علم الفلك

ما وراء نبتون

2013 أطلس الكون

مور ، السير باتريك مور

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الفلك

ما وراء نبتون

عقب اكتشاف نبتون في عام 1846، كان الافتراض السائد أن النظام الشمسي الرئيسي قد إكتمل. فهناك ثمانية كواكب – من عطارد حتى نبتون – ولم يكن ثمة سبب يدعو لتوقع وجود آخر. أحد الفلكيين الذين لم يوافقوا على هذا كان بيرسيـفال لويل (Percival Lowell)، فلم تزل هناك تباينات غير متوقعة في حركة كل من أورانوس ونبتون، واعتقد لويل أن هذه ستمكنه من تتبع كوكب تاسع مثلما استطاع لو فيريير وأدامز تحديد موقع نبتون. تلك كانت مهمة شاقة، لأن التناقضات كانت غاية في الصغر، إلا أن لويل امتلك على الأقل مقرابه القوي، فشرع في البحث. ولم ينجح. وحينما مات في عام 1916 كان الكوكب التاسع لا يزال مفقودًا، ولما يزيد على عقد من الزمان بعدها لم تجر عمليات بحث من فلاغستاف (Flagstaff). في عام 1920، تم إجراء بحث مقتضب من جبل ويلسون، استنادًا إلى حسابات قام بها الفلكي الأمريكي و. هـ. بيكرينغ، لكن مرة أخرى جاءت النتائج سلبية.

أتى التقدم التالي من فلاغستاف، حيث كان ف. م. سليفر (V. M. Slipher) مديرًا لمرصد لويل. ففي عام 1929، قرر استئناف الصيد، وعهد بعملية البحث إلى كلايد تومباو  (Clyde Tombaugh)، الذي كان حينها هاو شابًا أصبح فيما بعد أحد العلماء الفلكيين الرائدين في أمريكا. ولم يطل أمد النجاح. فباستعمال أساليب فوتوغرافية، عثر تومباو على طريدته في يناير من 1930، مع أن الإعلان تأخر حتى 13 مارس 1930 – وذلك 149 عامًا بعد اكتشاف أورانوس و78 عامًا بعد مولد لويل. تم تسمية العالم الجديد بلوتو (Pluto)، نسبة إلى إله العالم السفلي.

لكن سرعان ما أصبح من البديهي أن الوضع لم يكن واضحًا تمامًا. فبلوتو لم يتوافق مع النظام السائد للأشياء، إذ كان له مدار مائل وغير مستقر، ففي شطر من فترة دوارنه المداري التي تبلغ 248 عام، كان أقرب إلى الداخل من نبتون، وكان في الحضيض الشمسي عام 1989، وبين عامي 1979 و1999 كان بعده عن الشمس أقل من بعد نبتون. بل إنه لم يكن كوكبًا عملاقًا. في البداية، ساد اعتقاد أنه بنفس حجم الأرض تقريبًا، لكن قياسات أفضل أظهرت أنه لم يكن كذلك. فنحن نعلم الآن أنه أصغر من قمرنا، وأصغر من العديد من أقمار الكواكب العملاقة.

في المقابل، بدا وكأنه الجسم الوحيد في ذلك الجزء النائي من النظام الشمسي، وأنه صنف ككوكب حقيقي. وفي عام 1977، تم العثور على قمر تابع، وأطلق عليه اسم تشارون (Charon) نسبة إلى صاحب القارب الذي يحمل الأرواح المغادرة عبر نهر ستايكس نحو أرض بلوتو. يبلغ قطر تشارون حوالي نصف قطر بلوتو، لذلك بدا أنه من الأفضل اعتبار هذه الزوجين كوكبًا مزدوجًا لا كوكبًا وقمره التابع. وبالرغم من أن مدار بلوتو يقطع مدار نبتون، إلا أنه ليس ثمة خطر للإصطدام لأن مدار بلوتو مائل بزاوية 17°، وفي رنين مقداره 3:2، أي أن نبتون يُتم ثلاث دورات حول الشمس في نفس الوقت الذي يستغرقه بلوتو ليُتم اثنتين.

كما توجد مذنبات صغيرة ومتعددة لها مدارات تأخذها نحو خارج النظام الشمسي – مثل هيدالغو 944، الذي تم التعرف عليه منذ عام 1920، وتبلغ فترته 14.5 سنة، وهو يسافر من حزام المذنبات الرئيسي حتى يصل إلى كوكب زحل، لكنه قزم لا يزيد عرضه عن 20 كيلومتر )12.4 ميل(. لم يكن أحد مستعدًا للجسم الذي تم اكتشافه عام 1977 من قبل تشارلز كوال (Charles Kowal)، والذي أطلق عليه اسم تشيرون (Chiron) نسبة إلى القنطور الحكيم في الأساطير الإغريقية (لا تخلط بينه وبين تشارون. من المؤسف تشابه هذين الاسمين). لتشيرون فترة مقدارها 50 سنة، وهو يقضي معظمها بين مداري كل من زحل وأورانوس. يبلغ قطره حوالي 150 كيلومتر (93 ميل)، وهو بمعايير الكويكبات كبير الحجم. في عام 1983، أظهر بريقًا غير متوقع، وبدا غير واضحا- فهل يكون بالفعل مذنبًا؟ لكن تشيرون أكبر من أي مذنب معروف، فربما تكون المواد الجليدية على سطحه تبدأ بالتسامي حينما ترتفع درجة الحرارة مع الاقتراب من الحضيض الشمسي. لكن تم إعطاء تشيرون جنسية ثنائية، فهو كويكب 2060 ومذنب 95P/Chiron. لقد تم العثور على ’قناطير‘ أخرى – مثل فولوس 5145، الأكبر حجمًا بقليل من تشيرون وله مسار يأخذه من داخل مدار زحل حتى ما وراء نبتون بكثير. وعلى العكس من تشيرون، فولوس شديد الإحمرار، ولا يبدي أي دليل على أي نشاط.

تغير الوضع بأسره في عام 1992 حينما اكتشف ديفيد جيويت(David Jewitt) وجين لوو (Jane Luu) جسمًا تم إعطاءه الترميز المؤقت 1992 QB1 ثم منح لاحقًا الرقم 15760. وقد ثبت أن قطره يبلغ 300 كيلومتر (200 ميل) تقريبًا، وله مدة مقدارها 290 سنة. لم يكن المدار بعيد الشبه بالدائري، لكنه على مسافة بعيدة، إذ متوسط مسافته عن الشمس 42 وحدة فلكية، أي حوالي 6300 مليون كيلومتر (3900 مليون ميل). وتوالت اكتشافات أخرى. مما يثير التعجب أن 15760 لم يطلق عليه أي اسم قط، أما الأجسام من نفس نوعه فقد أطلق عليها ’كيوبوانوس‘ (Cubewanos) – الذي أشتق من QB1anos.

تبين أن القناطير (Centaurs) والكيوبوانوسات (Cubewanos) كثيرة العدد، كما كانت هناك أجساما من القرص المبعثر (Scattered Disk) والأجسام المنفصلة (Detached Objects)، مثل سيدنا 90377 (90377 Sedna)، الذي يستغرق أكثر من 12,000 سنة ليدور حول الشمس، وهو يتراجع عند الأوج الشمسي إلى 975 وحدة فلكية. بعض الأجسام المكتشفة حديثًا كانت كبيرة الحجم، ثم جاء اكتشاف إيريس 136199 (136199 Eris)، الذي بلغ قطره 2400 كيلومتر (1490 ميل) ولذلك فهو ولو بشيء يسير أكبر بلا شك من بلوتو. أصبح واضحا أن بلوتو لا يعدو أن يكون إلا جسمًا وراء نبتوني عادي نسبيًا، وأطلق عليه الرقم الكويكبي: 134340

.

أدى كل هذا إلى جدال محتدم في المؤتمر العام للإتحاد الفلكي العالمي عام 2006. فقد كان هناك رفض واسع، أكثره عاطفي، لإنزال رتبة بلوتو من مرتبة كوكب – لكن إن كان بلوتو كوكبًا فكذلك يجب أن يكون إيريس، وكواوار 50000، وفارونا 20000 وغيرها كثير. وفي النهاية تم التوصل إلى تسوية: الأجسام الكبيرة الحجم بحيث تتخذ شكلاً دائريًا وهي تدور حول الشمس ستكون ’كواكب قزمة‘، أما الأخريات فستصنف على أنها ’أجسام صغيرة في النظام الشمسي‘. تم إدراج ثلاثة كواكب قزمة: إيريس، بلوتو، سيريس، وهي أكبر كويكبات الحزام الرئيسي. بالنسبة لي يبدو هذا غير منطقي. فعلى سبيل المثال، لم ينبغي أن يكون سيريس كوكبًا قزمًا وليس بالاس؟ فليس ثمة فارق كبير بين الإثنين.

(لقد كنت عضوًا في لجنة الاتحاد الفلكي العالمي لسنوات عدة، واضطررت إلى التقاعد عندما لم أكن في وضع يتيح لي حضور اجتماعاتها. إنني لكنت احتفظت بالكواكب الرئيسية التسعة وصنفت البقية – الكويكبات، القناطير، الكيوبوانوسات، وغيرها – على أنها ’كواكب صغيرة).

كصديق قديم لكلايد تومباو، أشعر بالحزن حول إعادة تصنيف بلوتو، لكن الحقائق لا يمكن إنكارها. بلوتو ليس كوكبًا حقيقيًا، إذ أنه لم يكن كذلك قط!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق