التاريخ

كيفية تعليم جابر بن حيّان علومه لتلميذه عز الدين

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

تعليم جابر بن حيّان علومه لتلميذه عز الدين جابر بن حيّان التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

البركة في … عزٌّ الدين

صحَّ عزم جابر على الرحيل إلى بغداد، بعد أن أتم المنصور بناءها ونقل عاصمة الخلافة الهاشمية من (الأنبار) إليها . وكان العلماء قد توافدوا عليها من كل فج . فأغلق باب بيته بالكوفة لينزل به كلما وفد إليها، وحمل نفسه  وأهله إلى بغداد .

وفي بغداد لم يشأ عالمنا أن يعلّم أولاده ، رغم إلحاح زوجته، أسرار علمه بالكيمياء ، لأنهم ليسوا مؤهلين بفطرتهم للعلم .

"فكيف نفتح رأس أحدهم ونصب فيه العلم صبَّا ، العلم – يا ذهب – مع من ليسوا أهلاً له كماء يُسكب في الرمال .

فدعيهم يكونون عطارين يوماً مثل جدهم ينشدون المال وينعمون براحة البال ، فالعلم – يا ذهب – دونه أهوال ! " .

 

وجاءه أول تلاميذه، يجلس إليه في المسجد الجامع في بغداد بعد أن حاول ذلك مراراً من قبل .

في هذه المرة بادره جابر : أنت مرة أخرى ؟ ألا تيأس ؟! ماذا فعلت بما أشرت به عليك يا عز الدين؟ فقال عزالدين : درست الطبيعيات، ولك أن تسألني فيهما ما شئت، وليوفقني الله ! .

اجلس جابر تلميذه الأول في معمله وبدأ الامتحان . أريد أن أهمس لك بسرِّ يا بُني وأحتاج إلى عونك فيه – هكذا قال جابر . فردَ عز الدين على الفور : إني لصونه أهل إن لم يكن فيه ما لا يرضى الله ثم الناس.

قال جابر : هذا سمُ أفعى في زجاجة يقتل لتوه ولا دواء له، احمله إلى رجل كبير المقام يريد أن يستريح من عدو له . فهبَّ عز الدين واقفاً وصائحاً : لا يا سيدي، لا أحمل ذلك لأحد، قال جابر بإلحاح : لا ترفع صوتك فينكشف السر .

 

قلت لك إنه عدو وإن قُتل استراح الكل وحُقنت  الدماء بين فريقين متحاربين . قال عز الدين : ذلك غدرٌ في الحرب يا سيدي، محرَّم في كل شرعٍ ودين، وهو مني مرفوضٌ حتى لو لم أعرف من الكيمياء حرفاً .

انفرجت أسارير جابر وعانق تلميذه وزفّ إليه البشرى، الآن نحجت في الامتحان .. سأورّثك علمي يا عز الدين .

وأخذ جابر على تلميذه أموراً هي من روائع التربية ، وعاهد التلميذ استاذه على وصاياه، فأعطاه جابر ما كان قد أتمه من كتبٍ ليقرأها غير مرة ثم إليه يعود .

 

منهج جابر

مضى زمنٌ أنجز فيه عز الدين ما كلَّفه به الاستاذ ثم عاد إليه، وكان عوداً حميداً . قال جابر : أما وقد علمت فحقُ لك من بعد العلم العمل . فجوهر الكيمياء يا عز الدين هو التجريب .

وتعلَّم عز الدين من جابر أن العالم حين تصديه لظاهره بالتفسير أو لمشكلة بالحل عليه أن يفرض فرضاً وأن يستنبط منه نتائج تترتَّب عليه ثم يذهب بما استنتج إلى الواقع ليختبره بالاستقراء ليتبيَّن مدى صدقه ، فإن صدق تحوَّل الفرض إلى مبدأ ينطبق على الحالات المماثلة تحت نفس الظروف.

" … وعليك يا بُنيِّ ، إن أردت أن تصير مُجرِّباً أن تحدَّد الغرض من التجربة . وأن تعي إرشاداتها وعياً كاملاً، وأن تتجنَّب في تجاربك ما هو مستحيل ، وأن يكون لديك الصبر والفراغ لمتابعتها.

وأن تتثبَّت في إصدار أحكامك حتى لا يُوصلك تسرعك إلى نتائج زائفة . واجعل معملك ، حين يكون لك ، في مكان معزول يُحيط به فراغ .

ولا تُعطِ علمك إلا من يطيقه ، فالعلم – يا بني- لا يحمله الإنسان إلا على قدر طاقته وإلا أعجزه ، كالإناء إن وضع فيه أكثر من سعته فاض ، ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه لا يُكلف نفساً إلا وسعها "

 

نطرياتٌ … سابقة لعصرها

أخذ جابر يشرح لعز الدين كل ما في معمله من أدوات وأجهزة ، ويُبيِّن له الوظائف والمهام الخاصة بكل منها . فعلَّمه طرق الوزن ، وكيفية تفاعل العناصر عند إجراء التجارب ،  وغيره مما لم تتعلَّمه أوروبا إلا بعد قرونٍ ستة ! .

وعلمَّه نظريته التي تقول : كل المواد القابلة للاحتراق، والمعادن القابلة للتأكسد، تتكون من أصول زئبقية وكبريتية وملحية. وهي نظرية الفلوجستون التي لم يعرفها العالم إلا بعد جابر بألف عام ! .

وعلمَّه نطرية الاتحاد الكيميائي : يحدث الاتحاد الكيميائي باتصال العناصر المتفاعلة بعضها مع بعض – وهو ما قال به دالتون بعد جابر بنحو ألف عام! .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق