الطب

ميكروب كوليرا “الطور”

1995 أمراض لها تاريخ

حسن فريد أبو غزالة

KFAS

ميكروب كوليرا الطور الطب

هذه الصورة كانت خاتمة المطاف لميكروب الكوليرا التقليدية التي لم نر لها وجهاً بعد ذلك التاريخ، وإنما الذي كشف القناع عن وجهه الكالح هو ميكروب كوليرا "الطور" وميكروب كوليرا "الطور"، هذا تسجل الأوساط الطبية تاريخ ولادته عام 1905 بمحجر جبل "الطور" الذي كان يحتجز فيه الحجاج المصريون العائدون من الأراضي المقدسة؛ لهذا سميت الكوليرا باسم "الطور" نسبة إليه!.

ففي القرية المعروفة باسم "الطور" والتي تقع عند جبل "الطور" في الجنوب الشرقي لشبه جزيرة سيناء، كان على الحجاج أن يقيموما هناك خمسة أيام متتالية، هي أيام الحضانة للكوليرا حيث يتم فحصهم ومعاينتهم ومراقبتهم، وخاصة فحص عينات برازهم.

فكان الأطباء يكتشفون ضمات مسالمة تشبه ضمات الكوليرا التقليدية وتختلف عنها كيماوياً ولكنها لا تختلف عنها شكلاً، وعلى هذا فلم يعهد منها الأذى أبداً لهذا كانت تعتبر في عرف الطب ميكروبات مسالمة لا تضر ولا تنفع،.

 

ولكن موسم عام 1905 شهد وفاة أحد الحجاج في محجر "الطور"، وكان من الطبيعي أن يتم تشريح جثته وتحليل محتويات أمعائه، فكان أن اكتشفوا هذه الضمات التي سموها كوليرا "الطور" والتي ربما كانت السبب في موته.

ولسبب أو لآخر فإن كوليرا "الطور" قد تخلت عن وداعتها، واكتسبت ضراوة تفوق أختها الكوليرا التقليدية لدرجة أن هزمتها وحلت محلها فيما بعد، واتخذت لنفسها صورة خاصة بها قد لا تكون ذات الصورة المأساوية لكلوليرا التقليدية.

ولكنها صورة عنيدة، فهي ميكروبات تزمن داخل جسم ضحيتها وتفضل الانتقال مع الطعام الملوث عن الانتقال مع الماء … إنها لا تصيب بإسهال شديد ولا تعذب ضحيتها بمغص وجفاف كما هي الكوليرا؛ لهذا وجدت لها فرصة للتوطن في كثير من البلاد.

 

لم يكن أحد يأبه يوماً بكوليرا "الطور" بالرغم من الوباء المحدود الذي ظهر في جزر "سيليبس" فيما بين 1940-1958.

غير أنها في عام 1960 مدت مخالبها إلى جزيرة "جاوه" و "سومطره" و "ساراواك" و مستعمرة "هونج كونج" و "ماكاو وكوانتونج" و "الفلبين".

ثم بدأت تتوالى قصص الإصابة بكوليرا "الطور" بعد أن اختتمت الكوليرا التقليدية قصتها مع الناس، ففي حقبة الستينات في هذا القرن وصلت إلى بلادنا بل وتوطنت فيها كما كانت الكوليرا التقليدية متوطنة في "الهند" ومقتصرة عليها.

 

بقي من الحديث فصل التطعيم ضد الكوليرا وهو الذي بدأه رجل إسباني اسمه "فران" Ferran في أواخر القرن التاسع عشر، حيث استعمل ميكروبات حية كان لها من المضاعفات ما دفع الحكومة الأسبانية إلى منعه في الحال، ثم تبعه بعد ذلك عالم روسي عام 1892 اسمه "هافكن" Haffkine فحضر تطعيماً آخر بديلاً للأول في الهند، يتركب من ميكروبات مروضة مستضعفة حية.

ثم جاء بعد هؤلاء عالم الماني يدعونه "كول" Koll عام 1896، فاختار ميكروبات ميتة لتحضير تطعيمه الذي نستعمله اليوم.  لقد كان الاعتقاد أن هذه التطعيمات تعطي مناعة لا تقل عن ستة أشهر.

غير أن الأبحاث الأخيرة اثبتت خطأ هذا الاعتقاد حيث لا يؤمن هذا التطعيم في إضفاء المناعة المطلوبة للوقاية، فأبطلوا استعماله على أمل استحداث تطعيم آخر يعطى بالفم يوفر مناعة قوية وطويلة.. فإلى أين تسير الكوليرا بالناس يا ترى ومتى تنتهي قصتها؟ .. الله أعلم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق