علم الفلك

مذنب هالي

2013 أطلس الكون

مور ، السير باتريك مور

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الفلك

مذنب هالي

من بين كل مذنبات السماء

ليس هناك كمذنب هالي.

بالعين المجردة نراه،

دوريا و بدون عناء.”

 لا أحد يعرف من الذي كتب هذا الزجل لكن مذنب هالي (المعروف سابقا باسم 1P/هالي) هو بالتأكيد نسيج وحده، وقد رأيناه في كل مرة عاد فيها منذ عام 240 ق.م بل إن أقدم ذكر له يوجد في مصادر صينية ترجع إلى 1059 ق.م. يلاحظ أن الفترة بين كل مرور بالحضيض و المرور الذي يليه ليست دائما 76 عاما فمذنب هالي كغيره من المذنبات يتأثر بشدة بقوى جاذبية الكواكب.

راقب إدموند هالي والذي أصبح لاحقا عضوا في الجمعية الفلكية الملكية عودة المذنب عام 1682، و قام بحساب مدار المذنب و لاحظ أنه مشابه بشكل لافت لمذنبات رؤيت سابقا في 1607

و1531 فتوقع بثقة عودته عام 1758، و في ليلة الميلاد تلك السنة رآه فلكي ألماني هاو هو باليتشك ثم عاد المذنب إلى الحضيض في مارس من عام 1759، وهذا الموعد كان يقع ضمن هامش الخطأ الذي وضعه هالي، و قد كانت هذه أول مرة يتوقع فيها أحد العلماء عودة مذنب ما فمعظم الفلكيين قبل ذلك كانوا يعتقدون أن المذنبات تمضي في خطوط مستقيمة.

مدار مذنب هالي يتخذ الشكل الإهليلجي بشدة، فهو يكون على بعد 88 مليون كيلومتر (55 مليون ميل) عندما يكون في أقرب موقع إلى الشمس ضمن مدار الزهرة، أما في الأوج فيكون على بعد 5250 مليون كيلومتر (3260 مليون ميل) وهي نقطة أبعد من مدار نبتون و حزام كويبر. كانت أشد مرات عودة مذنب هالي سطوعا هي عودته عام 837 عندما مر بالأرض على بعد 6 ملايين كيلومتر (3.75 مليون ميل)، وتخبرنا التقارير المعاصرة لهذا الحدث أن رأس المذنب كان ظاهرا آنذاك بحجم الزهرة و أن ذيله امتد عبر السماء بمقدار 90 درجة، وقد كانت هناك عودة ساطعة أخرى عام 1066 فقبل معركة هاستنجز سبب المذنب ذعرا كبيرا بين الساكسون كما تظهر مفروشات بايو المطرزة (Bayeux tapestry) الملك هارولد وهو يسقط على عرشه بينما ينظر رجال الحاشية في رعب، وفي عام 1301 رأى المذنب الفنان الفلورنسي جيتو دي بوندوني (Giotto di Bondone) والذي استخدمه كنموذج لنجم بيت لحم في لوحته “عبادة المجوس” (Adoration of the Magi) رغم أن مذنب هالي بالتأكيد لم يكن هو نجم بيت لحم لأنه عاد عام 12 قبل ميلاد المسيح. عندما عاد المذنب عام 1456 قام البابا كليستوس الثالث بلعنه معتبرا إياه عميلا للشيطان، وقد كان المذنب بارزا عند عودته عامي 1835 و 1910 أما عام 1986 فقد كان موقعه غير مناسب إذ لم يصل إلى قرب 39 مليون كيلومتر (24 مليون ميل( من الأرض و رغم إمكان رؤيته بالعين المجردة إلا أنه لم يكن مشهدا مثيرا بالمرة! لن تكون العودة القادمة عام 2061 بأفضل حالا وبالتالي فسيكون علينا الانتظار حتى 2137 لنرى ذاك المشهد الرائع مرة أخرى.

تدل قدرة مذنب هالي على السطوع على كونه قد أتى منذ وقت قريب نسبيا من سحابة أورت، وهو يفقد 250 مليون طن من كتلته عند كل مرور بالحضيض، و يفترض أن يبقى بصورة مقاربة لصورته الحالية لمدة 150000 عاما على الأقل.

تم تصوير المذنب لأول مرة عام 1910 و بعدها ظل خارج مدى الرؤية حتى عام 1982 عندما رآه د.جويت (D. Jewitt) و إ.دانيلسون (E. Danielson) في مرصد بالومار على بعد لا يزيد عن الموقع المتوقع ب6 دقائق من القوس، و قد كان يتحرك بين مداري أورانوس و نبتون، وعندما بدأ بالاقتراب من الحضيض أرسلت باتجاهه 6 مركبات فضائية، واحدة أمريكية و اثنتان يابانيتان واثنتان روسيتان وواحدة أوروبية، و قد اخترق المسبار الأوروبي جيوتو – نسبة للرسام – رأس المذنب وفي ليلة الرابع عشر من مارس 1986 مر على قرب 605 كيلومتر (370 ميل( من نواته، وظلت الكاميرا تعمل حتى 14 ثانية قبل اقترابها إلى أقل مسافة ممكنة إذ ارتطم بها جزيء بحجم حبة الأرز وانقطع الاتصال مؤقتا، بل إن الكاميرا لم تعمل بعدها أبدا و أخذت أقرب صورة للنواة من على بعد 1675 كيلومتر (حوالي 1000 ميل(.

وقد وجد العلماء أن النواة على شكل مقارب لحبة الفول السوداني، بمقاييس هي 15 X 8 X 8 كيلومتر )9 X 5 X 5 ميل(وبحجم يزيد على 500 كيلومتر مكعب (120 ميل مكعب) و كتلة تتراوح بين 50,000 مليون إلى 100,000 مليون طن (تحتاج إلى 60,000 مذنبا بهذه الكتلة لتساوي كتلة الأرض). ويظهر أن المكون الأساسي هو الثلج المائي معزولا بطبقة من المادة السوداء التي تتشقق عندما تسخنها الشمس فينكشف الثلج أسفله مسببا نوافير نفاثة من الغاز و الغبار.

قد كان نشاط النوافير النفاثة ملحوظا جدا أثناء مرور جيوتو رغم أن النوافير النفاثة كانت مقتصرة على منطقة صغيرة في الجانب المواجه للشمس، كما أن المنطقة المركزية بدت ملساء أكثر من الأطراف، وكانت هناك منطقة طولها 1.5 كيلومتر (ميل واحد)يظن الفلكيون أنها هضبة كما كانت هناك تضاريس تبدو كفوهات ذات قطر يبلغ كيلومترا (3280 قدم)، و قد كان المذنب يدور بفترة تبلغ 55 ساعة بالنسبة للمحور الطويل للنواة، و قد تكونت ذيول من النوعين و ظهرت عليها علامات ملحوظة حتى على فترات أقصر، و بنهاية أبريل كان المذنب قد بهت حتى لم يعد يرى بالعين المجردة لكنه سبب مفاجأة كبرى في فبراير 1991 عندما وجد المراقبون باستخدام المقراب الدانماركي العاكس ذي ال154 سم (60 إنش) في موقع المرصد الأوروبي الجنوبي في لاسيلا في تشيلي أن المذنب قد تضاعف توهجه عدة مرات. فكان قد حدث له نوع من الهيجان بالرغم من أن سبب هذه الزيادة في النشاط غير واضح.

وقد نجا جيوتو بعد مواجهة هالي ثم تم إرساله إلى مواجهة أخرى مع مذنب أصغر وأقل نشاطا بكثير هو 26P/جريج-سكيلرب في يوليو 1992، ورغم فقدان الكاميرا فقد حصل المسبار على كمّا كبيرا من المعلومات المهمة. للأسف لم يكن لدى جيوتو طاقة دافعة تكفي لرحلة أخرى يواجه فيها مذنبا ثالثا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق