علوم الأرض والجيولوجيا

نبذة تعريفية عامة عن الفوهة البركانية الـ”كالديرة”

1998 الموسوعة الجيولوجية الجزء الخامس

ترجمة أ.د عبد الله الغنيم واخرون

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الفوهة البركانية الكالديرة علوم الأرض والجيولوجيا

الكالديرة أو الكلديرة هي فوهة بركانية عملاقة تتكون بعد أن يفرغ البركان كميات هائلة من المواد المصهورة.

والواقع أن ثوران بركان جبلي القديسة هيلينز (Mount St. Helens) في جنوب ولاية واشنطن في 18 مايو/ 1980.

قد قذف 6 – كيلومتر مكعب من الصهير (الماجما –magma) وترك فوهة قطرها كيلومتران، وقد وصف هذا الحدث بحق بأنه حدث مثير.

 

فكيف إذاً يمكن وصف الثوران البركان الذي حدث على بعد 950 كيلومتر شرقي جبل القديسة هيلينز قبل نحو 600 ألف سنة؟

لقد أفرغ البركان 1000 كليومتر مكعب من الخفاف (pumice) والرماد البركاني وترك كلديرة (caldera) – أو فوهة بركانية هائلة – متطاولة بلغ أطول أبعادها 70 كيلومتراً.

ولقد جعلت تأثيرات التمويه، الذي نتج من وجود الغطاء النباتي والجليديات، أمر تعرُّف آثار هذا الثوران صعباً لكن أكثر الآثار وضوحاً هو ذلك الينبوع الفوار (geyser) المعهود الذي يقع في متنزه يلوستون (Yellowstone) القومي.

 

وعلى الرغم من ذلك فإن يلوستون هو نتاج عمليات بركانية تحدث بأكبر المقاييس: فهو كلديرة منبعثة (resurgent caldera) تقببت أرضيتها ببطء عبر آلاف السنين منذ ثوران البركان .

وتُعَدُّ الكلديرات المنبعثة أكبر الكالديرات الموجودة على سطح الأرض. لذلك فإن الثورانات البركانية ، كتلك التي أدت إلى تشكل يلوستون، يجب أن تدرج ضمن أعظم الكوارث التي حصلت في الطبيعة ، ولربما أمكن مقارنتها بارتطام كويكبة (asteroid) بالأرض .

ومن حسن الحظ ، فإن الكالديرات نادرة الحدوث. إذ لم تحدث أي منها عبر بضعة آلاف السنين من التاريخ المدون .

 

ولم يعرف في الولايات المتحدة غير ثلاث منها حدثت أثناء المليون سنة الماضية . فبالإضافة إلى الثوران الحاصل في يلوستون ، حدث ثوران قبل 70 ألف سنة شكَّل كلديرة الوادي الطويل (Long Valley) في كاليفورنيا. 

كما شكل ثوران آخر قبل مليون سنة كلديرة ڨالز (Valles) في نيومكسيكو (أصبحت كلديرة الوادي الطويل ذات أهمية خاصة هذه الأيام بسبب حدوث سلسلة من الزلازل الصغيرة في المنطقة) .

وهناك كلديرات مماثلة في العمر يمكن في النهاية إثبات حدوثها في أماكن أخرى من العالم، ومع هذا يحتمل أن يتبين أنه لم يحصل في المليون سنة الماضية أكثر من عشر منها في العالم بأسره.

 

ومن الناحية الأخرى أوضح المسح التفصيلي لجبال سان جوان في كولورادو، الذي قام به ت. أ. ستيڨن (Thomas A. Steven) و پ. و. ليپمان . (Peter W. Lipman) من هيئة المسح الجيولوجي الأميركية ، وجود ما يقارب 18 كلديرة حدثت قبل 20 إلى 30 مليون سنة.

كما أن كثيراً من مثيلاتها في العمر وجدت في مناطق أخرى مثل نيومكسيكو الجنوبية وأريزونا ونيفادا لقد أحرز علماء البراكين في العقد المنصر تقدماً كبيراً في فهم أصل تكون الكلديرات المنبعثة العملاقة والثورانات المدمرة التي تشكلها .

إن الآلية المبدئية لتشكل الكلديرة واضحة . فالقذف الفجائي لحجوم كبيرة من الصهير الواردة من حجرة الصهير (magma chamber) الواقعة على بعد بضعة كيلومترات تحت سطح الأرض يزيل فجأة دعامة سقف الحرة فينهار ذلك مخلفاً كلديرة على سطح الأرض .

 

إن الدراسة التقليدية المتعلقة بجيولوجية البراكين في اسكتلندا ، التي نشرها في عام 1909 الباحثون س. ت. كلاف (C. T. Glough) و هـ. ب. موفي (H. B. Maufe) و إ. ب. بيلي (E. B. Bailey) قد وفرت أول توضيح لهذه العملية التي أسموها هبوط المرجل (caudron subsidence) وهذه العلمية تحدث بمقاييس واسعة النطاق مخلفة كلديرات تتراوح أقطارها ما بين بضعة كيلومترات إلى 50 كيلومتراً أو أكثر .

وبصرف النظر عن الحجم الحقيقي فإن المظهر المميز للكلديرة المنبعثة يكمن في الارتفاع البطيء لقاعها الذي ينتج في الغالب من اندساس صهير جديد في حجرة الصهير التي كونت الكلديرة الأولى .

 

ومقدار الارتفاع الرأسي يمكن أن يزيد على كيلومتر واحد . لذا فإن الكلديرة تختلف عن البركان العادي في انها منخفض واسع ذو كتلة صخرية مركزية.

وأول من لاحظ ظاهرة الانبعاث هو الجيولوجي الهولندي(ر.و. ڨان بيملين) (R. W. van Bemmelen) في عام 1939 أثناء دراسته الكلديرة (طوبا) (Toba) في شمال سومطرا.

وقد قدر أن أرضية الكلديرة قد هبطت بمقدار كيلومترين اثنين مؤدية إلى تشكل بحيرة عميقة ، ثم ارتفعت الأرضية من جديد بضع مئات من الأمتار لتشكل الجزيرة المعروفة باسم جزيرة ساموسير (Samosir) في وسط البحيرة .

 

واليوم تمثل طوبا أكبر كلديرة منبعثة معروفة ، إذ يبلغ أطول أبعادها مئة كيلومتر تقريباً . ومع ذلك فإن طوبا لم تأخذ حقها من البحث نسبيًّا كما أن تفاصيل الانبعاث قد درست على نطاق واسع من قبل جيولوجيي هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الذين درسو كلديرات جنوب غرب أميركا .

وبالفعل فإن أول من أدخل مصطلح الكلديرة المنبعثة هما ر. ل. سميث (Robert L. Smith) ور. س. بيلي (R. S. Bailey) عام 1962 من هيئة، المسح الجيولوجي الأميركية.

هناك صفة أخرى للكلديرات المنبعثة يمكن تتبعها للوصول إلى طبيعة العمليات البركانية . ففي اي ثوران بركاني يمكن أن يندفع الصهير الذي يصل إلى سطح الأرض ، في ثلاثة أشكال : اللابة (lava) والمواد المتساقطة من الهواء (air- fall material) والتدفق الحطامي – الناري ،  (pyroclasic folw) .

 

أما اللابة فهي ببساطة الصهير الذي يصل إلى السطح ثم ينتشر على شكل سائل وتتصلب في صخور نارية تتبلور بشكل ناعم أو تصبح زجاجية .

وبحسب تركيب الصهير، فإن الصخور تشغل نطاقاً يمتد من البازلت الذي هو مادة رمادية داكنة فقيرة بالسليكا (SiO2) ، إلى صخور الأنديزيت (andesite) والداسيت (dacite) وحتى الريوليت (rhyolite) الذي هو مادة رمادية فاتحة غنية بالسليكا .

تتألف المواد المتساقطة من الهواء من الخفاف (مادة زجاجية رغوية)  ومن جسيمات أدق من الرماد والغبار. (تطلق كلمة غبار على الجسيمات التي يقل قطرها عن 4 ميكرومترات . وتدعى الجسيمات التي يتراوح قطرها بين 4 و 63 ميكرومتراً بالرماد الناعم) .

 

وتنشأ هذه المواد عندما تُحْمَل أجزاء الصهير المتصلبة نحو الأعلى إلى الجو بواسطة غازات الحمل الحارة جدًّا .

يتألف التدفق الحطامي – الناري أيضاً من الخفاف والرماد والغبار. غير أن المادة البركانية هنا تشكل سحابة أرضية متوهجة تتحرك على سطح الأرض بسرعة تصل إلى 100 متر في الثانية ، تطفو نحو الأعلى وتتميع بفعل الغاز الحار. وفي الغالب ترسب السحابة حطاماً من الخفاف وأجزاء منه على بعد عشرات الكيلومترات من مركز الثوران .

إن معظم الثورانات البركانية تُنْتِج لابة ورماداً متساقطاً ، أما التدفق الحطامي – الناري فهو أقل شيوعاً، ومع ذلك ففي الثورانات التي تكوّن الكلديرات المنبعثة فإن االتدفق الحطامي – الناري يمثل الجزء الاكبر من المقذوفات.

 

وفي الحقيقة فإن التدفق الحطامي – الناري غالباً ما يتجمع في كلديرة حديثة التكوين بسمك يزيد على 1000 متر، وفي أسفل هذا الركام تلين الحطاميات الخفافية ويلتحم بعضها مع بعض منتجة صخراً مميزاً واضحاً.

وقد أطلق عليه پ. مارشال (P. Marshall) أثناء دراسته الصخور الناتجة من التدفقات الحطامية – النارية في نيوزيلندا عام 1932، اسم اكنمبريت (ignimbrite) أو صخر الغيوم الملتهبة.

ويطلق هذا الاسم الآن على الترسبات الناتجة من التدفق الحطامي – الناري الخفافي سواء أكان الحطام ملتحماً أم لا، ويعد وجود سماكات كبيرة من الاكنمبريت الملتحم دليلاً ممتازاً على وجود كلديرات قديمة .

 

إن الكلديرات المنبعثة كبيرة ، كما أن المواد المقذوفة التي تنتج منها أثناء الثورانات ذات حجوم هائلة، ومع ذلك فإنه ليس من السهل تمييزها لأن حجمها الكبير يموه معالمها في كثير من الأحيان.

وقبل سنوات قليلة قام ب. فرانسيس، و. س. و. بيكر (M. C. W. Baker) بالحبث عن الكلديرات في سلاسل الأنديز في أميركا الجنوبية مستعينين بصور التقطتها الأقمار الصناعية لاندسات.

وقد اعتمد البحث على الميزات الأعظم التي يتفوق بها التصوير الفضائي على التصوير الجوي التقليدي، إذ أن ارتفاع المركبة الفضائية (إلى علو 900 كيلومتر) يعطي منظراً شموليًّا للبنى الضخمة على سطح الأرض لا يمكن الحصول عليه بطرق أخرى. وقد تمكنا من تمييز كلديرتين أساسيتين كانتا سابقاً غير مكتشفتين بالمسوحات الجيولوجية .

 

إن الكلديرة الأكثر لفتاً للنظر من بينهما هي كلديرة سيروكالان (Cerro Galan) في شمال الأرجنتين التي يبلغ قطرها 34 كيلومتراً والتي يحيط بها شريط أخاذ من صخور الاكنمبريت الممتدة إلى مسافة تتجاوز 70 كيلو متراً من حافة الكلديرة نفسها.

وقد تبين فيما بعد أن هذه الكلديرة قد لوحظت من قبل فريدمان (J. D. Friedman) من هيئة المسح الجيولوجي الأميركية. هيكن (Grant H. Hciken) من مركز جونسون الفضائي بواسطة الصور التي التقطتها مركبة الفضاء سكاي لاب (Skylab 4) في عام 1974.

إن الكلديرة كانت صغيرة العمر (26 مليون سنة) وواضحة البنية بحيث لم يبق شك في ماهيتها.

 

أما الكلديرة الثانية فكانت أقل وضوحاً، فقد دلت صور لاندسات أن صخور جبال كاري كاري (Kari Kari) في بوليڨيا، التي ترتفع خمسة كيلومترات؛ تمثل على ما يبدو مركز كلديرة منبعثة قديمة وكبيرة.

ومع هذا فقد أوضح المسح السابق لجبال كاري كاري بأن الكتلة كانت باثوليتا أي كتلة ضخمة من الصخور النارية الخشنة التبلور تصلبت في قشرة الأرض ثم تكشفت لاحقاً بواسطة الحت.

وسرعان ما أكدت الأعمال الحلقية في الموقع صحة ذلك، فالنسيج الملتحم لصخر الكتلة بيَّن بشكل مقنع أن الصخر هو اكنمبريت.

 

إن مركز الانبعاث هو الدليل المتبقي من كلديرة كان أطول أبعادها في البداية يقدر بنحو 36 كليومتراً وعمرها يقارب 20 مليون سنة .

الحلقية في الموقع صحة ذلك، فالنسيج الملتحم لصخر الكتلة بيَّن بشكل مقنع أن الصخر هو اكنمبريت. إن مركز الانبعاث هو الدليل المتبقي من كلديرة كان أطول أبعادها في البداية يقدر بنحو 36 كليومتراً وعمرها يقارب 20 مليون سنة .

يمكن أن يعتقد المرء، لأول وهلة، بأن المكان الأفضل لحدوث الاندفاع الذي يشكل كلديرة منبعثة هو نطاق الغوص (subduction zone)، وهو الحد الواقع على سطح الأرض الذي تنزلق عنده صفيحة ذات قشرة محيطية تحت صفيحة قارية وتغوص في الوشاح الواقع تحتها.

 

وعدا ذلك فإن نطق الغوص هي مواقع نشاط بركاني وزلزالي شديد. وفي مثل هذا الموقع توجد كلديرة طوبا في سومطرا. غير أن الوضع الجيولوجي في معظم الحالات هو أقل وضوحاً.

فأغلبية الكلديرات الأصغر سناً في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقع على بعد مئات الكيلومترات من أي نطاق من نُطُق الغوص الحديثة.

ومع ذلك فالكدلديرات المنبعثة لا تتوزع بشكل عشوائي على سطح الأرض . فصخور الاكنمبريت ، التي تميزها، نتنتج من اندفاع صهير الداسيتي والريوليتي ، وهو مواد لزجة غنية بالسليكا تنتج عادة في المناطق ذات القشرة القارية السميكة .

 

لهذا فإن الكلديرات المنبعثة يمكن أن تتشكل في مناطق القشرة القارية المميزة حيث العلامة الحرارية (بقعة ساخنة hot spot) في (وشاح) الأرض كبيرة ومستمرة بشكل كاف لصهر حجوم هائلة من الصخر.

ولا تصهر هذه البقعة القشرة القارية مباشرة، بل تصهر جزءاً من الوشاح لتكوِّن صهير بازلتي ثم يرتفع إلى أعلى فيصهر الصخور الموجودة في المحتويات القليلة العمق.

لنأخذ بعض كلديرات محددة. فكلديرة يلوستون في الولايات المتحدة تقع عند النهاية الشمالية الشرقية لمسلك بركاني نشط يبدأ في ولاية ايداهو (Idaho) بالصخور البازلتية لسهل نهر الثعبان (Snake River).

 

لقد تحركت بؤرة النشاط البركاني خلال الـ 15 مليون سنة الأخيرة على طول المسلك البركاني إلى موضعها الحالي في وايومنك (Whoming) ربما استجابة لحركة الصفيحة التي تتضمن قشرة أميركا الشمالية القارية فوق علامة حرارية ثابتة في الوشاح.

وقد وُجِد عدد آخر من الكلديرات التي لا يزيد عمرها على بضعة عشرات من ملايين السنين في نطاق يتجاوز عرضه عدة مئات من الكيلومترات في نيفادا وأريزونا ويوتا ونيومكسيكو.

وتقع أصغر الكلديرات عمرا في هذه المجموعة على جوانب انهدام ريوكراند (Roi Grande Rift) الذي يمتد مئات الكيلومترات شمالاً عبر نيومكسيكو وحتى كولورادو.

 

ويُعتقد بأن القشرة الأرضية في منطقة انهدام ريوكراند قد ترققت مما أدى إلى حدوث الانهدام نفسه. كما يعتقد أن حادثة مماثلة قد سببت حدوث انهدامات في القشرة المحيطية قرب العديد من أقواس الجزر في المحيط الهادي.

وفي مثال انهدام ريوكراند يمكن أن تكون رقة قشرة الأرض قد سمح للحرارة المنبعثة من الوشاح أن تعمل بفعالية شدية .

ومن الممكن أن تكون هناك مواضع أخرى . ففي الأرجنتين وبوليڨيا لم تتشكل كلديرات منبعثة على طول السلاسل الجبلية البركانية للأنديز فحسب بل أيضاً في سلسلة جبلية ثانية تقع على بعد أكثر من 200 كيلومتر إلى الداخل.

 

وهنا لا نجد دليلاً واضحاً على ترقق القشرة بل على العكس فإن سماكة القشرة القارية قد تزيد على 40 أو 50 كيلومتراً تحت كلديرتي سيرو كالان وكاري كاري.

ويعتقد بأن قنوات إيصال الصهير إلى سطح السلسلة الجبلية الداخلية قد تطورت بفعل إجهادات شد محلية، أي بفعل تشققات القشرة الناتجة من ضغط الصهير المتحركة نحو الأعلى بسبب طفوها.

يمكن تعرُّفُ عدد من الأحداث التي تحصل أثناء تطور الكلديرة النموذجية: التقبب السابق لتَكَوُّن الكلديرة فانهيار الكلديرة فاندفاع المواد المتساقطة هوائيا والتدفقات الحطامية – النارية فالانبعاث اللاحق للكلديرة وأخيراً الاندفاع المتأخر للابة.

 

إن التقبب السابق للكلديرة هو ارتفاع سطح الأرض الذي يسبق اندفاعاً ضخماً. ويحدث ذلك عندما يندس حجم هائل من الصهير على عمق ضحل في قشرة قارية، منتجاً پلوتونا أو حجرة صهير، بحيث يمكن أن يتوضع سقفها على عمق السطح.

ويولِّد التقبب حقل إجهادات شد موضعية في صخور السطح، وهذه الإجهادات مهمة للحدث التالي من التطور وهو انهيار الكلديرة.

ومع ذلك فهناك غموض في الأمر. فهل يسبب ضغط حجرة الصهير إلى أعلى عجزاً في الصخر الذي يكون سقف الحرة سامحاً للصهير بالإنفلات إلى السطح على طول كسر (fracture) كبير حلقي الشكل ينشأ فوق محيط الحجرة؟

 

ولكن انفلات الصهير سيفتح حيزاً تحت سطح الأرض يُمْكِن الحجرة في الصهير ويفتح أثناء ذلك الكسر الحلقي الشكل الذي تندفع الصهير على طوله؟

لقد دلل ت. هـ. درويت (Druitt T. H.) و ر. س. ج. سباركس (R. S. J. Sparks) من جامعة كامبردج بأنه سواء أكان الهبوط هو سبب الاندفاع أم نتيجة له، فإن الكسر الحلقي الذي سيصبح جداراً للكلديرة يجب أن يكون عمودياً أو أن يكون جرسي الشكل إلى الخارج مع ازدياد العمق وذلك ليستوعب معدل الاندفاع والسقوط الشبيه بحركة المكبس الذي يحث للسقف.

 

تكون درجة حرارة الصهير في أعلى حجرة الصهارة بين 700 إلى 1000 درجة وتكون غنية بالغازات الذائبة التي يحتل بخار الماء المقام الأول بينها.

يرتفع الصهير نحو السطح على طول الكسر الحلقي المنفتح حديثاً، إذا وصلت إلى عمق يقارب الكيلومتر الواحد تحررت الغازات من المحلول بقوة.

وهكذا فالغازات لا تخرج بشكل فقاعات فحسب، بل إنها بدلاً من ذلك تدفع الصهير جانباً. إن العملية الحقيقية معقدة، أما النتيجة فهي بسيطة.

 

فالصهير المنفلت من الحجرة باتجاه السطح يتحول إلى خفاف ويتجزأ بشكل انفجاري إلى قطع صلبة متوهجة تتراوح حجومها بين الميكرومترات والأمتار.

يكمن مفتاح فهم تأثير الثوران الضخم المشكل للكلديرة في عمل الخليط المتوهج المكون من الغبار والرماد والخفان والغازات المتحررة عندما تنفِّس (vent) على السطح.

ولقد تم تحليل حركة التنفيس من مجموعة علماء بينوا أنه عندما تكون سرعة الثوران كبيرة وتكون الفتحة صغيراً نسبيًّا (قد يكون قطرها 50 مترا) فإنه يتشكل عمود ثوران يتطور ليرتفع عشرات الكيلومترات في الجو. (وقد وصل عمود ثوران جبل سانت هيلين إلى ارتفاع 20 كيلومتراً تقريباً).

 

ولا بد من التأكيد على أن الخفاف في العمود لا يكون مدفوعاً من الفوهة إلى الأعلى بشكل بسيط كالرصاصة المنطلقة من البندقية. فالطاقة في العمود مباشرة فوق الفوهة هي إلى حد كبير طاقة حركية. والسرعات إلى أعلى تصل إلى مئات المتار في الثانية.

وكلما ارتفع الخفاف فإنه يأخذ بالتباطؤ السريع. ولا يبتاطأ بفعل الجاذبية فحسب بل بسبب الكبح الايرودينامي أيضاً.

وتبدأ عقب ذلك عملية ثانية لتسهم في إعطاء الطاقة. فالمجموعة المتباطئة المكونة من خفاف متوهج ورماد وغاز تُحمل معاً وتسخن الهواء حول العمود.

 

ونتيجة لذلك تصبح المواد المتجمعة طافية ثم تبدأ بعدها بالارتفاع بالحمل كما يمكن أن تتسارع أعلى مرة أخرى.

إن أعمدة الثوران المرتفع بطريقة الحمل هي أساس ما اصطلح على تسميته ثوران پليني، نسبة إلى پليني الأب (Pliny the Elder) الذي كان وصفه لبركان فيزوف (Vesuvius) عام 1979 أو مثال موثق. ويمكن للحمل أن يدفع عمود پليني إلى ارتفاعات تصل إلى 50 كيلومتراً.

إن أعمدة پليني الضخمة يمكن أن تشير إلى بدء الانهيار المدمر الذي يشكل الكلديرة، ومع استمرار الثوران فإن أعمدة پليني تفسح المجال بشكل نموذجي للتدفقات الحطامية – النارية التي تشكل الجزء الأعظم من حجم المقذوفات. وأسباب ذلك متعددة.

 

إذ يمكن أن يتسع حجم الفوهة بانفجار الاندفاع الأول أو بسبب انهيار أرضية الكلديرة. كما قد تقل كمية الغازات في الصهارة تبعاً لانسداد المستويات السفلى من حجرة الصهيرة وفي هذه الظروف يصعب على عمود پليني أن يبقى قائماً ذاتياً، فيصبح أكثر كثافة من الهواء المحيط ولا يلبث أن ينهار.

وما زال من الممكن أن تصل إلى ارتفاع 10 كيلومترات تقريباً، غير أنها بدون تيارات الحمل التي تسندها تتراجع لتسقط حول الفوهة.

تبدأ الآن التدفقات الحطامية – النارية بالتطور. وهي تتألف من المواد المتساقطة التي تندفع بعيداً عن مكان وصولها الأرض.

 

وتكون حركتها غير عادية. وقد تبين من توزع الاكنمبريت الذي ترسبه بأنها تستطيع أن تندفع فوق تلال يصل ارتفاعها لأكثر من كيلومتر واحد، وتقطع مسافات تصل إلى 150 كيلومتراً.

وعلى الرغم من أنه لم تتم دراسة أي تتدفقات حطامية – نارية بمقياس كبير أثناء حصولها، فإن قدرتها على تسلق الجبال تلمح إلى أن سرعتها هي من مرتبة 100 متر في الثانية. وقد بلغت سرعة التدفقات الأصغر في المراحل المتأخرة من ثوران جبل سانت هيلين 30 متراً في الثانية.

لقد أصبح تفسير التحركية (mobility) الآن معروفاً بشكل جيد إلى حد ما. فالتدفقات تجري في حالة سيولة جزئية. بمعنى أن الغازات التي تستمر في الانطلاق من جسيمات الخفان الحارة تنضم إلى الغاز الجوي المقطور في جبهة التدفق وتجري نحو الأعلى بين الجسيمات حاملة معها الحبيبات الأكثر نعومة.

 

كما تعمل الحبيبات الناعمة كوسط ليِّن تتوزع فيه الحطاميات الأكبر حجماً. وتبعاً لذلك يغدو التدفق ذات كثافة منخفضة ولزوجة أقل مما يمكن أن يكون للتجمعات غير السائلة من الخفان والغبار. ويستعمل بكفاءة عالية الطاقة الحركية الناتجة من سقوطه العمودي من ارتفاع عدة كيلومترات.

يكوِّن الراسب الرئيسي للتدفق الحطامي – الناري الضخم عطاءٌ من الخفاف والجسيمات الأصغر حجماً بسماكة عدة أمتار ولمسافة 50 كيلومتراً من الفوهة البركانية.

وبالإضافة إلى ذلك، تشكل الجسيمات المقطورة بالتدفق، بشكل نموذجي، سحابةً ثانوية من الرماد ترتفع عدة كيلومترات بفعل تيارات الحمل.

 

إن التساقط التالي للجسيمات من السحابة يمكن أن يرسب طبقة رقيقة من الرماد على منطقة أكثر اتساعاً من تلك المغطاة باكنمبريت التدفق الحطامي – الناري نفسه.

وفي الحقيقة فإن الطبقة المسماة الرماد المرافق للاكنمبريت، يمكن أن تقدر بأكثر من ثلث الحجم الكلي للاكنمبريت.

لماذا تكون الثورانات البركانية التي تشكل كلديرات منبعثة ثورانات صهارة داسيتية وريوليتية حصراً؟ هناك عاملان متداخلان مسؤولان عن ذلك.

 

أولهما: أنه بسبب اللزوجة الأقل للصهير البازلتي تستطيع الغازات المنطلقة من محاليل الصهير البازلتي الانفلات بسهولة لذا لا يكون الثوران انفجارياً مدمراً كما يكون إنتاج الخفاف والرماد الناعم ممتنعاً.

وثانيهما: أنه بسبب ازدياد ندرة الرماد الناعم الناتج من الثوران البازلتي، يتضاءل نقل الحرارة من عمود الثوران إلى الجو، ومن ثم يصعب على ثوران الصهير البازلتي أن يولد تيارات الحمل في الجو وأن يصبح «عمود پليني».

 

إن «النوافير النارية» التي تشاهد على براكين جزر هاواي النشطة لهي خير مثال على ذلك. ففي النوافير النارية تنتشر حجوم كبيرة من اللابة مرتفعة في الهواء، لكن اللابة البازلتية تطفو على شكل كتل يبلغ قطرها متراً واحداً أو أكثر أحياناً من الصعب أن يثور أي رماد ناعم.

وحيث أن الكتل لا تنقل الحرارة بسهولة إلى الجو فليست هناك أية فرصة لتكون أعمدة حمل، وعوضاً عن ذلك يخلِّف الثوران البركاني لابةً مبعثرة على الأرض حول الفوهة. وبما أن اللابة تحتفظ بجميع حرارتها الأصلية تقريباً، فإن التدفقات الثانوية للابة أمر شائع .

ثمة أشياء عدة تحدث بعد الثوران. فعادة ما تمتلئ الكلديرة بالماء مكونة بحيرة ثم يصيب الحت جدران الكلديرة وتتجمع الرواسب في قاع البحيرة. ويبدأ انبعاث أرضية الكلديرة ولكن بسرعة أبطأ.

 

وبشكل عام فإن ارتفاع الأرضية (والاكنمبريت الذي يغطيها) على طول الكسر الحلقي ليس عملية رفع بسيطة كحركة المكبس.

فقد دل مسح الاكنمبريت في كلديرة سيرو كالان وغيرها أن الأرضية قد مالت بالنسبة لنفطة مركزية محددة تماماً بزاوية تزيد على 45 درجة وهذا يوجي بأن الانبعاث هو ظاهرة محلية.

ويبدو بأن الارتفاع يحصل فوق پلوتون (pluton) صغير اندس حديثاً داخل الپلوتون الذي سبب الثوران. وفي بعض الحالات. كما في يلوستون، يوجد مركزان منفصلان لانبعاثين في الكلديرة نفسها.

 

تأتي المشاهد الأخيرة في تطور الكلديرة بعد الانبعاث: مشاهد الاندفاع الهادئ نسبياً للابة الداسيتية أو الريوليتية من الفتحات المحيطة بالكسر الحلقي.

إن حجم المادة المتحررة يكون صغيراً بشكل نموذجي. غير أن الاندفاع الهادئ يستمر بصورة متقطعة لمدة طويلة بعد الثوران المدمر المشكل للكلديرة. ففي الوادي الطويل حصلت مشاهد متميزة قبل 500.000 و 300.000، 100.000 سنة.

ومن المناسب الاستنتاج بأن الأحداث البركانية المرافقة لتشكل الكلديرة يمكن أن تستمر بنشاط ضئيل يمتد إلى مليون سنة.

 

أما الينابيع الحارة والفوارات، الي تمثل مياها تم تسخينها بالحرارة الأرضية ووجدت طريقها إلى السطح، فيمكن أن تستمر زمناً أطول من ذلك.

إن المخاطر على حياة الإنسان، الناجمة عن الثوران المكون للكلديرة، لم يسبق تحليلها بشكل مفصل. إنها بالتأكيد صعبة المنال. ويتوقف الكثير منها على الحجم الكلي للثوران وعلى تناسب الرماد المتساقط.

إن أخطر عواقب الثوران على المدى القصير سينجم على الأغلب عن سقوط الرماد المصاحب للاكنمبريت الذي سيتم بطريقة تمليها الرياح السائدة وحجم توزع الجسيمات.

 

فالجسيمات التي يزيد قطرها كثيراً على 80 ميكرومتراً تبقى في الهواء لفترة عدة ساعات على الأكثر. أما الجسيمات الأصغر فتبقى معلقة لمدة أكبر.

ويكون للجسيمات التي يقل قطرها عن 10 ميكرومترات سرعة ترسب في الجو لا تزيد على السرعات النموذجية، لذا فإنها يمكن أن تبقى معلقة مدة تصل إلى 100 يوم، وبذلك يمكنها أن تقطع مسافات شاسعة.

وينزع الرماد المصاحب للاكنمبريت لأن يكون دقيقاً جدًّا وعليه فإنه سيتوزع على الأغلب على مساحات تقدر بعدة ملايين من الكيلومترات المربعة.

 

تعتبر الثورانات التي تشكل كلديرات منبعثة نادرة الوقوع، الأمر الذي قد يكون في النهاية مفيداً للإنسان.

فالكلديرة الواقعة فوق حجرة الصهير تدل على شذوذ حراري في القشرة يمكن أن يكشف عن نفسه على شكل ينابيع حارة لمليونين أو لثلاثة ملايين سنة بعد حدوث الثوران.

فبالإضافة إلى المنظر الأخاذ للنوافير الحارة، فإن المياه الساخنة والبخار هي مصادر كامنة ومفيدة للطاقة، شأنها في ذلك شأن الصخور الحارة الواقعة فوق حجرة الصهيرة نفسها .

 

من الواضح أن المصادر العميقة للحرارة التي أوجدت الكلديرات قادرة على دفع الجريان المائي – الحراري لمدة طويلة، وواضح أيضاً أن النشاط المائي الحراري يمكن أن يؤدي إلى تفاعلات كيميائية معقدة تسمح بترسيب التوضعات المعدنية.

وقد يمضي بعض الوقت قبل أن نفهم حقيقة ما يجري بالتفصيل. ونحن مدينون لهذه الكلديرات لما تزود به البشرية من طاقة حرارية ورواسب معدنية ثمينة، ولولا ذلك لبدت الكلديرات المنبعثة وكأنها كوارث خالصة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق