علوم الأرض والجيولوجيا

نبذة تعريفية عن نطرية “توازن القشرة الأرضية”

1998 الموسوعة الجيولوجية الجزء الثاني

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

نظرية توازن القشرة الأرضية القشرة الأرضية علوم الأرض والجيولوجيا

يعتبر محمد بن الحاسب الكرخي العالم العربي الذي عاش القرن الخامس الهجري من آوائل العلماء الذين تحدثوا عن فكرة التوازن الأرضي وذلك في كتابه (إنباط المياه الخفية).

ويتمثل ذلك في قوله (في الأرض حركات دائمة، منها طلب الأبنية للوقوع والانهدام والميل عن سَمْت الاستقامة، وكذلك الجبال والتلاع تنهار قليلاً وتتفتت طلباً للمركز. 

والأرض الرخوة في تربتها حركة دائمة وهي طلب أجزائها الصلابة باعتماد بعضها على بعض.

 

وأعظم هذه الحركات المذكورة انتقال المياه العظيمة وجريان الأودية القوية من أرض إلى أرض في الأزمنة الطويلة. 

فإذ اجتمعت موادها في ناحية من نواحيها وارتفعت حتى بعد سطحِها من المركز وساوى ذلك بعد الموضع المحاذي له الذي يقابله، ثم بعد المساواة زاد عليه، تحركت الأرض طلباً للمعادلة المذكورة).

من هذا يتضح لنا أن الكرخي يعتقد بأن العمليات الداخلية تتدخل كلما زادت العمليات الخارجية من ردمها للتضاريس الأرضية عن مستوى محدد عبر عنه بكلمة المساواة، وهو بذلك يعتبر أول من استخدم مثل هذا المصطلح.

 

وفي عام 1889 تنبه الأستاذ داتون (Dutton) إلى فكرة توازن القشـرة الأرضية واستخدم لها تعبيراً مُشتَقاً من اللغة اليونانية القديمة (Isostaslos) ومعناها "حالة توازن أو موازنة أو ثبات" "Equipoise".

ويدل هذا التعبير عن حال التوازن بين القارات وما يتمثل فوقها من هضاب وجبال عالية، وبين ما يقع تحت قشـرة الأرض من مواد باطنية.

وتعتبر نظرية التوازن من النظريات التي أصبحت اليوم في حكم القوانين الجيولوجية. وترى هذه النظرية أن هناك توازناً بين التضاريس الموجبة والتضاريس السالبة في القشرة الأرضية وأن الكتل القارية القليلة الكثافة تطفو فوق الصخور الكثيفة التي تتألف منها قيعان المحيطات.

 

وقد شبه داتون توازن أجزاء سطح الأرض فوق المواد السفلية من قشـرة الأرض (أو بمعنى آخر طوفان جبال السيال فوق بحار السيما) بطوفان جبال الثلج العائمة فوق مياه البحار القطبية.

ويمكن تحقيق هذه الصورة عملياً في المعمل عند وضع كتل أو مكعبات من الخشب في حوض به ماء، فيلاحظ المشاهد أن كتل الخشب تطفو فوق سطح الماء بارتفاعات تتناسب مع أطوالها المختلفة ويطلق على هذه الحالة تعبير "حالة التوازن المائي" (State of hydrostatic balance)

ومن هنا استنتج داتون أن هناك حالة من التجاوب الدائم بين مستوى سطح السيما ووزن السيال الطافي فوقها، حيث أن كل نقص في إحداهما لا بد أن يعوضه زيادة في الآخر.

 

وهكذا تتميز قاعدة قشرة الأرض عن بقية مواد باطن الأرض عن طريق الضغط المتساوي فوق السيما. 

وعند حالة التوازن التام يطلق على القشرة الأرضية أنها متوازن فوق ما تحتها من مواد ويسهل أيضاً تحديد مستوى التوازن (Sopiesticevel or level of Compensation) الذي يفصل بين الكتل الصخرية الطافية المكونة للجبال والهضاب وبقية المواد السفلية للقشـرة الأرضية وباطن الأرض.

ومن نتائج دراسات داتون يتضح أن مستوى التوازن يقع على أعماق متشابهة من سطح الأرض، ويمتد على طول استقامته أسفل التكوينات السيالية.

 

وقد أوضحت الأبحاث الجيوفيزيقية في مرتفعات بيرو عام 1735 وبعض الدراسات الحديثة عند سفوح مرتفعات الهيملايا وسواحل خليج بسكاي أن الثقل المغناطيسـي لتكوين هذه المناطق (بدراسة تغير اتجاه عمود البندول الممغنط) يتأثر بشدة بالتركيب المعدني للصخور السفلية التي تطفو فوقها المرتفعات والجبال على سطح الأرض.

وهكذا تحقق العلماء أن الهضاب والجبال العالية فوق سطح الأرض لا تتفق قاعدتها مع مساوي سطح الأرض الذي يقع عليه، بل إن لها جذوراً عميقة جداً تزيد عن خمسة أمثال ارتفاع هذه الجبال فوق سطح الأراضي المجاورة.

وكلما تعرضت هذه الجبال لحركات ارتفاع جديدة تزيد من منسوبها فوق منسوب سطح الأرض المجاورة، أدى ذلك إلى زيادة أعماق جذور هذه الجبال في باطن الأرض، أو بمعنى آخر إن هناك دائماً حالة من الاحتفاظ على الاتزان أو التوازن الاستاتيكي بين أعالي قشرة الأرض وأجزائها السفلية.

 

وليس ضرورياً أن تقع الجذور الباطنية للجبال في طبقات السيما تحت أعالي القمم الجبلية العالية التي تتمثل فوق سطح الأرض، ذلك أن موقع الجبال قد يتغير ويتشكل على مرور الزمن بفعل عوامل التعرية

ومن ثم نلاحظ ان اهتزاز عمود البندول المؤشر لطبيعة الثقل المغناطيسي للصخور، عند كشف جذور السيما للجبال في منطقة مرتفعات البرانس تشير إلى قاع خليج بسكاي بدلاً من منطقة مرتفعات البرانس العالية. 

وإن دل هذا على شي فإنما يدل على أن قاع خليج بسكاي وخاصة في القسم الجنوبي منه يتألف من تكوينات السيما العظيمة الكثافة، وقد تمتد هذه التكوينات إلى الجنوب من خليج بسكاي وأسفل المرتفعات الشمالية لشبه جزيرة ايبريا على شكل جذور لهذه المرتفعات.

 

وفي مرتفعات الهيملايا تكررت هذه المشاهدات الجيوفيزيقية حيث لم ينجذب عمود البندول الممغنط بشدة نحو هذه المرتفعات كما كان يظن. 

ومن ثم اعتقد بعض الدارسين أن السبب في ذلك قد يعزى إلى قلة كثافة صخور السيال المكونة لمرتفعات الهيملايا من جهة، أو إلى قلة كثافة صخور السيما التي تقع أسفل جبال الهيملايا بالنسبة لبقية مواد السيما السفلية المجاورة من جهة أخرى، أو نتيجة لهذين العاملين معاً.

ولما كانت عمليات التعرية الخارجية والعمليات الباطنية تعمل باستمرار على تغيير التضاريس الأرضية، فإنه بموجب قانون التعادل تميل الكتل الأرضية إلى الهبوط أو الارتفاع طلباً للموازنة المذكورة.

 

بمعنى أنه إذا استطاعت عوامل التعرية المختلفة على إزاحة بعض القمم الجبلية وتكوينات المرتفعات من مناطق ما على سطح الأرض، ثم إرساب هذه المفتتات فوق مناطق الرفارف القارية وقيعان البحار.

فإن ذلك يؤدي بدوره إلى زيادة الضغط الواقع على طبقات السيما تحت الرفارف القارية، وبزيادة التكوينات الإرسابية فوقها، تزداد جذورها السيالية في طبقات السيما السفلية

ويترتب على ذلك انسياب السيما السفلية (بعمل الضغط الواقع عليها من أعلى إلى أسفل) وانتقالها إلى مواقع أخرى جديدة أسفل قشرة الأرض السيالية.

 

وتتعرض هذه المناطق الأخيرة من جديد لفعل حركات الرفع التكتوتي، وتحدت عمليات إعادة التوازن الاستاتيكي للقشـرة الأرضية (Isostatic re-adjustment).

وبدراسة سرعة الموجات الزلزالية التي تخترق طبقات الأرض ومن نتائج الأبحاث السيزمولوجية تبين أن بعض السلاسل من السيما بعمق يزيد عن 40 كم.

في حين نجد أن سمك  السيال في مناطق السهول الواقعة بالقرب من مستوى سطح البحر يتراوح من 10 – 12 كم، وتختفي طبقات السيال تماماً تحت القاع الحقيقي للمحيطات.

 

ويعتقد هولمز بأن القسم الأعلى من طبقات السيما يتألف من صخور ساخنة نسبياً، وترتفع فيها كذلك نسبة الغازات، وتساعد هذه الغازات في مواد السيما على تكوين تيارات حرارية ضعيفة، تتجه نحو جذور المرتفعات الجبلية.

وتؤدي حركة انسياب السيما إلى استمرار تعرض الجبال لحركات رفع تكتونية. ومن ثم يطلق على مثل هذه المناطق بأنها مناطق لم يستقر فيها التوازن الاستاتيكي (Out of Isostatic Balance).

وإذا كان التوازن الاستاتيكي يتشكل بالتغيرات التي تحدث في باطن الأرض، فإن العوامل الخارجية فوق سطح الأرض التي تقوم بعمليات النحت والنقل. والارساب تؤثر كذلك في حدوث عمليات استقرار أو عدم استقرار قشـرة الأرض.

 

هذا إلى جانب تراكم الجليد في المناطق القطبية يؤدي إلى زيادة الضغط الواقع على الطبقات السفلية في حين أن ذوبانه يخفف الضغط الواقع على هذه التكوينات، ولهذه العمليات أثرها في حركات توازن القشرة الأرضية.

وتتشابه آراء هايفورد (Hayford) وايرى (Airy) مع آراء داتون (Dutton) السابقة بأن كثافة كتل السيال فوق سطح الأرض تتناسب تناسباً عكسياً مع ارتفاع كل منها. 

كما رجحت أبحاثهم بأنه عند عمق 100 كم من سطح الأرض تتلاشى الإختلافات الجوهرية في كثافة صخور السيما وعلى ذلك يتميز مستوى التوازن Isopeistic Level، باستقامته ووقوعه عند أعماق متشابهة بالنسبة لمختلف حجم الكتل السيالية الفارية التي تطفو فوقه.

 

أما برات (Pratt) فقد اعتقد بأنه لا توجد أدلة يقينية تؤكد ما يسمى بمستوى التوازن، بل ليس من الضـروري وجود مثل هذه المستوى "الافتراضي" على أعماق متشابهة من سطح الأرض. وقد حقق هذا الرأي كذلك اليوغوسلافي موهوروفيش عام 1909

وأكد بأن مواد السيما نفسها تختلف فيما بينها من حيث الكثافة تبعاً للمواد التي تدخل في تركيبها، وأكد أن كثافة مواد باطن الأرض تزداد كلما اتجهنا صوب مركز الأرض، وبدلاً من مستوى التوازن رجع هذا الباحث خطاً جديداً هو ما يسمى بالحد الموهوروفيشي (Mohorovicie Discontinuity).

وعندما تبلغ سرعة الموجات الزلزالية 8.1 كم/ ثانية وتقل سرعة الموجات عن ذلك فوق هذا الحد، في حين تزيد عن ذلك أسفل منه. ويفصل هذا الجد بين قشـرة الأرض (بتكويناتها من السيال والسيما) وبين طبقة الوشاح الداخلي للأرض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق