البيولوجيا وعلوم الحياة

نبذة تعريفية عن عالم الجزيئات في خلايا جسم الإنسان

2013 آلات الحياة

د.ديفيد س. جودسل

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

عالم الجزيئات خلايا جسم الانسان البيولوجيا وعلوم الحياة

كما سنرى في الفصول القادمة، فإن الخلايا هي أماكن صغيرة، ومزدحمة، يحدث بها الكثير من الاشياء في وقت واحد.

ولا بد أن تقوم الآلات الجزيئية بأداء وظائفها على المستوى النانوني (Nanoscale) في هذه البيئة غير العادية والموجودة بالخلايا الحية. وهذا يسبب عدداً من المشاكل المفاجئة ، والقليل من الفرص الجديدة.

الخلايا مزدحمة بشكل مدهش، فمن المعتاد أن نجد أن 25-35% من الفراغ بالخلية يكون ممتلئاً بالجزيئات الكبيرة مثل البروتينات والأحماض النووية.

 

وكما يمكنك أن تتخيل، فإن هذه الجزيئات تقف في طريق بعضها البعض. ولهذا تأثيران يبدوان وكأنهما متضادان على وظيفة الجزيئات. أولاً، تواجه الجزيئات الأكبر في الحجم مشكلة أكبر عند انتشارها في بيئة الخلية، حيث يتم إعاقتها بواسطة الجزيئات المجاورة لها.

وهذا يؤدي إلى بطء حركة كل جزىء، وبالتالي يطيل من الوقت الذي يتقابل عنده جزىء مع جزىء آخر. ولكن البيئة المزدحمة بالخلية تواجه هذا الأمر بميلها لتحفيز تجمع الجزيئات مع بعضها البعض بمجرد التقائها.

ونظراً لأن هذه الجزيئات المتجمعة سوف تظل في حالة زحام مستمرة مع الجزيئات المجاورة لها، فإن هذا يمنحها وقتاً أكبر للبقاء إلى جوار بعضها البعض مما يزيد فرصة إيجادها للوضعية المناسبة لتكوين ارتباط كيميائي مناسب فيما بينها.

 

وهذه الخاصية تجعل البيئات المزدحمة مثل الخلايا تفضل تجمع الجزيئات في صورة مركبات معقدة كبيرة بدلاً من إمتلاء الخلية بالعديد والعديد من الجزيئات المنفصلة عن بعضها.

الخلايا مملوءة أيضاً بالحواجز التي يمكنها أن تثبط أو تقوي من حركة الجزيئات. حيث تحتوي الخلايا على أغشية بداخلها تعمل غالباً على عزل جزء ما في الخلية عن باقي الوسط المحيط، حيث تعمل هذه الأغشية على الإعاقة التامة لإنتشار الجزيئات من خلالها.

وهذا يحسن من أداء الجزىء المعزول حيث إنه يتم حصره في مكان صغير ومعه كل الجزيئات التي يحتاجها لأداء وظيفته. وتعمل الأغشية أيضاً على إسراع إنتشار الجزيئات وإرتباط بعض الجزيئات مع بعضها البعض.

 

فعندما يرتبط بروتين بدرجة ضعيفة بأحد الأغشية، فإنه يقوم بالإرتباط بمنطقة ما على الغشاء ولكنه يظل قادراً على القفز من منطقة لأخرى على سطح هذا الغشاء.

ونظراً لأن البروتين يحتاج في هذه الحالة إلى أن يتحرك في إتجاهين فقط فوق سطح الغشاء، فإنه ينتشـر بسرعة وعلى مساحة أصغر مقارنةً بحالته عندما يكون حراً ويقوم بالإنتشار في فراغ ثلاثي الأبعاد.

وبالتالي، يستطيع البروتين أن يجد أهدافه من جزيئات أخرى على سطح الغشاء بسرعة كبيرة. وهذا ما يحدث أيضاً عند ارتباط البروتينات بالـ "دنا" (DNA)- حيث تقوم بالحركة بسرعة لأعلى وأسفل حلزون الـ "دنا" حتى تجد المكان المناسب لها.

 

على سبيل المثال، فإن البروتين المثبط لجينات تحليل سكر اللاكتوز يرتبط بشكل ضعيف وغير متخصص بأغلب أجزاء الـ "دنا"، ولكنه يرتبط بقوة كبيرة بتتابعات معينة من الـ "دنا" تكون محتوية على الجينات التي يعمل على تثبيطها.

وفي داخل الخلية، فإن هذا البروتين يقوم بالتزحلق لأعلى ولأسفل حلزون الـ "دنا" ، حتى يتمكن من الوصول إلى الموقع المراد الإرتباط به، وهذا يحدث بشكل أسرع مئات المرات مما يمكن توقعه عند إنتشاره بطريقة عشوائية في فراغ ثلاثي الأبعاد حتى يصل إلى هدفه.

لا بد أن تكون الآلات الجزيئية متخصصة جداً للوظائف التي تقوم بأدائها. ففي داخل الخلية، يتعرض أي إنزيم معتاد لضربات من آلاف من الأنواع المختلفة من الجزيئات.

 

ولابد أن يكون قادراً في هذه الحالة على شق طريقه وسط كل هذا التشتيت الحادث من هذه الجزيئات بحيث يصل إلى الجزىء الذي يحتاج إلى التفاعل معه.

وتستطيع الجزيئات البيولوجية القيام بهذه المهمة الشاقة لأنها خبيرة بما يعرف بـ "التعرف الجزيئي" (Molecular Recognition)، حيث تتفاعل هذه الجزيئات بحميمية مع الجزيئات الشـريكة لها في التفاعلات، فهي تتصل بها عند نقاط عديدة وتستلزم أن يكون بينها توافق تام في شكل وكيميائية الجزيئات حتى يحدث التفاعل.

 

فغالباً ما تقوم الأنزيمات بالإحاطة التامة بالجزيئات التي تستهدف التفاعل معها، وتقوم البروتينات بالإرتباط مع الجزيئات من خلال مساحات كبيرة تكاملية على سطح هذه الجزيئات.

ونتيجةً لهذه الدرجة العالية من التخصصية، فإنه من الممكن أن يحدث ألف تفاعل في وقت واحد في الخلية، وبحيث يتم تنسيق كل ذلك بواسطة الإرتباط العشوائي بين الجزيئات وسط الحساء السيتوبلازمي شديد الإزدحام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق