التاريخ

موسوعة حياة الحيوان الكبرى لـ”كمال الدين الدميري”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

موسوعة حياة الحيوان الكبرى كمال الدين الدميري التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

أشهر مؤلَّفات الدَّميري وأبقاها… ألَّفه لجملة أسباب، منها رغبته في تصحيح معلومات خاطئة في علم الحيوان انتشرت -على عهده- بشكل مزعج بين العلماء المتخصصين!

ودوره في هذا لم يكن دور الخبير بقدر ما كان جمَّاعا للمعلومات من مصادر مختلفة متخصصة عن الحيوان وصياغتها على طريقة معينة.

ومن هذه المصادر: إنتاج علماء العرب في علم الحيوان وعلى رأسهم الجاحظ في كتابه (الحيوان). وابن البيطار في كتابه (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية)، ودواوين الشعر العربي، حيث اشتهر العرب بملاحظاتهم الدقيقة لصنوف الحيوان.

فرجل الصحراء كان ينعت الحيوانات ويكنِّيها بما يتفق وخصائصها وطبائعها مطلقاً أسماءها على أهله وعشيرته، فكانت معظم الأسماء العربية الصحيحة للقبائل والأفراد في الجاهلية مشتقة من أسماء الحيوان، والأمثال العربية التي تعزى كذلك إلى الحيوان لأنه خير وسيلة للوصف والتعبير، وذلك فضلاً عن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وقد جمع مادة كتابه من 560 كتاباً و 199 ديواناً من دواوين شعر العرب!.

 

وموسوعة (حياة الحيوان الكبرى) في جزئين: يتحدث الأول منها عن صنوف الحيوان بدءاً بالأسد لأن منزلته من عالمه، عالم الحيوان، منزلة الملك في بني البشر لمهابته وقوته وشجاعته وقسوته ونبله وشهامته، ثم ينتقل للحديث عن كرام البشر، متحدثاُ عن النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية، منتهيا بخلافة المستكفي بالله من بني العباس. ويعود فيتحدث مرة أخرى عن الحيوانات! وفي الجزء الثاني يستكمل الحروف الهجائية للحيوان منتهياً إلى حرف الياء.

والحق أن تلك الموسوعة، على ما يرى كل من حسين فرج زين الدين ورمسيس لطفي في كتابهما (دراسات في علم الحيوان وروَّاد التاريخ الطبيعي)، تعتبر أوفى كتاب عن الحيوان صُنِّف إلى زمنه، وأكمل سفر عن المملكة الحيوانية إلى عصره. جعله في نسختين كبرى وصغرى، وفرغ من مسودَّته في رجب من عام 773هـ (1372م).

حشد فيه أنواع الحيوانات بأسمائها وصفاتها وطبائعها وأخلاقها وبيئاتها مخضَّبة ومزينة بما ورد عنها في الأحاديث النبوية الشريفة التي استند فيها على أئمة الحديث الستة وغيرهم، وما دار عنها من فرائد الشعراء ومُلح الأدباء، وما رُوي عنها من قصص وحُكي من نوادر مما كان مقبولاً على أيامه.

 

وضمَّنه ما يتصل بالحيوان من الأمثال السائرة والأقوال المأثورة، فضلاً عن كثير من الأخبار والوقائع التاريخية عن الخلفاء الراشدين والأمويين وغيرهم، وتراجم نخبة من الشعراء والأدباء والعلماء، ونقل عن كثير من الفلاسفة، وجمع فيه كثيراً من علم النفس والطب الشعبي.

وقد فصَّل ما ورد عن الحيوان من أحكام الحلال والحرام والمنع والإباحة والجائز والمكروه إلى خواص الحيوان ضاره ونافعه وحشه واصيله، وذكر ما بين أنواع الحيوان من عداوة وصداقة، ثم يتنهي إلى ذكر الأمثال وتعبير رؤى الحيوان في كل حال من الأحوال. وقد حوى الكتاب ما يفوق التسعمائة من الحيوان تحدث عنها المؤلف حديثاً ضافياً.

وقد رتب الدَّميري موسوعته على حروف المعجم ليسهل على القارئ الوقوع على ما يريد، فجاءت أول موسوعة نوعية عن الحيوان، لم يسبقه إلى مثلها كثيرون ممن كتبوا عن الحيوان قبله من مثل أرسطو، وبلايني، والجاحظ، والقزويني، والبغدادي، ولا بعده لقرون عديدة، لأن هذا الطراز من الموسوعات النوعية إنما هو مما تتميز به الأمم التي استوفت قسطاً وافراً من الحضارة في العصور الحديثة.

وقد تُرجم كتاب الدَّميري هذا إلى معظم اللغات الأجنبية، واختصره كثيرون. وكان للكتاب ومختصراته شأن في جامعات أوروبا ومدارسها بل وفي العالم أجمع، وهو يعد فعلا من أهم المؤلَّفات العربية التي كُتبت في موضوعه في القرن الرابع عشر للميلاد.

ويلخص ياسين خليل أهم إسهامات كتاب (حياة الحيوان الكبرى) للدَّميري في كتابه (العلوم الطبيعية عند العرب) فيما يلي:

 

يمُدنا الكتاب بـ :

1- ثروة لغوية هائلة: فكثير من الأسماء التي وردت فيه للحيوانات يمكن استعمالها في كتب الحيوان الحديثة. ومن هذه الأسماء ما هو عربي خالص ومنها ما هو معرَّبٌ، استقصاها المؤلَّف من مصادر ثلاثة: كتب الحيوان، ومعاجم اللغة، وما اشتهر منها بين الناس.

2- معلومات ثرية عن الحيوان: من حيث شكله الخارجي، وبيئته، ومعيشته، وطبائعه، وتكاثره، وسلوكه، وصنوفه، ونسبه أو موقعه في الشجرة الحيوانية.

3- معلومات طبية: تتصل بالإفادة من الحيوان في الأدوية والعقاقير.

4- معلومات فقهية ودينية: عن بعض الحيوانات.

 

وقد برهن الدَّميري في كتابه على أن معظم الأمثال العربية مشتقة من أسماء الحيوان وصفاته.

وإذا كان القزويني أول من كشف ظاهرة التكافل أو المشاركة في عالم الحيوان مُستبقاً بها فيلسوف الألمان (جيته) التي تنسب خطأ إليه، فإن الدَّميري لم يُغفل تلك الظاهرة في كتابه بحديثٍ مستفيض.

هذا، ولعلماء الغرب على الكتاب اعتراض. يرى (جاكار) و (سوموجي) و (ليلكيرك) وغيرهم أن (حياة الحيوان الكبرى) للدَّميري محشوة بالخرافات التي يقبلها العقل العربي ويستسيغها!

والدِّفاع أنهم نسوا أو تناسوا أن كثيراً من الخرافات تظهر حتى في بعض الموسوعات الحديثة! غير أن الفرق بين هذه وموسوعة الدَّميري أن الأخير لم يُسلِّم بما ورد في كتابه في من خرافات، وإنما ذكرها لينتقدها ويقف موقف المتشكك في صحتها، فضلاً عن أن الموسوعة في كل زمن ما هي إلا انعكاس لما يسود ويشيع فيه.

ويزيد كلٍ من حسين فرج زين الدين ورمسيس لطفي، في كتابهما المشار إليه، الدفاع المتقدم عمقاً وتأثيراً… يقولان: (في أوروبا يعتقدون إلى وقتنا هذا ببعض الخرافات من مثل احتشاد الطيور الصغيرة على شاطئ البحر المتوسط متحينة فرصة مرور الطيور الكبيرة كالعنز والكواكبي في هجرتها فسرعان ما تعتلي ظهورها لتحملها إلى مشتاها في أفريقيا!.

 

وفي دائرة المعارف البريطانية هناك اعتقاد أن الطيور المهاجرة ترحل إلى القمر لتقضي فصل الشتاء، وتستغرق هذه الرحلة ستين يوما في الذهاب ومثلها إياباً لا تتناول في أثنائها غذاءً طالما هي تجتاز الأثير المتخلخل الذي يقلل من كثافة أجسامها. وأمثال هذه الخرافات والانحرافات قد لا تخلو منها موسوعة عصرية في غرب كانت أم في شرق!.

اعتراضٌ آخر: إن كتاب الدَّميري يعتبر من المصادر اللَّغوية أكثر من كونه في علم الحيوان. وهذا حق، والأحق منه أنه إذا كان عالمنا قد خلط في كتابه بين العلم والأدب مستطرداً إلى اللغة والفقه والأخبار والقصص والتاريخ، فتلك ظاهرة ليست قصراً عليه وحده وحكراً، وإنما كان هذا حال معظم علماء علم الحيوان في العصر الإسلامي.

لذا ظهر كثير منهم على رأس قائمة رواد علماء اللغة العربية من مثل الجاحظ والأصمعي. كما أن القصص التي تعمَّد ذكرها عن حيوانات معينة من مثل (هدهد سليمان) و (حوت موسى) و (فرس فرعون) و (براق محمد) و (العنقاء) وغيرها، إنما كانت للترويح عن القارئ من جهة وإثراء لمعلوماته من جهة أخرى، فضلاً عن كونها تعتبر في ذاتها عملاً رائعاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق