البيولوجيا وعلوم الحياة

كيفية تطور الدراسات التشريحية لرؤية الجنين من داخل رحم الأم

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

تجدّدت الحماسة في القرنين السادس عشر والسابع عشر للدراسة التجريبية للطبيعة، مدفوعة بما يعرف بالثورة العلمية.

فبالإضافة إلى دراسة تأثيرات المادة المتحرّكة وتفحّص السماء بأدوات جديدة، اجتُذب الباحثون إلى احتمال "رؤية" داخل الكائن الحي.

وقد قاد ليوناردو دا فنشي (Leonardo da Vinci) الطريق، ولكن سراً لذا لم يكن لديه أتباع مباشرون، في ملاحظاته غير المنشورة للأجنّة والأعضاء التناسلية للأنثى. ووضع أول رسم مدهش على الإطلاق لجنين متكوّر في الرحم كما لو أنه ينام مرتاحاً وليس مستعداً ليوقظ للحياة خارج بيئته المريحة.

وفي سنة 1521، خصّص ليوناردو كرّاساً كاملاً لمثل هذه الرسوم. (انظر الشكل رقم 1) لكن بما أن دراساته وتفسيراته الرائعة ظلت حبيسة، فإنها لم تسهم بصورة مباشرة في توليد معرفة جديدة، ولا في نهج جديدة نحو علم الأجنّة.

ولم نتمكّن إلا في وقت متأخّر جداً من الإعجاب بجمال رسوم ليوناردو الجنينية والاندهاش بها.

 

غير أن التشريح الطبي أسهم على العموم. فعندما نزع المشرّح الإيطالي أندرياس فيساليوس (Andreas Vesalius) والرسامون في أوائل القرن السادس عشر الطبقات الخارجية للجسم الحي لكشف البنى التحتية والتوصّل إلى العلاقات الوظيفية داخلها، فإنهم حثّوا مشرّحين ورسّامين آخرين على النظر في الداخل.

لكن كيف يمكنهم النظر داخل أم لرؤية بدايات الحياة الجديدة؟ لم تكن البنى صغيرة فحسب، وإنما العيّنات نادرة نسبياً أيضاً. للجميع قلب على سبيل المثال، لكن النساء الحوامل وحدهن لديهن أجنّة. وكانت المجاهر متاحة للمساعدة في رؤية الداخل، ولكن ليس إلا عندما يوجد شيء لتفحّصه.

بما أن الكائنات الحيّة ليست شفّافة، فإن النظر فعلياً داخل جسم ما يتطلّب للأسف قتل الحياة التي يجري تفحّصها. ونتيجة لذلك، تتطلّب دراسة العمليات الداخلية للكائنات الحيّة افتراضات إبستيمولوجية بشأن ما يعدّ معرفة للحياة من العيّنات الميتة وافتراضات منهجية بشأن كيفية الحصول على المعرفة.

ربما يوفّر النظر داخل الأمهات لرؤية النسل المتطّور – وبخاصة للبشر – معلومات لكنه نادراً ما يكون ممكناً. وقد ترك ذلك النظرية بمثابة خيار لتصوّر كيف يمكن أن يعمل امتزاج سائلي الذكر والأنثى وتخثّرهما، في حين بذل آخرون جهوداً مضنية لتفسير ما يستطيعون أن يروا بالفعل. ومع ذلك سعى آخرون إلى طرق جديدة "للرؤية".

من هذه النهج تفحّص الحيوانات الأخرى والافتراض بأنها إذا كانت تبدو مثل البشر، فيجب على ما يفترض أن تتبع في الفترات المبكّرة من التطوّر الأنماط نفسها التي تحدث في البشر. وبما أن قتل الحيوانات الأخرى وتشريحها بدوا أكثر سهولة وتقبّلاً من العمل على البشر، فقد اعتُبر أن الدراسة التشريحية المقارنة توفّر نافذة ما على التجاويف داخل الأم البشرية. وبدأ الباحثون يكتسبون فهماً لأنماط التطوّر وعملياته.

وفّر رسم المتواليات التطوّرية في الحيوانات الأخرى نقطة انطلاق على الأقل. وقدّم "المسوخ" (أو العينات العجيبة الخلقة) والأجنة الميتة دلائل أيضاً، وإن يكن بالافتراض ثانية بأن المادة الميتة تحتفظ بشكل الكائن الحي، وإن ليس بوظيفته بطبيعة الحال.

 

إذا كان الأمر كذلك، فإن الجنين الميت المطرود من الأم أو الموجود داخل أم ميتة يقدّم دليلاً على ما تبدو عليه الأجنّة البشرية العادية. جمعت المتاحف، والمقتنيات الطبية، و"الخزائن" الخاصة كل الأجنة الجهيضة التي أمكنها العثور عليها، بما في ذلك تلك المأخوذة من أمهات توفين. وسحرت هذه العيّنات المحفوظة في جرار المشاهدين الحديثين، لكن لا بدّ أنها أحدثت أثراً أشدّ مما أحدثته في الماضي.

لا بد أن الانطباع عن الجنين البشري الميت المحفوظ بمرحلته التطوّرية المنقطعة كان مذهلاً ومثيراً للخوف قليلاً قبل مجيء الكاميرات، من دون ذكر المخططات الصوتية (Sonograms) والصور بالموجات فوق الصوتية (Ultrasounds) وغيرها من أدوات الرؤية الحديثة.

اليوم تستطيع الأمهات الحوامل اللواتي لديهن تأمين طبي جيد الحصول على صور، بل أفلام لأجنّتهن في مختلف المراحل التطوّرية المبكّرة. لكنهن ظللن قروناً لا يعرفن الكثير عن العملية الجارية في داخلهن إلى أن تظهر الدلائل بتحرّك الجنين – أو غثيان الصباح والتغيّرات المادية الأخرى مثل توقّف دورة الحيض.

كانت مقتنيات الأجنة الجهيضة المشوّهة في الغالب والطافية في جرار زجاجية تبدو رهيبة إلى حدٍّ ما ومنفصلة عن الحياة الحقيقية، مع أنها تحمل مرارة خاصة بسبب هشاشتها وفشلها، إذ تمثّل البداية والنهاية، الحياة والموت على حدّ سواء.

ربما يرسم الفنّانون ما يرون أو ربما يقدّمون تفاصيل لتفسير ما وراء المرئي بقدر ما تجنّح به خيالاتهم. وغالباً ما كشفت صور تشريح الأعضاء التناسلية الأنثوية عن خيال يفوق الانعكاس الدقيق للمرئي، لا سيما في القرون التي كان يحظر فيها التشريح، أو يقيّد، أو لم يكن ممارسة قياسية وبالتالي غير موجود لإطلاع الفنان المشرّح. في القرن الثامن عشر، انضمت المنحوتات والنماذج الشمعية إلى مخزون الصور ذات البعدين للجسم البشري.

 

وهكذا ما كان يتطلّب من فيساليوس عدداً من الصور المنفصلة لإظهار طبقات الجسم وهي تنزع، صار يمكن إيضاحه عن طريق النماذج التشريحية في عيّنة واحدة ثلاثية الأبعاد. على سبيل المثال، تضمّ النماذج الشمعية في متحف لا سبيكولا (La Specola) في فلورنسا عدداً من النماذج الجنينية وامرأة رائعة.

تبدو هذه المرأة العارية حقيقية جداً بشعر واقعي وعقد من اللؤلؤ. وعندما يبدأ المراقبون بنزع الطبقات الشمعية الخارجية من الجلد، ثم طبقات الأعضاء، وصولاً في النهاية إلى الجنين الصغير المخبّأ هناك، يمكنهم النظر في الداخل بطريقة لا تتيحها الدراسة التشريحية للأنسجة الهشّة.

بصرف النظر عن مقدار جمال النماذج وعلى الرغم من الاهتمام بالتفاصيل، فقد ظل في وسع الرسامين والمشرّحين تصوير ما يستطيعون أن يروه أو يتخيّلوه فقط. ومن حسن الحظ أن مجموعة الأجنّة وعيّنات الحوامل المتوفّيات المتاحة للتشريح ظلّت محدودة ولذلك وفّرت القليل جداً من المعلومات للرسّامين لتوثيق التطوّر مع الوقت.

 

بل إن المجموعات الكبيرة لا تقدّم إلا تصنيفاً "للقطات" شديدة الانفصال، بل إنها لا تقترب من "شريط سينمائي" فعلي للعملية التطوّرية بأكملها. ولا توجد مجموعات توثّق فترات التطوّر المبكّرة جداً، قبل أن يصبح ما يمكن تمييزه باعتباره شكلاً بشرياً مرئياً.

فكيف في النهاية يستطيع الناس جمع وعرض شيء لم يعرفوا أنه كان موجوداً؟ على الرغم من أفضل النوايا والاهتمام الشديد، لم يعرف الباحثون كيف ينظرون داخل الأنثى الحامل في تلك المراحل المبكّرة عندما لا يكون من الواضح أنها حامل، ولم يتمكّنوا من تتبّع عمليات التطوّر بمرور الوقت.

من دون معرفة الأجزاء المبكّرة من العملية التطوّرية، لم يكن لدى الباحثين ما يدعوهم لتجاوز تفسير أرسطو لبداية الحياة، أي اجتماع سائلين معاً وامتزاجهما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق