إسلاميات

نبذة تعريفية عن جد الرسول “عبدُ المطَّلِبِ بنُ هاشِم”

2001 موسوعة الكويت العلمية الجزء الثاني عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

جد الرسول عبد المطلب بن هاشم إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

عبدُ المطَّلِبِ بنُ هاشِم هو جَدُّ سيدِنا رَسولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم.

فَرَسولُ اللهِ هو: مُحَمَّدُ، بنُ عبدِ اللهِ، بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، بنِ هاشمٍ. ولِذَلِكَ تجدُ مُعْظَمَ أَخبارِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في أَوائِلِ كُتُبِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، كسيرَة ابنِ هِشامٍ، وغيرِها.

مِنْ أَخْبارِ عبدِ المُطَّلِبِ في طُفولَتِهِ الأُولَى، أَنَّ أَباهُ هاشِمًا تزوَّجَ في إحدَى رَحَلاتِهِ امْرأةً يَثْرِبيَّةً (يَثْرِبُ هي المدينَةُ)، اسمُها سَلْمَى، من بني النَّجَّار.

(تذكَّرْ ذلك، فإنَّه يفسِّرُ لَكَ العَلاقَةَ الخاصَّة بينَ الرَّسول، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وبني النَّجَّارِ في المدينَةِ، فَهُمْ أخوالُ جَدِّهِ مباشَرَةً.

 

وتذكَّرْ أيضًا أنَّ أمَّ سَيِّدِنا رسولِ اللهِ توجَّهَتْ بهِ وهوَ طِفْلٌ إلَى المدينَةِ ليزورَ أَخوالَه… والمقصودُ هنا أنَّ أخوالَ جدِّه هُمْ أَخْوالُه، وللأنْسابِ عِنْدَ العَرَبِ شأنٌ كبيرٌ وحُرْمةٌ عظيمةٌ).

ووُلِدَ لهاشم وسَلْمَى طفلٌ خرجَ إلَى الدُّنْيا وفي شَعْرِ رَأْسِه خُصْلةٌ بيضاءُ، فسمَّياه «شَيْبَةَ». ثم رحلَ هاشِمٌ عن يَثْرِبَ، وعادَ ليعيشَ في مَكَّةَ، بلدِه وبلَدِ آبائِه، ولَمْ يَلْبَثْ أنْ ماتَ بها، فذهبَ أخوه المُطَّلِبُ إلَى المدينَةِ لِيُحْضِرَ شَيْبَةَ ابنَ أخيهِ، فوجَدَه قَدْ قارَبَ البُلوغَ، فعادَ به إلَى مَكَّة، وقَدْ أَرْكَبَهُ خَلْفَهُ.

فوجدَ النَّاسُ غلامًا أبيضَ يَرْكَبُ وراءَ المُطَّلِبِ، فقالوا: عبدُ المُطَّلِبِ ظنًّا منهم أَنَّه عَبْدٌ اشْتراه المُطَّلِبُ، وظَلَّتْ هذه التَّسْمِيَةُ ملازِمَةً لِشَيْبَةَ.

 

ورِثَ عبدُ المطَّلِبِ عنْ آبائِهِ كثيرًا من صفاتِ السِّيادَةِ والمَجْدِ، ولكنَّه زادَ علَى ذلكَ بما قدَّمَهُ لِقَوْمِهِ من خِدْماتٍ، وخاصًّةً تجديدَ حَفْرِ زَمْزَمَ، وبَذْلَهُ المَعْروفَ حتَّى كانَتْ قريشٌ تُسَمّيهِ «الفَيْضَ» لسَماحَتِه وفَضْلِه.

ومِنْ ثَمَّ يقولُ ابنُ هشام، في كتابِه عن السِّيرَة النَّبوِيَّةِ: «وشَرُفَ (أيْ: عبدُ المُطَّلِبِ) في قومِهِ شرَفًا لم يَبْلُغْه أَحَدٌ من آبائِهِ، وأحبَّه قومُه، وعَظُمَ خَطَرُه بَيْنَهم».

فكانَتْ له السِّقايةُ والرِّفادَةُ، وكلٌّ منهما شَرَفٌ عَظيمٌ، تَعْتَرِفُ العَرَبُ جميعًا لصاحِبِه بالسِّيادَةِ وعُلُوِّ الذِّكْر.

 

(والسِّقايةُ والرِّفادَةُ هما توفيرُ الطَّعامِ والشَّرابِ لِمَنْ يحتاجُ إليهما من الحُجَّاج). وفي مَدْحِ عبدِ المُطَّلِبِ يقولُ الشاعرُ:

طَوَى زمزمًا عند المقام، فأصبَحَتْ      

                                                                     سِقايتُه فَخْرًا علَى كلِّ ذي فخْرِ

وقد ظلّ عبدُ المطَّلِبِ، منذُ أنْ بَلَغَ العشـرينَ إلَى أنْ ماتَ في الثَّمانينَ أَوْ فَوْقَها، صاحِبَ القِيادَةِ العُظْمَى في قُرَيْش، ولذلكَ كانَ هُوَ الّذي تَكَلَّمَ باسْم قُرَيْشٍ معَ القائِدِ الحَبَشِـيِّ «أَبْرَهَةَ» في عام الفيل، عِنْدَما غَزَا أَبْرَهَةُ مَكَّةَ وأرادَ هَدْمَ الكَعْبَةِ، والقِصَّةُ معروفَةٌ.

 

وهُنَا مَسْأَلَةٌ جديرَةٌ بالمُناقَشَةِ. لَقَدْ طالَبَ عبدُ المطَّلِبِ بإبِلِه الّتي اسْتولَى عَلَيْها الجيشُ الحَبَشِيُّ، ولم يَتَكَلَّمْ مَعَ أَبْرَهَةَ عن البَيْتِ الحَرامِ، بلْ إنه قال لأَبْرَهَةَ: إنِّي أَنا ربُّ (أيْ: صاحِبُ) الإبِلِ، وإنَّ لِلْبَيْتِ ربًّا سَيَمْنَعُه.

لَقَدْ اسْتطاعَ عبدُ المطَّلِبِ، بهذا القَولِ، أن يفعلَ بأَبْرَهَةَ ما لا تَفْعلُه الجيوشُ. لَقَدْ أَلْقَى في نَفْسِه الرُّعْبَ والوَهَنَ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى، فأبرهَةُ ذو دينٍ، وعبدُ المطَّلِبِ علَى إرْثٍ من دينِ إبراهيمَ عَلَيه السَّلامُ، وقَدْ تَكَلَّمَ عبدُ المطَّلِبِ في ثِقَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ أَنَّ اللّهَ عزَّ وجَلَّ سَيدافِعُ عن بَيْتِه، وهو سُبْحَانَهُ لا يُغلَب.

وتُجْمَعُ المَصادِرُ علَى مجموعَةٍ من الصِّفاتِ الجَسَدِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ تَحَلَّى بها عبدُ المطَّلِبِ، جَعَلَتْهُ أَهْلاً للسِّيادَة.

 

فمن النَّاحِيَةِ الجَسَدِيَّةِ كانَ عبدُ المطَّلِبِ فارعَ الطّولِ، عظيمَ الخَلْقِ، أبيضَ اللَّونِ؛ ذا أَنْفِ أَشَمّ، يَتَمَتَّعُ بِوسامَةٍ ظاهِرَةٍ وجمالٍ واضِحِ، ومهابَةٍ تَأْخُذُ النّاظِرَ إليه منذُ الوَهْلَةِ الأُولَى، وهَذَا ما حَدَث لأبْرَهَةَ حينَ دَخَلَ عَلَيْه عَبْدُ المطَّلِبِ.

أمَّا مزاياهُ الشَّخْصِيَّةُ فقدْ أَجْمَعَ واصِفوهُ علَى أنَّه كان وافِرَ العَقْلِ، فصيحَ اللِّسانِ، سريعَ النَّجْدةِ. كما كانَ شديدَ التَّمَسُّكِ بدِينِهِ مُعَظِّمًا لحُرْمَةِ البَيْتِ الحَرامِ، فقد كادَ يَذْبَحُ وَلَدَهُ عَبْدَ اللهِ وفاءً بنَذْرِه، والقِصَّةُ معروفَةٌ في السِّيرَةِ.

وقد صَدَقَهُ الهاتِفُ الّذي أتاه في المَنامِ ودَلَّهُ علَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فأعادَ حَفْرَها، بل إنَّه كان أَوَّلَ منْ كانَ يَخْلُو في غارِ حِرَاءَ من قُرَيْشٍ، وتَبِعَهُ علَى ذَلِكَ من كانَ يعبدُ اللهَ، فكانَ رَسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، يَخْلو بمكانِ جَدِّه. وكانَ بالِغَ الفِراسَةِ، فَقَدْ كانَ يقولُ لأَبْنائِهِ عن حفيدِهِ مُحَمَّدٍ: «إنَّ ابْني هذا سيكونُ لَه شَأْنٌ».

 

وفي دِراسَةِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ تَعْرِفُ شِدَّةَ حُبِّهِ ورِقَّتِه علَى رسولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وهُوَ طِفْلٌ، فهو الّذي طَلَب لَهُ المَراضِعَ، وكانَ – وهو الشيخُ الكبيرُ – يَبْحَثُ عَنْه إذا غابَ، ويوصِي بِهِ أَعْمامَهُ.

ولَعَلَّهُ مِنَ المُناسِبِ أَنْ نَعْرِفَ شيئًا عن الأُسْرَةِ المطَّلِبِيَّةِ. فلعبد المُطَّلِبِ عَشَـرَةُ أَبْناء، أَكْبَرُهم الحارِثُ، وبِه كانَ يُكنَّى، ثُمَّ الزُّبَيْرُ، وعَبْدُ اللهِ (والدُ سَيدِنا رسولِ اللهِ) وأبو طالِب (وهؤلاءِ الثَّلاثَةُ أَشِقَّاء) والعَبَّاسُ وضِرارٌ (وهما شقيقان)، وحَمْزَةُ وحَجْل والمقوِّمُ (والثَّلاثَةُ أَشِقاءُ)، ثم أبو لَهَب، واسمُه عَبْدُ العُزَّى.

 

وأما البَنات فسِتٌّ: صَفِيَّةُ (وهي شَقيقَةُ حَمْزَةَ) وأمُّ حكيمِ: البيضاءُ، وعاتِكَةُ، وأُمَيْمَةُ، وأَرْوَى، وبَرَّةُ (وهنَّ شقيقاتُ عبدِ اللهِ، أيْ: عَمَّاتُ الرَّسولِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم).

وعِنْدَما بَلَغ رَسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ثماني سنينَ، ماتَ عبدُ المطَّلِبِ ولَه من العُمْر ثمانون سنةً وأَكْثر. كانَ ذَلِكَ في سنة 45 قبل الهجرةِ، أيْ: 579م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق