العلوم الإنسانية والإجتماعية

كيفية نجاح سياسة العلوم والتقانة في تطوير التصنيع في دول أمريكا اللاتينية

1998 تقرير1996 عن العلم في العالم

KFAS

نجاح سياسة العلوم والتقانة تطوير التصنيع في دول أمريكا اللاتينية العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

خلال عقد الثمانينات قامت جمهورية كوريا وسنغافورة وتايبيه الصينية، وهي ثلاثة بلدان أطلق عليها في الآونة الأخيرة اسم الدول المصنعة حديثًا، باتخاذ الإجراءات اللازمة لزيادة إنفاقها على البحث والتطوير (الشكل 3).

 

ولكن الوضع كان مختلفًا خلال الفترة نفسها في الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وفنزويلا، وهي تلك الدول في أمريكا اللاتينية التي تحظى بأعلى إنتاج علمي (انظر أيضًا الجدول 3).

وبصورة مماثلة، فمن الواضح أيضًا أنه نتيجة لسياسة تدريب الموارد البشرية على البحث والتطوير التي تتبعها البلدان المصنعة حديثًا، فإن هذه البلدان حوت بحلول عام 1990 عددًا من الباحثين لكل مليون نسمة يتجاوز بعدة مرات العدد المقابل في دول أمريكا اللاتينية الست (الشكل 4).

وهذه الفروق، التي هي مؤشرات إلى حجم الإنفاق والموارد البشرية المخصصة للبحث والتطوير في هاتين المجموعتين من الدول، لها جذور في الأدوار المختلفة المسندة في هذه الدول إلى البحث والتقانة في عملياتها التطويرية.

 

وفيما يتعلق بالإنتاج العلمي الذي يقاس بعدد المنشورات في المجلات ذات الانتشار العالمي، فإننا نجد مستويات مماثلة في مجموعتي الدول هاتين (الجدول 3).

 

 إلا أنه لدى التعبير عن هذه الأرقام بدلالة المجموعة الإجمالي للسكان، يبدو من الواضح أن القيم المقابلة لسنغافورة وتايبيه الصينية أعلى عدة مرات من أرقام البلدان الأخرى.

وإذا عدنا إلى مؤشرات التطور العلمي والاقتصادي الواردة في (الجدول 3)، فإننا نرى أنفسنا مدفوعين إلى التصور بأن زيادةً في الإنفاق على البحث والتطوير، وعددًا أكبر من العلماء، معادلان لنمو اقتصادي أعلى.

بيد أنه يجدر بنا ملاحظة أنه على الرغم من أن مرافق البنية التحتية للبحث والتطوير تشكل دعامة أساسية لرفع الإنتاجية في البلدان المصنعة حديثًا، فلا بد من أن نُدخل في اعتبارنا عوامل نجاح حاسمة أخرى.

ومن بين هذه العوامل النمو المتزايد لصادرات المواد المصنعة ذات القيمة العالية، وتبنّي برامج للاستقرار الاقتصادي تشمل فتح التجارة، وتخفيض قيمة العملة التي أرست الأسس الضرورية للتنافس، وتطور الطلب المحلي (Bustelo, 1992 ;Lipietz, 1985)، وتبنِّي نمط إنتاجي– تجاري بإمكانه الإفادة الواسعة من رأس المال البشري والتقانة استنادًا إلى نموذج للتبادلات الصناعية (Won Choi, 1993)، ونقل بعض الصناعات إلى دول أخرى، وهي الصناعات التي تنتج سلعًا ذات قوة تنافسية ضعيفة، وإنشاء صناعات جديدة تنتج في الوقت نفسه سلعًا مطلوبة ذات أسعار عالية.

 

وقد أُنجزت هذه الاستراتيجية الأخيرة بفضل الاستثمارات الأجنبية المباشرة للمشروعات المتعددة الجنسية.

إن نجاح استراتيجية التطوير المبنية على العلم والتقانة المتبناة من قبل البلدان المصنعة حديثًا، والذي برز بوضوح من خلال معدلات النمو العالية لناتجها المحلي الإجمالي في الفترتين 1965– 1980 و 1980– 1991، وكذلك من خلال الارتفاع الاستثنائي لدخل الفرد بين عامي 1982 و 1990 (الجدول 3)، مغاير للأثر الضعيف للعلم والتقانة في اقتصادات دول أمريكا اللاتينية في الفترة نفسها.

وقد يعزى الأثر الضعيف إلى المخصصات الهزيلة للبحث والتطوير داخل المشروعات، وندرة التعاون بين العلم والتقانة من جهة والقطاعات الصناعية من جهة أخرى (كما ذكرنا سابقًا).

وفي الحقيقة، وخلافًا لمعظم دول أمريكا اللاتينية، فإن البلدان المصنعة حديثًا وضعت سياستها في العلم والتقانة بناءً على معرفتها بدقة لحاجات السوق، وإدراكها للرابطة الوثيقة للعاملين في البحث والتطوير بعملية الابتكار والتحديث.

وقد كان أحد الأهداف الرئيسية لحكومات البلدان المصنعة حديثًا هو ابتداع نهج لتوظيف العلم والتقانة في تقوية الإنتاج الصناعي لتلبية حاجات الأسواق العالمية (Okarmura and Henry, 1993).

وثمة عامل آخر لنجاح تطبيق استراتيجية التطوير المدفوعة بالعلم والتقانة التي تبنتها البلدان المصنعة حديثًا، وهو الدور الذي تؤديه دولها في توفير الموارد المالية اللازمة للإنفاق على برامج البحوث، وبخاصة على ما يتعلق منها بالتقانات والعلوم الأساسية، وإسهام هذه الدول في تحديد أولويات مجالات البحوث، وتأسيسها لشبكات للتعاون العلمي والتقاني هدفها تعزيز عملية الابتكار والتحديث.

 

ويوضح الوضع في جمهورية كوريا الدور الحاسم الذي تقوم به الدولة التي تتبنى نموذجًا اقتصاديًا من شأنه تعزيز صادرات السلع المصنعة.

وفي هذا الصدد يذكر أوروزكو (1992) أنه "بدءاً من تأسيس وزارتي العلم والتقانة خلال عقد السبعينات، غدت السياسات في تلك المنطقة موجهة نحو تطوير الإنتاج والبلاد ككل، كما أن وزارة التربية كانت تدرك تماماً -وبكل وضوح- أن طريق نقل التقانة يؤدي إلى توليد تقانة تحوي في طياتها بذور نمائها الذاتي، وهي تستند إلى تدريب العلماء والمهندسين وطاقم الفنيين."

إن حكومات البلدان المصنعة حديثًا أسهمت إلى حد بعيد في إحداث أقسام البحث والتطوير في مؤسساتها، وذلك بتطبيق سياسات للحوافز تستند إلى الإعانات المالية، وعقد تحالفات استراتيجية مع الشركات المتعددة الجنسية في مجالات التقانة العالية، ودعم جهود تدريب القوى البشرية على البحث والتطوير.

كذلك فقد كان هناك استثمارات متزايدة في البحث والتطوير من قِبَلِ مشروعات خاصة – وهذا مغاير تمامًا للإسهامات الهزيلة التي قام بها القطاع الخاص في أمريكا اللاتينية في البحث والتطوير (Caradoza and Azuaje, 1992).

ويُمكن إظهار ما بلغته الإنتاجية والتنافسية لمشروعات الدول المصنعة حديثًا من خلال الاستيعاب السريع للتطورات التقنية وتطبيقها على منتجاتها وعملياتها الصناعية.

وثمة نتيجة أخرى يمكن استخلاصها من التجارب الناجحة للبلدان المصنعة حديثًا، وهي أن تبني نموذج للتطوير الصناعي مؤسس على العلم والتقانة لا يُمكن إنجازه إلا إذا كانت الدولة تملك مجموعة من المديرين الماهرين، وهم أشخاص يفهمون أهمية إمداد الصناعات بالطاقات اللازمة من عناصر البحث والتطوير، وملتزمون بتطبيق النموذج.

إضافة إلى ذلك، فإن العملية التي طبقتها البلدان المصنعة حديثًا تعلمنا أيضًا أنه بغية تصميم ووضع استراتيجيات التطوير الصناعي لبلدان المنطقة، فمن الضروري تحقيق مشاركة مركزة للقطاعات المختلفة المنخرطة في عملية الابتكار والتجديد.

 

ولم يتح للبلدان المصنعة حديثًا أن تتغلب على العوائق الداخلية والخارجية من التخلف، وأن تنجح في تعديل أنماط تجارتها الدولية إلا باستحداث بنية متسقة من هذا النوع.

ويرى أمابل وبوير (1991) أن من الضروري توافر سياسات من شأنها تشجيع إنشاء دوائر قوية وفعالة تعتمد على التقليد والتعلم والابتكار والمنافسة، وهذه الدوائر تحتاج بدورها إلى بيئة اقتصادية مستقرة لتوفير العاملين المهرة والمعلومات عن الأسواق والموارد المناسبة للتمويل، وبخاصة للشركات الصغيرة أو المتوسطة الحجم.

ويجب فهم سياسة التقانة كوسيلة للتأثير في العوامل الطويلة الأجل للنمو الاقتصادي. وهذا يتطلب انسجامًا بين هذه السياسة وجميع نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الخلاصة، يمكننا القول إن نجاح الاقتصادات الآسيوية يستند إلى الدعم الذي قدمه العلم والتقانة للتنويع والتحديث الصناعي وفتح الأسواق أمام السلع التي تتطلب تقانات عالية.

وكما أشرنا في بداية هذا الفصل، فإنه يمكن تقديم اعتبارات مماثلة إلى القطاعات الأخرى التي تستند إلى العلم والتقانة استنادًا مميزًا، مثل الصحة والزراعة والبيئة والطاقة.

ويتعين أيضًا التأكيد أن إسهام العلم والتقانة كان أمرًا ممكنًا بفضل الإيمان السائد في المجتمع بوجه عام بأهمية العلم والتقانة في التطوير، وكذلك بفضل انتهاج أساليب ذرائعية (براغماتية) من قِبَلِ الحكومات لدى تنفيذها عملية التكامل بين سياسة العلم والتقانة وسياسة التطوير الوطني.

 

ملاحظات ختامية

إن وضع العلم في أمريكا اللاتينية والموضوعات التي طرحناها في هذا الفصل تقودنا إلى أن نتبنى لمنطقتنا نموذجًا تنمويًا جديدًا يستند إلى العلم والتقانة.

ولا بد لهذا النموذج من أن يكون قادرًا على تعزيز الحقوق الاجتماعية للناس، وأن يساعد في التغلب على الركود الاقتصادي، وأن يحسن من وضع التجارة الدولية لبلدان أمريكا الجنوبية.

هذا وإن صياغة وتطبيق استراتيجيات التطوير والتنمية من قِبَلِ هذه البلدان يتطلبان مشاركة مركزة من الحكومات وقطاع العلم والتقانة وقطاع الإنتاج وقطاعات اجتماعية أخرى.

ويجب أن يوفر لهذه المهمة الأولوية المطلقة في خطط التنمية لبلدان أمريكا اللاتينية خلال السنين القادمة فيما نقترب بسرعة من الألف الثالث للميلاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق