إسلاميات

نبذة تعريفية عن بنت الرسول “رُقَيَّةُ”

1999 موسوعة الكويت العلمية الجزء العاشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

بنت الرسول رُقية إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

مِنَ المُتّفقِ عليهِ من أخبارِ البيتِ النّبويِّ، أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسّلم لهُ سبعةُ أولادٍ: ثلاثةُ ذكورٌ، وأربعٌ إناثٌ.

الذكرُ هُم: القاسمُ، وعبدُالله، وإبراهيم.

والإناثُ هنَّ: زينبُ، ورقيَّةُ، وفاطِمَةُ، وأمُّ كُلثومٍ.

ومنَ المُتَفَقِ عليهِ أيضاً، أَنَّ جميعَ أولادِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أُمُّهُم السيدةُ خَديجَةُ بنتُ خُوَيْلدٍ، إلاَّ إبراهيمَ، فإنَّ أمَّهُ مارِيةَ القبطيَّةَ.

 

ومنَ المُتَفَقِ عليهِ كذلكِ أنَّ زينبَ هيَ أكبرُ بناتِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واخْتَلَفَ الرُّواةُ في الثلاث الباقيات، أيَّتُهُنَّ وُلِدَتْ أوَّلاً. والراجحُ أنَّهُنَّ على هذا الترتيب: رقيةَ، ثم فاطمةَ، ثم أُمَّ كلثومٍ.

نحنُ نعرفُ أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم تَزوّجَ خديجةَ قبلَ النبوّةِ بخمسَ عشرةَ سَنَةَ أو أكثرَ، وكُلُّ أولادِهِ منها وُلِدُوا في هذهِ المُدَّةِ، إلا عبدَالله، ولذلك يُقالُ لهُ: الطّاهرُ، والطَّيِّبُ، لكونهِ وُلدَ في الإسلامِ.

نَشَأَتْ رُقَيَّةُ في مكةَ، وترعرعتْ في عزِّ البيتِ الهاشميِّ، الذي يُعَدُّ في قمَّةِ الشّرفِ القرشيِّ. أبوها محمدٌ بنُ عبدِالله، «الصادقُ الأمينُ» كَما سمّتهُ قريشُ في الجاهلية، ثم سَيِّدُ البشرِ بالنبوّةِ.

 

وهو الذي بلَغَ برُّهُ وحنانُهُ ورقّتُهُ وحِلمُهُ درجةً ساميًة، بحيث لمْ يضربَ طفلاً قطُّ ولا خادِماً، وكان يُلاعِبَ الأطفالَ حتَّى يجعلَ مِنْ نفسِهِ جَمَلاً لهم يركبونَهُ، وكانَ إذا ركبهُ طفلُ وهو يصلِّي لا يزعجُ الطِّفْلَ أبداً.

أمُّها خديجةُ بنتُ خُوَيْلدٍ، القرشيَّةُ الأسَديَّةُ، المشهورَةُ في مكّةَ بلقبِ «الطاهرة»، وكانتْ وافُرَةَ المالِ والعقلِ والجمالِ، وأخبارُها في رعايةِ بيتِها مشهورَةٌ، فهيَ من خيرِ الأزواجِ لبّعْلها، وخيرِ الأمُّهاتِ لأولادِها.

تمتَّعَتْ رُقيّةٌ بنشأةٍ كريمةٍ في ظلِّ نعيمٍ وغِنى، حتى بلغتْ سنّ الزّواج، وكانَ زواجُ البناتِ مبكّراً نِسْبياً في البيئةِ المكِّيةِ، فخطبها شابٌ قريبُ القرابَةِ لها، إنّه ابنُ عمِّ والدها. هذا الشابُّ هو عُتْبَةُ بنُ أبي لهبٍ.

 

ولما جاءَ الإسلامُ، تبعت رقيَّةُ أباها مع أمِّها وأخواتها، وآمنَتْ باللهِ ورسولهِ، ووقفَ أبو لهبٍ – ومعهُ زوجتهُ – ضِدَّ الإسلامِ بكلَّ صَلابةٍ وعِنادٍ، حتَّى نزلَ قولُه تعالى(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) سورة المسد.

فازدادَ غَضَبُ أبي لهبٍ وزوجته، وأمَرا ولدهُما عتبةَ بالانفصالِ عَنْ رُقيَّةَ، «ولمْ يَكُنْ دخَلَ بها، فأخرَجَها اللهُ مِنْ يدهِ، كرامةً لها، وهواناً لهُ» كما يقول ابنُ هشامٍ في السيرة.

تقدَّم لخِطبةِ رقيَّةَ رجلٌ من أشرافِ قريشٍ ومشاهيرها، كانَ قد أسلمَ، وهو عثمانُ بنُ عفانَ فوافَقَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، وتمّ الزّواحُ.

 

وتذكرُ السِّيَرُ أنَّ رقيَّة كانَتْ ذاتَ جَمالٍ بارعٍ، وأنَّ عثمانَ كان وضيئاً حسناً جميلاً، ولذلك كانَ من أهازيجِ القُرَشِيَّاتِ في هذا الزواج:

* أحسنُ زوجين رأى إنسانُ *

                                      * رقية وزوجُها عثمانُ *

وقالتْ سُعْدى خالَةُ عثمانَ:

                                   وانُكَحَهُ المبعوثُ إحدى بناتِهِ

فَكانا كَبَدْرٍ مَازَجَ الشمسَ في الأُفْقِ

 

ولمَّا اشْتَدَّ أذى قريشٍ للمؤمنينَ بمكةَ، أمرَهُم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بالهجرةِ إلى أرضِ الحَبَشَةِ، فكانَ عثمانُ بن عفانَ ورقيَّةُ أوَّل خارجٍ إليها.

وفي دارِ الغُرْبَةِ عاشَتْ مع زوجها عيشةً قاسيةً، وحملت حَمْلَها الأوَّل ولكنّهُ أُسْقِطَ، ثمّ حملت مرةٌ أخرى وولدت طفلاً سمَّياهُ عبدَالله عاش بضع سنين، ثم نقره ديكٌ في وجههِ، فتورّمَ، وشاءتْ إرادةُ الله أنْ يموتَ بسببِ ذلكَ، ثم لم تحملْ رقيّة بعده.

وبينَما المؤمنونَ في أرضِ الحبشة، سرتْ بينهم إشاعَةٌ قويَّةٌ أنّ أهلَ مَكَّةَ أسلموا، فرجع َفريقٌ منهم إلى مكة حيث تبينَّوا أنَّ الخبرَ كان باطِلاً، وكانَتْ رقيَّةُ وزوجُها فيمَنْ رجعَ إلى مكَّةَ.

 

ولم تكدْ رقيّةُ تعودُ إلى والديها ووطِنها، حتى تتابَعَتْ الأحداثُ الأليمةُ عليها وعلى الأسرة النبوية:

– ماتَتْ خديجَةُ، أُمّها، وفقدَ البيتُ النبويُّ راعيتَهُ الرَّءومَ الحنونَ..

– وفي العامِ نفسهِ مات أبو طالبٍ عمّ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، الذي كانً يُجيرُهُ مِنْ قُريش …

– وتعرَّضَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم لأنواعٍ منَ الأذى لمْ تَكُنْ تنالُهُ من قَبْلُ.

 

وهكذا توالَتْ على رُقيَّةَ الأحزانُ: غربةٌ في ارضِ الحبشةِ ذاقَتْ فيها فَوقَ الوِحْشَةِ الثُّكْلِ بفقدِ وليدِها عبدِالله، ثمَّ بفقدِ أُمِّها.

وأَلَمٌ خانقٌ وهي تَرَى أباها محزوناً يتعرَّضُ للأذَى. وتَتَعَرَّضُ لغُرْبَةٍ جديدةٍ إذْ هاجَرَتْ مع زوجها مرَّةً أخرى إلى المدينةِ، تارِكَةً أباها في مكّةَ.

ولَمْ يُكْتَبْ لها أن تَحملَ من جديدٍ، خاصَّةً مع زيادَةِ ضعفِ صحَّتها. ثمّ تُصابُ بالحصبَةِ، والحصبةُ في الكبارِ قد تكونُ مميتةً.

 

وصادَفَ ذلكَ خروجُ المسلمينَ إلى غزوة بدرٍ. ولاحظَ سيدُنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّ العلَّةَ تَزداد برقيةَ، فأمرَ زوجَها عثمانَ بنَ عفان ألاَّ يخرجَ معهم إلى بَدرٍ وأن يبقى لتمريضِ رقيّةَ.

وفي اليوم الذي جاءَ فيهِ الخبرُ ببُشرى النصر في بدرٍ (رمضان سنة 2 هــ) كانَ عُثمانُ قد أهالَ التُّرابَ على الجسدِ الطاهرِ، جسدِ زوجتِهِ رقيّةَ بنتِ سيِّد البشرِ.

 

واختلَطَتْ أحزانُ القلوب بأفراح النصر يوم بدرٍ. ولمّا عادَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، خرج إلى قبر رقيّةَ وناجاها، وفاطِمةُ أختُها على حافةِ القبر تبكي، ومعها أختُها أمُّ كلثومٍ. وارتفعَ نشيجُ النساء بالبكاءِ، ورسولُ الله يمدُّ يدهُ الطاهرةُ بطرفِ ثوبِهِ يُجَفِّفُ دموع فاطمة.

رضي الله عن رقيةَ، فهيَ من المؤمناتِ، المهاجراتِ الهجرتين المبايعاتِ، الصابراتِ. وصلى الله على محمدٍ وآلهِ الأطهارِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق