفظنا به في المنزل للاستعمال مرة أخرى.

 

وينبغي لنا أن نتبع بدقة جميع الإرشادات التي يرشدنا إليها الطبيب أو نطالعها في النشـرة المرفقة بالدواء وأن نلتزم بها فيما يختص بكمية الدواء ووقت تعاطيه، وكذلك فيما يتعلق بالحالات التي يجب أن نمتنع فيها عن تعاطي ذلك الدواء.

وإذا ما حدث لنا أي أثر جانبي نتيجة تعاطي عقار معين فلا ينبغي لنا أن نعالج الأمر من تلقاء أنفسنا بالتوقف عن تعاطي الدواء مثلا وإنما ينبغي علينا اللجوء إلى الطبيب وإخباره بالآثار الجانبية أو غير المتوقعة التي صادفناها.

فقد لا تكون لهذه الآثار أهمية بالنسبة إلى خطورة عدم استكمال العلاج بالدواء الموصف. وقد تكون داعيا إلى أن يتولى الطبيب تغيير الدواء بآخر، أو إضافة دواء آخر أو تغيير الجرعة بانقاصها أو زيادتها،.. وهكذا.

 

وينبغي علينا أن نحرص على الاحتفاظ بالأدوية في مكان مأمون وبعيد جدا عن تناول الأطفال والحيوانات الأليفة.

ولنذكر أن كثيرا من حوادث الأطفال الخطرة تنشأ من تناول الدواء بدون قصد. ولنذكر أن أي دواء قد يسبب الوفاة إذا ما تم تناوله بكميات كبيرة بدون انتباه.

 

وهكذا يتحول الدواء إلى سم قاتل في هذه الحالات التي تنشأ عن الإهمال أو اللامبالاة وقد تودي بحياة الطفل أو تسبب له إعاقة تستمر طول حياته.

ومن أشهر الحالات التي ما زلنا نصادفها تضييق المريء والقناة الهضمية بسبب تناول مسحوق البوتاس (الذي يستخدم في غسيل الملابس) على أنه لبن حليب لأنه شبيه به.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق