الطب

مسارات الألم ونظرية أرسطو

2013 أنت والسكري

نهيد علي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الطب

قال فيلسوف عصر النهضة رينيه ديكارت René Descartes، وهو صاحب القول المشهور "أنا أفكر إذن أنا موجود"، أن الألم يشبه المسار، فهو شعور فريد، فإذا استثينا الشعور بالإحساسات العامة مثل الضوء والرائحة واللمس، فإننا سنجد أن الألم لا يشبه أي شيء آخر

ويرى ديكارت أن هناك خيوطاً أو أليافاً عصبية تسير من الجلد إلى المواقع المتخصصة بالشعور بالألم في الدماغ، وقد ساهم المجاز الأدبي الذي استخدمه ديكارت في رسم صورة الحبل والجرس في الأذهان.

وقد تبدو هذه الصورة صحيحة للوهلة الأولى، إذ ينشأ الألم في منطقة ذات مساحة صغيرة ويتجمع في موقع آخر من الجسم، إلا أن الألم في واقع الأمر لا يسير ضمن مسار واحد، بل إنه يتبع مسارين رئيسيين، أولهما الجملة العصبية المركزية والتي تتكون من الدماغ والحبل الشوكي، وثانيهما الجملة العصبية المحيطية التي تضم جميع الأعصاب الأخرى

ويتفرع كل مسار من هذين المسارين إلى مسارت أخرى كثيرة العدد، وتمر بتقاطعات في ما بينها، وتشكل مسارات تأخذ أشكال العرى والانعطافات، ولعل ذلك ما يجعل البحوث الطبية في الألم من المجالات البالغة الصعوبة، والتي تحفل بالأسرار التي تنتظر من يميط اللثام عنها.

 

النظرية المكثفة

وقبل ديكارت بوقت طويل، كان لدى أرسطو نظريته عن الألم، فقد وصف الألم بأنه شعور مضخَّم لأي نمط من أنماط الإحساس، فهو إحساس مفرط يتعلق إلى حد كبير باللمس والحرارة، ثم وسع العلماء في القرن التاسع عشر نطاق هذه النظرية لتشمل جميع أنماط الإحساس.

وقد شبهت نظرية أرسطو الألم بالعدسة المكبرة، وهو تشبيه يتماشى مع طبيعة الألم واختلافه من شخص لآخر. فالعدسة المكبرة لا تقتصر على تكبير الأشياء بل إنها تشوهها، إذ تظهر من خلالها الأشياء التي تحتل موقعاً مركزياً أكبر من حجمها الحقيقي، وتلك التي تحتل موقعاً محيطياً أصغر من حجمها الحقيقي

وهكذا فإن لدى كل شخص عدسة داخلية مكبرة، ولكن لكل عدسة منها بؤرة تركز على موقع مختلف عن ما لدى غيره، ومن هنا فإن الشعور الذي يبدو خارج نطاق التحمل عند بعض الاشخاص قد يبدو سهل التحمل عند غيرهم، وهذا ما ينطبق على المشاعر الأخرى.

فإذا كنت تعاني من تقرح في القدم، فقد تتحمل المعاناة دون أن تأخذ أية معالجة دوائية مسكنة للألم، وبالمقابل فقد يواصل احد زملائك من السكريين تلقي المعالجة التي تتيح له أداء وظائفه على النحو الطبيعي، وقد يتغير السلوك إزاء هذا الأمر مع مرور الوقت، فقد يشعر المرء في وقت ما بأن بمقدوره أن يتحمل الألم طيلة عمره، إلا أنه في وقت آخر قد يضطره الألم ذاته إلى تغيير رأيه.

 

ولعل في ما ذكرناه تأكيد على حقيقة جوهرية مفادها أن للذهن دور حاسم في كيفية الإحساس بالألم، فقد يختلف الإحساس بنفس المعاناة الجسمية بين شخص وآخراختلافاً شاملاً، وبإدراج الدور الوطيد الذي يؤدي إليه التشابك بين الذهن والجسم، أصبح لدينا نطرية جديدة حول الألم، وهي نظرية تشير إلى إمكانية تحويل تركيز الذهن ودفعه لتجاهل الألم بمجمله.

وتأتي حقيقة أخرى تقول بأن حالتك العاطفية هي التي تحدد أثر الألم عليك، لتدعم هذه النظرية، فعندما نصف أحد الأشخاص بأن مزاجه جيد، فإننا نشير إلى أنه لا يشعر بالفعل بأي ألم، وأن هذا ما يجعل منه شخصاً سعيداً، وأن الألم لا يسبب له أي إزعاج، وبالمقابل فإن الشعور بالقلق بسبب المعاناة من الألم قد يغير من السمات النفسية للشخص إلى حد يجعله يشعر بأن عدم الارتياح البسيط يبدو له أمراً لا يستطيع تحمله، ولعل هذين السيناريوهين يوضحان بجلاء أن من الممكن تدبير الألم والسيطرة عليه وفق منهج ملائم نفسياً.

ولا تقتصر النظريات المتعلقة بالألم على النظريتين اللتين ذكرناهما، ولكن في تلك النظريتين ما يكفي لإلقاء الضوء على الألم، وحتى الوقت الحاضر، فإننا سنقتصر على النظريتين اللتين فصلنا القول حولهما، وسنناقش في الفقرات التالية العلاقة بين الألم والسكري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق