الرياضيات والهندسة

ميكانيك نيوتن (الميكانيك النيوتني)

2000 الرياضيات والشكل الأمثل

ستيفان هيلدبرانت و انتوني ترومبا

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الرياضيات والهندسة الهندسة

 

اقتصر حديثنا حتى الآن على شرح الأفكار الفلسفية والرياضياتية التي نشأ عنها مبدأ الفعل الأصغر، بيد أن هذا المبدأ، بالنص الذي اقترحه موﭘيرتوي، كان مصاغا بغموض على نحو يجعل من تطبيقه في المسائل الصعبة أمراً عسيراً للغاية. وعكف كل من أولر ولاكرانج على تطويره وتهذيبه بحيث أصبح أداة فعالة لا غنى عنها لعلم الفيزياء. وقد ظهر نص عام أنيق لهذا المبدأ في مؤلَّف لاكرانج الرائع الذي نشر تحت عنوان الميكانيك التحليلي Mecanique analytique عام 1788، وذلك قبل سنة واحدة من اندلاع الثورة الفرنسية.

هذه السلسة هي عادة سلسلة جبال "متعددة الأبعاد" ، أي إن أبعادها أكثر من ثلاثة . وعلى الرغم من أنه لا يمكن أن نتخيل وجود مناظر طبيعية أبعادها أكثر من ثلاثة ، فمن السهل في الرياضيات التعامل مع فضاءات عدد أبعادها 4 أو 10 أو 47 أو 1001، بل وقد يكون عدد أبعادها غير منتهٍ.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل هذه التطورات كانت تستند إلى الثورة التي حدثت في الفيزياء عندما ظهرت عام 1687 رسالة نيوتن بعنوان المبادئ الرياضياتية للفلسفة الطبيعية، Philosophiae Naturalis Principia Mathematica  التي تعتبر مطلع عهد جديد في تاريخ العلم. وهذه الرسالة هي واحدة من أعظم ما جاد به الفكر البشري تأثيراً، وعليها تأسست الفيزياء الحديثة، وهي أيضا أساس مكين يقوم عليه مبدأ الفعل الأصغر.

لكن أفكار نيوتن الثورية لم تلق قبولا سريعا في القارة الأوروبية خارج بريطانيا، وبخاصة في فرنسا التي كانت حينذاك مركز أوروبا الثقافي. فقد كانت القارة الأوروبية خلال القرن السابع عشر، وحتى قرابة عام 1730، واقعة تحت تأثير نظريات .R>ديكارت Descartes <الفيزيائية. بيد أنه منذ انتصار الفيزياء النيوتينية، دخلت هذه النظريات إلى حد ما في غياهب النسيان. وقد قاوم الديكارتيون  Cartesians، وهو الاسم الذي أطلق على أتباع ديكارت، الأفكار النيوتينية بكل ضراوة، إلى أن وافقت "الأكاديمية الفرنسية للعلوم" على حسم النزاع بالاحتكام إلى الحقائق وليس إلى الجدل النظري؛ لذا فقد أوفدت هذه الأكاديمية بعثتين، إحداهما إلى المنطقة القطبية الشمالية في السويد، والأخرى إلى خط الاستواء، وذلك للقيام بقياسات جيوديزية لتقرير إن كانت الأرض مسطحة في القطبين، كما تنبأ نيوتن انطلاقاً من نظريته في التثاقل  Gravitaton، أو في خط الاستواء كما كان يؤكد الديكارتيون.

وقد نفِّذت خطة البعثة التي أوفدت إلى الشمال في عامي 1736 و1737 بإشراف مورﭘيرتوي الذي كان نصيرا قديما لأفكار نيوتن، وقد أمكن، استنادا إلى القياسات الجيوديزية التي أُجريت في لاﭘلاند  Lappland، البرهان على أن الأرض كانت مسطحةً في القطبين وأن نيوتن كان على حق. وقد أيدت هذه النتيجة عام 1745 بعثة أخرى برئاسة لاكوندامين La condamine.

 

ولقد حظي موﭘيرتوي شهرة فورية إثر النجاح الباهر الذي تكللت به بعثته. وقد زاد من هذه الشهرة الفتاتان اللتان استقدمهما معه من جزيرة لابلاند إلى باريس، حيث تركتا انطباعاً بارزاً لدى الباريسيين.

    هذا، وقد ساعد ڤولتير، بقلمه السيال وذكائه المتوقد، على الدعاية لانتصار نيوتن الساحق. وقام بتهنئة موﭘيرتوي لنجاحه، في آن واحد، في تسطيح كلٍّ من الأرض والكاسينيين(1) Cassinis  معا.

     وهكذا تمّ تمهيد الطريق للفيزياء النيوتنية ولصياغتها الأنيقة بدلالة المبادئ التغيرية (الأمثلية)  variational (optimum) principles، وبات بالإمكان بدء عصر "الميكانيك التحليلي"، وهذا ما حدث في نهاية المطاف.

 

الجدل البِرِلْينيُّ حول مبدأِ مُوﭘيرْتوي

في عام 1740 أصبح >فريدريك الثاني< ملك بروسيا، وهي القسم الشرقي من ألمانيا، وكانت عاصمتها برلين. وقد أراد إحياء أكاديمية العلوم في برلين، فوجه الدعوة إلى ڤولتير ليقبل تولي رئاستها. ومع أن هذه الدعوة أسعدت ڤولتير، إلا أنه لم يلبِّها لأنه آثر البقاء قريبا من السيدة التي كان يحبها وهي المركيزة دوشاتوليه(2). لذا أسند فريدريك رئاسة الأكاديمية البروسية إلى موﭘيرتوي الذي ذاعت شهرته حينذاك كرئيس للبعثة التي أوفدت إلى منطقة القطب الشمالي. وقد قبل تولّي رئاسة الأكاديمية، لكنه لم يباشر مهام منصبه إلا عام 1746.

وفي عام 1741، حضر أولر إلى برلين قادما من سانت بطرسبركـ في روسيا ليشغل منصب رئيس لقسم الرياضيات والفيزياء في الأكاديمية. وقد تولى هذا المنصب حتى عام 1766 حين عاد إلى سانت بطرسبركـ عضواً في الأكاديمية الروسية الإمبراطورية للعلوم. ويعتبر أولر أب الرياضيات الروسية.

فلكيون باريسيون مشهورون ومدافعون أشداء عن وجهة النظر الديكارتية حول هيئة الأرض      (المترجمان)

  1. تلقت هذه المرأة الشهيرة علومها على أيدي بعض العلماء البارزين في عصرها، ومنهم S.J> كونيك< و  .A>كليرو<، وقد أعدت دو شاتولية بمساعدة الأخير الترجمة الفرنسية الأولى والوحيدة لرسالة نيوتن "principlia" ، التي أضاف إليها ڤولتير بعد وفاة دوشاتوليه عام 1749 مقدمة تاريخية قصيرة عنوانها :"حول فيزياء نيوتن Sur La Physique de newton.

 

كان أولر قد أثبت بدقة عام 1744 أنه يمكن استخدام مبدأ الفعل الأصغر لوصف حركة. مادية في حقل قوي محافظ، كحركة كوكب سيار حول الشمس. كما أنه عبّر عن إيمانه الراسخ بأننا نستطيع أن نجد قاعدة قيمة عظمى أو قيمة صغرى Maximum or Minimum Rule وراء كل ظاهرة طبيعية في كوننا. وقد ظهرت هذه النتيجة في ملحقٍ لكتابه بعنوان:

"أسلوب في إيجاد خطوط منحنية لها ذرا وقيعان"، وهو أول كتاب تدريسيٍّ في حسبان التغيرات وأحد أشهر الكتب في تاريخ الرياضيات. ومما لا ريب فيه أن أولر لم يكن يعلم شيئاً عن مبدأ موﭘيرتوي عندما كتب ذلك الملحق في كتابه عام 1743. وفضلا على ذلك، فإن المسائل التي عالجها أولر كانت أعقد بكثير من تلك التي طرحها موﭘيرتوي في بحثه الذي ظهر عام 1746.

وعندما نشر موﭘيرتوي عام 1746 بحثه حول مبدأ الفعل الأصغر، كان على علم تام بإنجاز أولر، وذلك لأنه شرحه بإيجاز في مقدمة بحثه. بيد أنه علق في حينه على ملحق أولر بقوله: "إن هذه الملاحظة… هي تطبيق جميل لمبدئي في حركة الكواكب"، وهكذا فإنه ادعى حق الأسبقية لنفسه.

كان رد فعل أولر على نسب موﭘيرتوي الأسبقية الكاملة إلى نفسه أن قال: إن مبدأه حول اقتصاد الطبيعة كان "تبصرا استدلاليا" Aposteriori  Insight ، في حين كان قانون موﭘيرتوي "إدراكا قبليًا Apriori للكون". وقد تعرض أولر لانتقاد شديد بسبب قوله هذا، الذي عزاه بعض المؤرخين إلى كرمه وإخلاصه لرئيس أكاديميته، في حين رأى فيه آخرون مثالا على ضعف أخلاقي يدعو إلى الرثاء. كذلك فهناك معلقون آخرون يشعرون بأن كلا هذين الحكمين ساذج جدا، وأن السبب الحقيقي في سلوك أولر هذا يكمن في موقفه الفلسفي.

    ومهما يكن من أمر، فقد كان تفكير موﭘيرتوي يعاني عدة عيوب، فأولاً، دعم مبدأه بعددٍ قليل فقط من الأمثلة، وثانيا، وهو الأسوأ، أن هذا المبدأ لم يكن صحيحا دوما.

لنأخذ أحد أمثلة موﭘيرتوي، ألا وهو انعكاس الضوء. إن قانون الفعل الأصغر هنا مكافئ للقاعدة التي تنص على أن الضوء يتنشر على طول أشعة Rays بحيث يكون الزمن اللازم للضوء كي يصل من المنبع إلى الراصد أقل من الزمن الذي يلزم للضوء كي يصل إلى الراصد وفق جميع الطرق الممكنة الأخرى (لقد سبق أن صيغت هذه القاعدة الأخيرة بانتشار الضوء من قبل فيرما Fermat عام 1662). وإذا سار الضوء في وسط متجانس ومتناح (متساوي الخصائص في جميع الاتجاهات) كالماء أو الهواء، اللذين لكل منهما كثافة ثابتة، فإن مبدأ القيمة الصغرى يرقى إلى القاعدة الأبسط التي تنص على أن مسار الضوء هو أقصر الوصلات الممكنة بين المنبع والراصد. وهي قاعدة معروفة تماما عند قدماء اليونانيين.

     لننظر في مرآة كروية في مثل هذا الوسط الكامل، وفي الشعاع الصادر عن الكرة M، كما هو مبين في الصفحة التالية. فطبقاً لمبدأ موﭘيرتوي، ينعكس الشعاع ويسير إلى نقطة P، خلف M. ومن السهل رؤية أن أي مسار آخر مؤلف من قطعتين مستقيمتين من M إلى المرآة ثم إلى P، هو أقصر من الشعاع الضوئي. وبالمقابل إذا عكسنا الضوء على مرآة محدبة، فإن مسار الضوء يكون أصغريا حقا. وهكذا، فإن تصرف الطبيعة باقتصاد أو بإسراف هو أمر لا يتعلق إلا بهيئة المرآة.

وبمناقشات من هذا القبيل، بين .C.H>دارسي< d’arcy في عامي 1749 و1752 أن مبدأ موﭘيرتوي لم يكن مصاغا على نحو واضح وأنه، فضلا على ذلك، يؤدي إلى تأكيدات غير صحيحة. وهكذا فقد حلَّ بالبناء اللاهوتي- الفلسفي المقام على مبدأ الاقتصاد الأعظم، خلل لا يمكن إصلاحه.

 

الضوء منعكسا عن سطح مقعر. وتبين القطعتان المستقيمتان الزرقاوان وصلة ممكنة للنقطة M بالنقطة P عن طريق المرآة، وهي أقصر من الشعاع الضوئي الحقيقي (المبين بقطع مستقيمة باللون الأسود الغامق).

وفي برلين، تعرض موﭘيرتوي للانتقاد من قبل عضو جديد في الأكاديمية، هو عالم الرياضيات السويسري S.J>كونيك < Konig، (1712-1757)  الذي وصل إلى برلين عام 1750. وادعى أن لايبنتز سبق واكتشف مبدأ الفعل الأصغر عام 1707. وعقب ذلك، دار جدل شديد حول صحة الوثائق التي تدعو دعواه. وقد تمخض النقاش عن إعلان الأكاديمية في 13/4/1752 أن نسخة رسالة لايبنتز الحاسمة التي أحضرها كونيك معه كانت مزيفة. ورد كونيك على هذا الإعلان باستقالته من عضوية الأكاديمية، كما نشب نزاع حاد بين كونيك من جهة، وموﭘيرتوي وأولر من جهة أخرى. وقد أقحم ڤولتير نفسه في هذا النزاع، وهاجم عام 1752 موﭘيرتوي في رسالة عنوانها "Diatribe of Doctor Akakia"(1). وإثر ذلك، انحاز الموسوعيون والطبقة المثقفة في باريس إلى ڤولتير في معركته ضد موﭘيرتوي، مما أدى إلى هزيمته. وحينها ترك بلاط الملك فريدريك عام 1753 بقصد الاستشفاء، بعد أن داهمه المرض، ولكنه كان يعود إلى برلين من وقت لآخر. وقد وافته المنية عام 1759 في مدينة بال ببيت صديقه .ll.J>برنولي<.

      وفي أيامنا هذه، لا معنى لجدل يدور حول هوية المكتشف الأول لمبدأ الفعل الأصغر، شأنه في ذلك شأن معظم النزاعات من هذا القبيل. ويمكننا أن ننسب الفضل في هذا الاكتشاف إلى كل من أولر وموﭘيرتوي. ففي حين كان موﭘيرتوي هو قطعا الذي اقترحه كقانون شامل للفيزياء يتعين أن تنتج منه جميع القوانين الأخرى، فقد ابتكر أولر البنية الرياضياتية التي قامت مقام نموذج model لجميع المبادئ التغيرية variational principles التي برزت فيما بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق