أحداث تاريخية

مجريات أحداث معركة “صِفَّين”

2001 موسوعة الكويت العلمية الجزء الثاني عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

معركة صِفين أحداث تاريخية المخطوطات والكتب النادرة

صِفَّينُ مَعْرَكَةٌ قامَتْ بينَ الخَليفَةِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ومُعاوِيَةَ ابنِ أبي سُفْيانَ، الّذي كانَ والِيًا علَى الشَّامِ مُنْذُ عَهْدِ الخليفَةِ عُمَرَ بنِ الخَطابِ، ثُمَّ اتَّسَعَ نُفُوذُهُ وسُلْطانُهُ في عَهْدِ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ.

ولمَّا قُتِلَ عُثْمانُ وبُويِعَ عَلِيٌّ لِلْخِلافَةِ، أَرْسَلَ إلَى مُعاوِيَةَ الرُّسُلَ والكُتُبَ بِطَلَبِ مُبايَعَتِه، ولكنَّهُ رَفَضَ، بَلْ يُقالُ إِنَّه أَخَذَ البَيْعَةَ لِنَفْسِه مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ أَنْ أَقْنَعَهُم بِضَرورَةِ محارَبَةِ عَلِيٍّ لأنَّه تَخاذَلَ عن الدِّفاعِ عَنْ عُثْمانَ بنِ عَفّانَ.

ومِنْ هُنا تَوَتَّرَتْ العَلاقاتُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ واسْتَعَدَّ كُلٌّ مِنْهُما للقِتالِ. فَسارَ عَلِيٌّ، ومَعَهُ أَتْباعُهُ منَ المُهاجِرينَ والأَنْصارِ وأَغْلَبُهُم مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، إلَى «صِفَّينَ» علَى شاطِئِ الفُراتِ الغَرْبِيِّ في تِسْعينَ أَلْفَ مُقاتِلٍ. وكانَ ذَلِكَ في 25 من شَوَّالِ سَنَةَ 36 هِجريَّة.

 

وكانَ جَيْشُ مُعاوِيَةَ من أَهْلِ الشَّام، وعَدَدُهُ حَوالَيْ خَمْسٍ وثمانِينَ أَلْفِ مُقاتِلٍ، قَدْ سَبَقَه إلَى هناكَ حَيْثُ سُهولَةُ الأَرْضِ والقُرْبُ منْ نَهْرِ الفُراتِ.

ولَمْ يَسْتَطِعْ عَلِيٌّ أَنْ يَقْتَرِبَ مِن مَواطِنِ الماءِ، فَأَرْسَل إلَى مُعاوِيَةَ يدعوهُ إلَى تَخَلِّيهِ عَنْ جانِبِ الماءِ وأَنْ يَبْقَى النَّهْرُ حُرًّا للفَريقَيْن، فلَمْ يَقْبَلْ مُعاوِيَةُ.

ولَكِنَّ عَلِيًّا آثرَ السَّلامَ ودَعا إلَى الأُلْفَةِ في أَوَّلِ الأَمْرِ، ثُمَّ اضْطُرَّ لإجْلاءِ جُنْدِ مُعاوِيَةَ عن الماءِ بالقُوَّة، ثُمَّ سَمَحوا لَهُمْ بالشُّرْبِ بَعْدَ ذَلِكَ. 

 

اسْتَمَرَّتْ المُراسَلاتُ بَيْنَ الجانِبَيْنِ فَتْرَةً منَ الزَّمَنِ، واتَّفَقا أخيرًا علَآ المُوادَعَةِ إلَى آخرِ مُحَرَّمِ سَنَةَ 37 هجرية.

ولَكن كانَ صَعْبًا علَى مُعاوِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ مُلكًا شامِخًا ويَسْتَجيبَ لِدَعْوةِ عَلِيٍّ. وانْقَضَى مُحَرَّمٌ وبَدَأَ صَفَرُ، فَمَلَّ كِلاهُما هذهِ الحالَ، والْتَقَى الجَيْشانِ في مَعْرَكَةِ صِفَّينَ.

اسْتَمَرَّتْ المَعارِكُ عِدَّةَ أَيَّامٍ، واسْتَطاعَ عَلِيٌّ بِبُطولَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وحَماسَةِ أَتْباعِهِ، وعَلَى رَأْسِهِم «مَالِكٌ الأَشْتَرُ»، أَنْ يكوِّنَ مِن جَيْشِه قُوَّةً غَالِبَةً كَسَبَتْ لَهُ النَّصْرَ. ومِمَّا ضَمِنَ لِعَلِيٍّ النَّصـْرَ في هَذِهِ المَوْقِعَةِ إيمانُهُ العَظيمُ بالقَضاءِ والقَدَرِ وشَجاعَتُه.

 

فَلَمَّا أَحَسَّ مُعاوِيَةُ الهزيمَةَ طَلَبَ إلَى عَمْرو بنِ العَاصِ أَنْ يُخَلِّصَهُ من هذا المَأْزِقِ. فَفَكَّرَ عَمْرو في حِيلَةِ رَفْعِ المَصاحِفِ علَى أَسِنَّةِ الرِّماحِ وتَعْليقِها في أعْناقِ الخَيْلِ طالِبينَ تَحْكيمَ القُرْآنِ قائِلاً: «كتابُ اللهِ بَيْنَنا وبَيْنَكُم».

وقَدْ أَخَذَ أَصْحابُ عَلِيٍّ، وخاصَّةً القُرَّاءَ (الفُقَهاءَ) بِهذا الرَّأْيِ، ولَمْ يَسْتَمِعوا إلَى عَلِيٍّ عِنْدَما حاوَلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُم أَنَّها حِيلَةٌ وخَديعَةٌ، واضطرُّوه إلَى قَبولِ التَّحْكيمِ.

 

وعَلَى إِثْرِ هَذِهِ الخَديعَةِ انْقَسَم جَيْشُ عَلِيٍّ، وانْتَهَى الأَمْرُ بخروجِ بَعْضِ المُتحارِبينَ في صَفِّ عَلِيٍّ من القِتالِ احْتِجاجًا علَى وَقْفِ الحَرْبِ؛ وقَدْ عُرِفَ هَؤلاءِ باسْمِ «الخَوارِجِ».

وكانَ عَلَى رَأْسِ الّذينَ رَأَوْا ضَرورَةَ وَقْفِ القِتالِ وقَبولِ مَبْدَأِ التَّحْكيمِ «الأَشْعَثُ بنُ قَيْسِ»، الّذي كانَ والِيًا علَى أَذْرَبِيجانَ مُنْذُ أيَّامِ الخَليفَةِ عُثْمانَ بنِ عَفَّان، ولَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ الخِلافَةَ بايَعَهُ، وكانَ عَلَى رَأْسِ أَهْلِ الكُوفَةِ، وهُمْ غَالِبِيَّةُ أَنْصارِ عَلِيٍّ. لِذَلِكَ اضْطُرَّ إلَى النُّزولِ عَلَى رَأْيِ الأَشْعَثِ كارِهًا.

 

التَّحْكيمُ:

هَكَذَا تَوَقَّفَتْ الحَرْبُ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ واتَّجَهَ الأَمْرُ إلَى التَّحْكيمِ، واتَّفَقا علَى أَنْ يَخْتارَ كُلٌّ مِنْهُما مَنْدوبًا عَنْه في النِّزاعِ، لِلْحُكْمِ طِبْقًا لِكِتابِ اللهِ، ولِبَحْثِ أَسْبابِ الخِلافِ أَمَلاً في الوُصولِ إلَى حَلٍّ.

فاخْتار مُعاوِيَةُ وأَهْلُ الشَّام «عَمْرَو بنَ العاصِ»، واخْتَارَ أَهْلُ العِراقِ «أبا موسَى الأَشْعَرِيَّ».

وكانَ عَلِيٌّ لا يريدُ اخْتِيارَه فقالَ: «قَدْ عَصَيْتُموني أَوَّلَ الأَمْرِ فَلاَ تَعْصونِي الآنَ»، وبَيَّنَ لَهُم تَخَوُّفَهُ من أبي مُوسى، ولكِنَّهُم أَصَرُّوا علَى انْتخابِه.

 

انْعَقَدَتْ مَحْكَمَةُ التَّحْكيمِ في «دَوْمَةِ الجَنْدَلِ» الواقِعَةِ علَى الطَّريقِ بَيْنَ دِمَشْقَ والمَدينَةِ. وفي الاجْتِماعِ دارَ نِقاشٌ طَويلٌ، تَمَّ فيهِ اقْتِراحُ خَلْعِ كُلٍّ مِنْ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ وتَرْكِ الأَمْرِ شُورَى يَخْتارُ المُسْلِمونَ مَن يُريدون، علَى نَحْوِ ما حَدَثَ في اخْتيارِ أبي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ.

تَقَدَّمَ «أبو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ» لِلْكلامِ مِنْ قَبيلِ الاحْترامِ لِسِنِّهِ فَخَطَبَ قائلاً: «أيُّها النّاسُ إنَّا قَدْ نَظَرْنا في أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ نَرَ أَصْلَحَ لأَمْرِها ولَمِّ شَعَثِها مِنْ أَنْ نَخْلَع عَلِيًّا ومُعاوِيَةَ.

ثُمَّ أَقْبَلَ «عَمْرُو بنُ العاصِ»، وحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عَليْهِ وقالَ: «إنَّ هذا قَدْ قالَ ما سَمِعْتُم وأَنَا أَخْلَعُ صاحِبَهُ كَما خَلَعَهُ وأُثَبِّتُ صاحِبي معاوِيَةَ فإِنَّه وَليُّ عُثْمَانَ والمُطالِبُ بِدَمِه، وهُو أَحَقُّ النَّاسِ بمَقامِهِ».

 

وأخيرًا اخْتَلَفا واتَّجَهَ «أبو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ» إلَى مَكَّةَ ثُمَّ انْصَرَفَ أَهْلُ الشَّامِ وسَلَّموا علَى مُعاوِيَةَ بالخِلافَةِ.

أمَّا الخَليفَةُ عَلِيٌّ فَقَدْ رَفَضَ قَبولَ التَّحْكيمِ واعْتزال الخِلافَةِ. وبِذَلِكَ لَمْ يَحُلّ التَّحْكيمُ النِّزاعَ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ، لأنَّ الحَكَمَيْن اخْتَلَفا.

 

وفي الوَقْتِ الّذي اسْتفادَ فيه مُعاوِيَةُ من فِكْرَةِ التَّحْكيمِ، فإنَّه أَضَرَّ بِعَلِيٍّ ضررًا بليغًا، لأَنَّه مَزَّقَ أَتْباعَهُ شِيَعًا، وكانَ سَبَبًا في ظُهورِ «الخَوارِجِ»، وهذا مِما أَضْعَفَ مِنْ قُوَّةِ عَلِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، حِينَ أَراد السَّيْرَ لِقتالِ مُعاوِيَةَ، أَنْ يَجِدَ الأَنْصارَ الّذينَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهم.

واسْتَمَرَّ الوَضْعُ مُضْطرِبًا في البلادِ الإسْلامِيَّةِ حتَّى قُتِلَ عَلِيٌّ بنُ أبي طالب علَى يَدِ أَحَدِ الخَوارِجِ، وهُوَ «عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مُلْجم»، وذَلِكَ في 15 من رَمضانَ سَنَةَ 40 هِجْريَّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق