البيولوجيا وعلوم الحياة

نبذة تعريفية عن “الحيوانات الأولية” وطريقة تصنيف العلماء لها

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثامن

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الحيوانات الأولية البيولوجيا وعلوم الحياة

نحنُ نعلمُ أنّ أجسامنا وأجسامَ الحيواناتِ التي نراها من حولنا مُكوَّنة من عَددٍ كبيرٍ جداً من الخلايا، وتتعاونُ هذه الخلايا في أداء وظائف الحياةٍ.

ولكنَّ هناك حيواناتٍ أُخرى لا نَراها عادةً بأعيننا – أجسامها غيرُ مُقسَّمةٍ إلى خلايا، بل هي مُكوَّنةٌ من خَليَّةٍ واحِدةٍ.

وهذه الحيواناتُ «وحيدةُ الخليةِ» صغيرةُ الحجم وبسيطة التركيبِ، ولذلك تُعرفُ باسمِ «الحيوانات الأوَّليةِ». وهي تُعرف في التصنيفِ العلمي باسم «بروتوزوا»؛ وهذه كلمة مركبة من لفظتين إغريقيتين (يونانيتين)، «بروتو» وتعني «أوَّلي» و «زوا» وتعني حيواناتٍ.

 

ولكننا لا ننسى أبداً أنَّ الخليّة  الواحدةَ التي تُكوِّنُ الحيوانَ الأوَّليِّ، هي في الواقع حيوانٌ كاملٌ، وتقومُ بجميع وظائف الحياةِ، وليست جُزءاً صغيراً من حيوانٍ، كما هي الحالُ في الحيوانات  الأخري.

ومُعظمُ الحيواناتِ الأولية ضئيلٌ لا يُرى إلاّ بالمجاهِر، فيٌقاسُ بالميكرومترات أي بأجزاءٍ من ألفِ جُزءٍ من المليمتر!! ولكن بينها ما يبلغُ بضعةَ ملِّيمتراتٍ كاملةٍ، كالحيوان المسمّى «ستنتور»، فهي عمالقةٌ بين تلك الأقزام.

كذلك مِنها أجناسٌ تُسمى «المُنْخَرباتِ» (الفورامينيفرا)، تُفْرِزُ حول أجسامِها قواقعَ من الجير يمكنُكَ أنْ ترى بعضها بعينيك المُجرَّدة بين حباتِ الرمال على شواطئ البحار..

 

بل إن قواقع بعض أنواعِها التي  كانت تعيشُ في العُصورِ الماضيةِ تبدو كأنَّها قِطعُ النَّقْد الصَّغيرةِ، حتى إنَّ الناسَ حينَ يَجدونَها في الصُّخورِ يُسَمُّونَها «فُلوسَ الملائكةِ».

والحيواناتُ الأوليةُ من أنجح مجموعاتِ الحيوانِ في استعمارِ كوكبِ الأرضِ، فهي لا تترك بيئة مائية إلا غزَتْها .. فإنكَ سوفَ تراها بمِجْهَركَ في نُقطةٍ من حَفْنةٍ مُتخلِّفةٍ من ماءْ المطرِ، أو في قطرةٍ من ماءِ النَّهر أو المُحيطِ العظيم ..

وسوف تراها في مياه الينابيع الحارة، أو بين جليد القطبين، وفي الجداول الصافية، أو المستنقعات الآسنة (المُتَعَفِّنة)!! بل إنَّ غُلالاتِ الماء الرَّقراق حول حُبيبات التُربة الرَّطبةِ لا تخلو من بعضِ أنواعِها..

 

وهي فضلاً على ذلك، غَزَتْ أجسامَ جميعِ الحيوانات الأخرى، وكثيراً من أنواع النبات.. وإنكَ سوف تجدُها في الهواءِ أيضاً، لأنها تعيشُ في داخلِ أجسام الطيورِ والخفافيش والحشرات.

وحياةُ الأميبا مثالُ جيدٌ يوضحُ لنا حياةَ الحَيوانات الأوَّليةِ، بصفةٍ عامةٍ. فالتنفسُ وإخراج الموادَ الضارَّةٍيحدثان بالانتشار، من خلال غشاء الجسم الرقيق، بين جسم الحيوان والماءِ المحيطِ بهِ، أما الماء الزائدُ فيتجمّعُ في فجوةٍ تأخذُ في النموِّ حتى تنفجرُ مُفْرِغةَ محتوياتِها إلى خارج الجسم.

ولذلك تسمى «الفجوة المنقبضة». أما الغذاءُ فيُهضَمُ في داخل كُراتٍ صغيرةٍ تدورُ في الجسمِ، تسمى «الفجوات الغذائية».

 

ويُوجدُ في جسم مُعظم الحيوانات الأوليةِ نُواةٌ واحدةٌ، وهذا طبيعي لأنَّ هذا الجسم يُقابلُ خليَّةً واحدةً. والنواةُ – كما نعلمُ – هي التي تُشرفُ على مناشط الخليةِ كُلَّها وتكاثُرِها، وفيها سِجلّ الخصائص الوراثيَّةٍ.

ولكنَّ الحيوانات الأوليةِ ذواتِ الأهدابِ يُوجدُ فيها صِنْفانِ من النَّوى: نواةٌ كبيرةٌ تختصُّ بمناشطِ الحياةِ، ونَواةٌ صغيرةٌ تختصُ بالتكاثر.

والنواةُ الكبيرةٌ قد تتخذُ أحياناً أشكالاً غريبةً، فهي تُشبهُ الكُلْيةَ، كما في الباراميسيوم، أو الشريط، كما في فورتيسلا، أو السّبحةَ، كما في ستنتور.

 

والحيواناتُ الأوليةُ قادرةٌ على الإحساس بما في الوَسط المُحيط بها: مِن ضَوْءٍ وحَرارةٍ، ومَوادَّ كيميائية، وتذَبذُب وحركةٍ، والعقباتُ التي تعترض طريقها والأعداءُ التي تُريدُ أن تفتكَ بها.. وهي تستجيبُ لهذا كلَّهِ بالحركةِ المُناسبةِ، مُتجهةَ نحو ما يُلائمُها، ومبتعدةً عمَّا يُؤذيها.

وهي تتحرَّكُ بأعضاء صغيرةٍ في الخَليةِ؛ ولذلك نسميها «عُضَيَّات الحَرَكة». وأبسطُ هذه العُضيّات بُروزات تندفعُ من الخلية في اتجاهِ الحركةِ، تُسمى «الأقدامَ الزَّائفةَ أو الكاذبةَ»، وذلك لأنها أرجُلٌ تظهرُ ثم تختفي.. وهذه هي عُضيَّات الحركة في الأميبا التي تزحفُ بِها وتَتَصَيَّد غذاءها.

أما اليوجلينا فيه تتحركُ في الماءِ مُستخدمةً زائدةً طويلةً كالخيط تُسمى «السوط»، وهي تتحركُ إلى الأمام، وهي تدورُ وتترنَحُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمال.

(ولليوجلينا سِوطٌ آخرُ قصيرٌ لا ينْفَعُها في الحركةِ). وأما الباراميسيوم فجسمُهُ كلُّهُ مُغطى بزوائدَ قِصارٍ تُسمى «الأهدابَ».

 

وتُحدِثُ الأهدابُ حركةً موجيةً فوقَ سطحِ الحيوان، هي التي تدفعهُ في الماء، متقدَّماً إلى  الأمام أو متراجعاً إلى الخلفِ في مسارٍ حَلَزوني وهو يدورُ حولَ نَفْسِهِ.

والعجيبُ أنّ المجهر الإلكتروني قد أظهرَ أنَّ التركيبَ الدقيقَ للأهدابِ التي توجدُ في جِهازنا التنفسي، وتتحركُ لِطردِ الغُبارِ الذي قد يدخل صُدورَنا مع الهواء الذي نتنفسَّهُ، هو نفس التركيب الدقيق لأهداب الباراميسيوم.

ولليوجلينا نقطةٌ حسَّاسةٌ للضوء بالقربِ من قاعدةِ سوطها الطويل، وتقعُ هذه النقطةُ أمامَ بُقعةٍ واضحةٍ من صبغٍ برتقالي أحمر، تُسمى «البُقعة العينيَّة».

وهكذا تستطيع اليوجلينا أنْ تُحدد الضّوْءِ وتتجه إليه. وهذا أمرٌ مهِمٌ بالنسبةِ لها لأنها تعيشُ في مُعظمِ أوقاتِها على البناءِ الضَّوئي. والباراميسيوم يستخدمُ أهدابَهُ في تَجنبِ العقبات التي تعرضُ طريقَهُ. بطريقةٍ طريفةٍ.

 

أما الفورتيسلا فتستطيع أنُ تثبِّتَ ساقَها بشيء ترتكزُ عليهِ، أمّا جِسمُها الذي يُشبِهُ الناقوسَ، فعلى قِمَّتِهِ أهدابٌ تخفقُ باستمرار.

فإذا ما أحسَّتْ بِخطرٍ داهِم تَكوَّر الناقوسُ، والتفَّتِ على نفسِها، وقَصَّرتْ مُبتعدةً عن مَصْدر الخطرِ. وتستطيعُ الفورتيسلا أيضاً أنْ تخلعْ ساقَها وتَسبَحَ هاربة.

والحيواناتُ الأوليةُ عالَمٌ بأسرِهِ، فيهِ الكائناتُ الوديعةُ، وفيهِ الكائناتُ المفترِسَةُ! وهذا متوقفٌ طبعا على طريقةِ الحيوان الأولي في حُصولِهِ على غِذائِهِ.

ومِنْ أوضحِ الأمثلة على ذلك ما يحدُث بين الباراميسيوم وعَدوَّهُ «دايْدينْيوم» (ذي النطاقين)، فالباراميسيوم يجمعُ غِذاءَهُ من البكتيريا مستخدماً أهدابَهُ في تَصْفِيَتِها من الماءِ، ثم يُدخِلُها في فمِهِ الصغير. أما الدايدينيوم فغذاؤهُ هو الباراميسيوم نفسُهُ.

 

فهو إذا صادفَ فرداً من البراميسيوم أطلقَ عليهِ سِهاماً دقيقةً لِيُقَيِّدَ حَرَكَتَهُ. ويُطلقُ الباراميسيوم من جسمِهِ خُيوطاً دقيقة طويلة للدفاع عن نفسِهِ، ولكنَهُ غالباً ما يفشلُ في ذلك، وعندئذٍ يحدُثُ شَيءٌ عجيبٌ: إذْ يتَّسِعُ قمُ الدايْدينيوم الصغيرُ، الموجودُ على طرَفِهِ الأمامي، لِيَبْتَلِعَ الباراميسيوم الذي يفوقهُ حجماً.

وفي نحو دقيقةٍ واحدةٍ يكون الباراميسيوم بأكمَلِهِ في داخل الدايْدينيوم، الذي يَهضمُهُ في بِضْعِ دقائقَ. وبعدَ نحو ساعتين فقط يكونُ الدايْدينيوم مُستعداً لابتلاع فريسةٍ جديدةٍ!

وفي مُعظم الأحيان تتكاثرُ الحيواناتُ الأوليةُ بالانشطار البسيط، طولاً في بعضِها وعرضاً في بعضِها الآخر، وبذلك يُصبحُ الحيوانُ الواحدُ حيوانين؛ أي أن الأمُّ تصبحُ بنتين! وفي بعض الأحيان ينشطرُ الحيوان الواحدُ لِيُصبِحَ عِدَّةَ أفرادٍ صغيرةٍ مرةً واحدة.

 

وفي بعضِ الأنواعِ يخرجُ من الحيوانِ بُرعُمٌ صغيرٌ ينفصلُ لِيُصبِحَ حيواناً مستقلاً. وهذه كُلُّها طُرُقٌ من التكاثر اللاتزاوجيِّ، إذْ إنَّهُ لم يحدُثْ فيها تزاوج بينَ فرديْن، ولكن يحدُثُ في كثير من الأنواع تكاثرٌ تزواجيَّ أيضاً.

وفي هذه الحالات تندمجُ خليةٌ ذكريةٌ بخليةٍ أنثوية، لِيُنتِجا حيواناً واحداً جديداً. وفي بعض الأحيان تحدثُ دورات حياةٍ مُعقدة، تتكاثرُ بعضُ أطوارِها تكاثراً لا تزاوجياً، ثم تتكاثرُ الأطوارُ الأخرى تزاوجياً.

وقد اعتادَ الناسُ تقديرَ الضِّخام من الأشياء، ولكنَّ الحيوانات الأولية صِغار الأحجام لها في الواقع أهميةٌ كُبرى. ففي البيئاتِ المائيةِ تكونُ هذه الحيواناتُ حلقةُ هامةٌ في سلاسلَ غذائيةٍ ينتهي كثيرٌ منها في فم الإنسان.

 

وعندما تموتُ الأنواعُ ذاتُ الهياكلُ الصلبةِ، تسقطُ كمياتُ هائلةٌ من قواقعها لتُكَوِّن رواسبَ تغطي قعورِ البحارِ والمحيطاتِ، ثم تتحول – مع الزمن الطويل والتغيُّرات الجيولوجية – إلى طبقاتٍ هائلةٍ من الصُّخور.

والطبقاتُ التي يتكونُ مُعظَمُها من قواقع المنخرياتِ (الفورامينيفرا) تُصبحُ صُخوراً جيريَّةً. أما الطبقات التي يتكوَّنُ مُعظَمُها من هياكلِ الشُّعاعياتِ (الراديولاريا) تُصبحُ صُخوراً سيليكيةً (رمليةً زُجاجيةً).

ويُمكِننا أن نقول إنَّ الحيوانات الأولية هي التي بَنَتْ أهرامات الجيزة، وهذه فٌكاهة فيها صِدقٌ، لأنَ الأحجارُ التي بُنيت بها الأهرامُ هي من صُنعِ حيوانات أوَليةٍ كانت تعيشُ في بِحار كانت تَغمُرُ المِنطَقةَ التي تُوجدُ القاهرةُ فيها الآن.

 

بيدَ أن أهمَ صلةٍ تقوم بين الحيوانات الأولية والإنسان، هي ما تفعلهُ أنواعُها المتطفَلة فيهِ وفي حيوانِهِ ونباتِهِ؛ فيُصيبُ الإنسانَ منها نحو ثمانيةٍ وعشرين نوعاً تعيشُ في قناتِهِ الهضميةِ، وفي دمِهِ وعضلاتِه وجِلْدِهِ ودِماغِهِ وقَلْبِهِ.

ويُسَببُ بعضُها للإنسان أمراضاً وبيلة؛ فمرض الملاريا (الذي تُسبِّبُهُ أربعةُ أنواع من جنس بلازموديوم) ما يزالُ القاتلُ الأول للإنسان، فهو يقضي على نحوِ مليون من البشر كلَّ عامٍ.

كذلك ليسَ من المبالغة في شيءٍ إذا قُلنا إنَّ اواسطَ إفريقيا لن تكتمل حُريتُها حتى يقضى على مرض النوم الذي يُسببهُ أحدُ أنواع التريبا نوسوما، في حينَ أنَّ نوعاً ثانيا منها يُصيبُ قُلوبَ المواطِنينَ في أمريكا الجنوبية بهبوطٍ مُميت.

 

وناهيكَ عن طفيلياتُ اللِّشمانيا التي تفتك بالناس في الشرق الأقصى، وتسبب «قرحة الشرق» في الشرق الأوسط، وطفيليات التوكسوبلازما الخطيرةِ، وما يفعلُهُ بنا الزُّحار الأميبي اللعين ومضاعفاتِهِ السَّيئة.

وهذا كُلُّهُ عدا الأنواع العديدةِ التي تُسبَّبُ خسائرَ فادحةً في الثروة الحيوانية من أسماكٍ وطيورٍ، وثدييات من ذوات الفِراء، أو أنعامْ اللحوم والألبان.

وهكذا نرى أن الحيوانات الأولية مجموعةٌ كبيرةٌ فيها صفاتٌ غريبةٌ، ولذلك لا يضعُها علماء التصنيف في عالَم الحيوان ولا في عالم النبات، وإنما يضعونها مع كائنات أولية أخرى وحيدة الخلية، مثل الطحالب والدياتومات في عالم «الطلائعياتِ».

 

ثم يُصَنِّفُ العلماءُ الحيواناتِ الأوليةِ بِطُرُقٍ مختلفةٍ، ولكنَّ أبسَطَها ما كان مَبنياً على أساسِ عُضيَّاتِ الحركةِ بها، مثل النظامِ الآتي:

1- شعبةُ السوطيات: حيواناتٌ أوليةٌ تتحركُ بالأسواط، مثلُ اليوجلينا، والتريبانوسوما، واللشمانيا.

2- شعبة اللحميات (الأميبيات): حيواناتٌ أوليةٌ تتحركُ بالأقدامِ الزائقةِ، مثلُ الأميبا والإنتاميبا (التي تُسبِّبُ الزُّحارَ الأميبي)، ومنها ما يَصنَعُ هياكِلَ صُلْبةٍ: من الجير ((المُنْخرَباتُ أو الفورامينيفرا) أو السيليكا ( الشعاعيات أو الراديولاريا).

3- شعبةُ البوغيات: حيواناتٌ أوليةٌ تكوَّنُ أبواغا (جراثيم)، وليس لها عُضِيَّات حركةٍ محدددةٍ، فكلها طُفيليات، ولمعظمها دوراتُ حياةٍ مُعَقَّدةٍ، مثلُ التوكسوبلازما، والبلازموديوم.

4- الهدبياتُ: حيواناتٌ أوليةٌ تتحركُ بالأهدابِ، وبها نواةٌ كبيرةٌ ونواةٌ صغيرةٌ، أو أكثرُ من واحدٍ، مثلُ باراميسيوم، ودايدينيوم، وفورتيسلا، وستنتور.. وفي بعض الأنواع تلتحمُ خُصلٌ من الأهدابِ لتكونَ «ذؤباتٍ» قويةَ، مثل يوبلوتس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق