الطب

مدى تأثير التمرينات العلاجية على العمود الفقري ودورها في تخفيف الألم

2008 آلام أسفل الظهر

سعاد محمد الثامر

إدارة الثقافة العلمية

مدى تأثير التمرينات العلاجية على العمود الفقري الطب

لا تقتصر أهمية التمرينات على تقوية العمود الفقري ومرونته وتنشيط الدورة الدموية وغيرها من الفوائد المعروفة فحسب، بل تمتد هذه الفوائد لتشمل كل تركيب من التراكيب التشريحية للعمود الفقري.

ويمكن توضيح أهمية التمرينات على النحو التالي:

 

تأثير التمرينات في القرص الغضروفي

فبالرغم من كون القرص الغضروفي تركيباً تشريحياً مرناً وقوياً يعمل على امتصاص الصدمات، فإنه في ظروف معينة يفقد قدرته على تحمل هذه الضغوط والصدمات، وذلك عندما يتعرض لقوى غير متوقعة ومفاجئة، مثل الإصابات وحوادث السقوط ورفع الأثقال غير المحتملة. 

وفي حال تعرضه لمثل هذه الحوادث والإصابات فإن عملية التئامه لا تكون بشكل تام.  وعدم الالتئام التام يعد أحد الأسباب الرئيسة لشيوع ألم أسفل الظهر المكترر من وقت لآخر. 

ومن الأمور التي تجعل هذه الحالة أكثر سوءاً هو عدم مقدرة المريض على ممارسة التمرينات العلاجية أثناء هذه الفترة بسبب الالم. 

 

وهذا ينعكس سلباً على تغذية القرص الغضروفي، إذ إن تغذيته تتم بالحركات التمرينية التي تعمل على انتفاخ القرص الغضروفي بالمحتوى المائي ومن ثم انكماشه للتخلص من الماء بطريقة تشبه عمل قطعة من الإسفنج ومقدرتها على سهولة الامتصاص والتخلص من السوائل. 

ولذا فإن عدم ممارسة أي نشاط حركي أو تمريني يؤدي إلى تجرد القرص الغضروفي المصاب من قدرته على اكتساب التغذية، مما يؤدي إلى انحلاله وضموره وعدم قيامه بعمله بصورة طبيعية.

 

ومن ناحية أخرى فإن مزاولة التمرينات الرياضية أو أي نشاط حركي يعد مطلباً مهماً للمحافظة على عملية تبادل السوائل في التراكيب التشريحية للعمود الفقري والعمل على الإقلال من التورمات المائية التي تحصل – كرد فعل طبيعي – في الأنسجة المحيطة بالقرص الغضروفي المصاب. 

فإذا لم يتم ارتشاح هذه السوائل والتخلص من التورمات الناتجة فإنها ستزيد من تهيج الأعصاب المتأثرة والمتهيجة سابقاً من عملية انفتاق القرص الغضروفي، وعليه تزداد الحالة سوءاً.

 

تأثير التمرينات في الأنسجة الضامة

من المعروف أن كلاً من العضلات والأربطة والأوتار تراكيب مهمة في المحافظة على اتزان العمود الفقري وقوته. 

ولكن في حال نقص النشاط الرياضي فإن الأنسجة الضامة كالأربطة والأوتار تبدأ تلتصق ببعضها وتفقد مرونتها وتكيفها لأي تغير طارئ أو إصابة وكذلك تفقد قدرتها المطاطية على استعادة حجمها أو شكلها أو حيويتها مما يجعلها أكثر قابلية للتمزق السريع عندما تتعرض لأي حمل زائد مفاجئ. 

ولكن نرى أن العضلات تتميز بقابليتها لاستعادة قدرتها على الشفاء، على النقيض من القرص الغضروفي والأنسجة الضامة الأخرى كالاربطة والأوتار، لأن العضلات تتمتع بالتروية الدموية الكافية لإتمام الشفاء.  ولكن من جانب آخر تسهم العضلات في حدوث ألم أسفل الظهر المزمن. 

 

ويرجع ذلك لعوامل أخرى، فمثلاً في حالة حدوث انفتاق القرص الغضروفي تكون العضلات معرضة لفقد قدرتها على الانقباض والحركة عندما يصاحب الانفتاق ضغط على الأعصاب التي تغذي هذه العضلات، وفقد قدرة العضلة على الانقباض يعتمد بالطبع على شدة الضغط الواقع على العصب.

ومن ناحية أخرى نرى أن العضلات تشترك في حدوث ألم أسفل الظهر المزمن بسبب ارتباطها المتواصل مع الجهاز العصبي المركزي، بمعنى أن أي انفعال كالغضب والقلق يمكنه أن يتسبب في شد العضلات وتوترها، وباستمرار حدوث هذا التوتر والشد تتعرض العضلات إلى حالة التقلص والقصر (Muscle spasm). 

وهذه الظاهرة من اليبوسة والتقلص تعوق قيام العضلات بوظيفتها الطبيعية.  وهذا بالتالي يؤدي على المدى البعيد إلى حدوث ضمور في حجم العضلات وغيرها من المشكلات التي تؤثر على الاتزان الوظيفي وتتسبب في حدوث ألم مزمن في العضلات.

 

دور التمرينات الرياضية في تخفيف الألم المزمن

متى يتحول ألم أسفل الظهر الحاد إلى ألم مزمن؟ من المعروف أن الألم الحاد يختلف في طبيعته عن الألم المزمن. 

فالألم الحاد هو عرض يعبر عن وجود إصابة أو مرض في أحد التراكيب التشريحية للعمود الفقري، كما أنه يحدث في الحال ويختفي تدريجاً نتيجة لعملية الالتئام والشفاء التي تحصل في الأنسجة المصابة. 

وشدة هذا النوع من الألم ترتبط ارتباطاً مباشراً بمدى الإصابة الحادثة، وهو ما يجعلنا نتصرف في الحال، بمعنى أن نتوقف تلقائياً – كردة فعل طبيعية – عن الاستمرار في العمل المتسبب لهذا الألم كنوع من الحماية والوقاية من التعرض لمزيد من الألم واشتداده. 

 

وعندما يكتمل الشفاء فإن الألم المصاحب يختفي تماماً.  ومن الأمثلة على ذلك ما يحدث في حال انفتاق القرص الغضروفي، إذ نرى أن الألم يتوقف عند زوال الضغط الواقع على العصب.  ولهذا السبب فإن العلاج الطبي للألم الحاد يركز على البحث عن مسببات الألم الأساسية وتطبيبها.

في حين أن الألم المزمن لا يعبر عما يثبت استمرار وجود إصابة أو مرض، كما لا يرتبط استمرار الألم وشدته بوجود مسببات حقيقة أو آنية حال الشعور الألم. 

إلا أن طبيعة هذا الألم تتضمن إرسال إشارات كهربائية منخفضة الشدة ومتواصلة من الجزء المتألم عبر الأعصاب الحسية إلى الجهاز العصبي، ويحدث ذلك باستمرار حتى بعد زوال المتسبب الأولي للإصابة أو التهيج مما يجعل هذا النمط من الإشارات الكهربائية ظاهرة معتادة لدى المريض للإحساس بالألم. 

 

وهذا التكيف الحاصل للجهاز العصبي اتجاه هذا النمط من الإشارات يساعد على خلق محيط مهيأ للشعور بالألم حتى بالنسبة للمؤثرات التي لم يَعْتَد المريض على الشعور بالألم تجاهها من قبل، تصبح بعد ذلك مصدراً لإثارة الألم. 

ويتطور الشعور بالألم حتى في المناطق المحيطة غير المصابة.  ويصبح الألم في هذه الحالة مرضاً في حد ذاته وليس عرضاً مرضياً أو مؤشراً لوجود مرض آخر.  واختلافاً عن الألم الحاد فإن الألم المزمن لا تصاحبه ردود فعل طبيعية كنوع من الحماية.

ويشير مصطلح الألم المزمن عادةً إلى وصف الألم الذي يمتد لأكثر من ثلاثة إلى ستة أشهر، أو الألم الذي يستمر بعد اكتمال عملية التئام الأنسجة المصابة وشفائها.  ويعد الألم المزمن أقل ارتباطاً مباشراً بالإصابات المعينة والمعروفة السبب. 

 

ومن أمثلة الألم المزمن: ألم أسفل الظهر المستمر وغير المحدد السبب بوضوح، فشل عملية الظهر الجراحية والتي ينتج عنها ألم مستمر حتى بعد اكتمال الشفاء التام لموضع العملية، وكذلك ألم أسفل الظهر الناتج من مرض الألم العضلي الليفي.

ونؤكد هنا أنه ليس بالضرورة أن يتحول كل ألم مستمر إلى ألم مزمن، وليس كل من يشكو نفس الحالة سينتهي به الأمر إلى الألم المزمن.  فظاهرة الألم المزمن لم يفهم سببها بعد، وكذلك لم يعرف سبب تعرض بعض الناس لهذا النوع من الألم.

فالألم شيء ذاتي غير موضوعي ولا يمكن إثباته، لذا يختلف التعبير عنه باختلاف الأشخاص وتجاربهم، إذ يعبر بعض الناس عن إصابات بسيطة بآلام لا تطاق، في حين يعبر البعض الآخر عن إصابات خطرة وشديدة بوجود آلام بسيطة.

 

كما تختلف نتائج فعالية العلاج – المتبع لتشخيص معين – من شخصٍ لآخر، بمعنى أن الدواء الذي يفيد مريضاً ويقضي على آلامه بشكل تام ربما لا يظهر أي تحسن في حالة مريض آخر يشكو من نفس المرض.

وهناك عوامل أخرى تؤثر في استمرار الألم وجعله ألماً مزمناً مثل: نقص اللياقة البدنية لعدم ممارسة التمرينات الرياضية، واعتقاد الشخص وطريقة تفكيره وثقافته في التعبير عن الألم، بالإضافة إلى حالة الشخص النفسية مثل الحزن والوهن والكآبة والقلق وغيرها من حالات الفتور والضعف في المشاعر العاطفية. 

وتلعب هنا الضغوط النفسية وبعض أنواع الأدوية دوراً في تفاقم الألم المزمن.

 

والعلاج الفعال في حالات الألم المزمن هو تشتيت هذه الدائرة من الإشارات الكهربائية في عمل الجهاز العصبي، ويأتي ذلك عن طريق ممارسة التمرينات الرياضية بطريقة مدروسة غير عنيفة ومنتظمة. 

كما ثبت علمياً أن التمرينات الرياضية تلعب دوراً مهماً في التخلص من الألم الحاد، إذ إنها تساعد في خلق حالة فسيولوجية جيدة تساعد على شفاء الأنسجة المصابة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق