الكيمياء

كيفية اختراع “الديناميت” بواسطة العالم نوبل

2002 في رحاب الكيمياء

الدكتور نزار رباح الريس , الدكتورة فايزة محمد الخرافي

KFAS

العالم نوبل اختراع الديناميت الكيمياء

في البدء كانت النار التي اكتشفها الإنسان القديم وعبدها لسنين طوال ، وهي تنجم عن تفاعل الاحتراق الذي يعد مصدراً للطاقة الضوئية والحرارية ، ومفتاحاً للطاقة الكيميائية .

ويحدث الانفجار عادة عندما يحدث تفاعل ناشر للحرارة بسرعة أكبر من سرعة الصوت في المادة .  ومن الناحية الكيميائية فإن هذا التفاعل يشبه تفاعل الاحتراق ، وكل ما يحتاج إليه الفنيون في مجال المتفجرات هو السيطرة على مثل هذه التفاعلات وتسخيرها في الاتجاه المناسب لتحقيق الأهداف المطلوبة في مجال التعدين والهندسة والدفع وغيرها .

ويمكن الحصول بسهولة على خليط صلب قابل للاشتعال ، وذلك بمزج مواد كيميائية غنية بالأكسجين مثل نترات الصوديوم أو البوتاسيوم أو الأمونيوم مع وقود معين وذلك بنسب يتوازن معها الاكسجين مع الوقود . 

وعند إشعال مثل هذه الخلائط يحدث تفاعل ذاتي فائق السرعة لا يعتمد على الأكسجين الجوي .  ويمكن زيادة سرعة التفاعل بزيادة الضغط الذي يتم تحته التفاعل . 

 

وفي مثل هذه التفاعلات تتكون كمية كبيرة من الغازات التي تتجمع إلى أن تصبح سرعة التفاعل أكبر من سرعة الصوت في المادة الكيميائية ، وعند هذه النقطة يزداد الضغط بشكل هائل مما يؤدي إلى الانفجار .

وهناك نوعان من المتفجرات ، أولهما يعرف "بالمتفجرات الضعيفة ، أو شديدة الاحتراق التي تعتمد على التفاعل بين مادتين كيميائيتين أو أكثر (تفاعل بينجزييئي) ومن أمثلة هذا النوع "مسحوق البارود" أو "المسحوق الأسود" الذي استخدم لأغراض حربية منذ القرن الرابع عشر . 

وقد استخدم فيما بعد كمادة متفجرة في البحر في القرن السابع عشر .  وقد استخدم فيما بعد كمادة متفجرة في البحر في القرن السابع عشرة ، وبعدها انتقل إلى ألمانيا وبريطانيا .  وقد بقي مسحوق البارود المادة المتفجرة الوحيدة المهمة حتى العام 1846 ، حينما تم اكتشاف "المتفجرات العالية". 

 

ويعد اكتشاف النوع الثاني من المتفجرات ثورة تكنولوجيا بدأت باكتشاف العالم سوبريرو (Subrero) للنتروغليسرين عام 1846 .  واكتشاف العالم ويلبراند (Willbrand) لثلاثي نتروتولين عام 1863 .

والنتروغليسرين سائل زيت القوام يوجد بأشكال فيزيائية مختلفة ، ويحضر بتفاعل الغليسرين مع حمض الكبريت وحمض الآزوت المركزين . 

ويمكن تبخير هذه المادة أو تقطيرها أو تجميدها دون أن يحدث الانفجار .  لكي هذا الانفجار يمكن أن يحدث فجأة بإدخال كمية بسيطة من الطاقة التي يمكن أن تنجم عن صدمة خفيفة أو احتكاك بسيط أو تسخين مفاجئ .

 والسبب في ذلك أن جزيئة النتروغليسرين لها حد اقصى للطاقة الذاتية مرتبط بثباتها الكيميائي ، وإذا حدث ارتفاع في هذه الطاقة عن حد معين فإن هذا يؤدي إلى تحطيم ذاتي لجزيئات النتروغليسرين .  ومثل هذا التفاعل الضمنجزيئي يتم بسرعات تفوق سرعة الصوت مما يؤدي بالتالي إلى الانفجار . 

 

ويلاحظ أنه على الرغم من اختلاف طبيعة التفاعل في المتفجرات الضعيفة والقوية إلا أنهما يتقان في أن كليهما يعتمد على تحويل كمية بسيطة من المواد الصلبة إلى كميات هائلة من الغازات .

وقد بقي النتروغليسرين مادة خطرة يصعب التعامل معها إلى أن جاء ألفرد نوبل (Alfred Nobel) (1833-1896) الذي تميز بقدرته على الجمع بين الإبداع التقني والإحساس التجاري ، والذي أدرك أن النتروغليسرين وخلافاً لمسحوق البارود لا ينفجر عن طريق الإشتعال ، ولكن يحتاج إلى صدمة . 

لذا قام نوبل بابتكار فكرة "المفجر" وهي المادة عند إحراقها تنفجر مولدة كمية بسيطة من الغاز .  وبعدها تمكن نوبل من التغلب على مشكلة سيولة النتروغليسرين بامتصاصه على الدياتوم (نوع من الطحالب المتفجرة المحتوية على السليكا) ليتحول إلى منتج يعرف باسم "الديناميت".

ويعد هذا الديناميت الذي اخترعه نوبل واحداً من أهم اختراعات القرن التاسع عشر ، وهو أعظم الاكتشافات التي حدثت في مجال المتفجرات ، تلك التي بنيت على أساسها تقنيات التفجير الحديثة . 

 

ولقد تمكن نوبل بعد ذلك من صنع العديد من المتفجرات والتي سيطرت على هذا المجال معظم القرن العشرين .

وتعد سيرة حياة ألفرد نوبل مثالاً للنبوغ والتصميم ، فهو الثالث من بين أربعة أبناء ، وقد بدأ عمله مع والده في مجال المتفجرات وبالذات مجال النتروغليسرين الذي تسبب عام 1864 في قتل أحد أشقائه في انفجار حدث في أثناء إحدى التجارب ، مما اصاب الأب بحزن شديد ادى إلى وفاته . 

لكن ألفرد نوبل لم يفقد الثقة بنفسه وزاد تصميمه على العمل في هذا المجال رغم خطورته ورغم منع السلطات له من ممارسة تجاربه في مصنعها الخاصة . 

وقد عبر عن تصميمه هذا بقوله " لقد اكتشفت زيتا يستطيع أن ينسف العالم وسأبرهن للعالم أجمع أن زيتي هذا لا خطر منه البتة " .

 

ولقد حدث الكثير من المآسي بسبب استخدام النتروغليسرين وتصنيعه ، ففي صباح جميل من عام 1865 تحول مصنع نوبل إلى غبار بعد حدوث انفجار شديد فيه ، وبعدها بعدة اسابيع أراد عامل سكة حديد ان يقطع بفاسه كتلة من النتروغليسرين المتجمدة فوجدت ساقاه المبتورتين على بعد عشرات الأمتار من جسده . 

وفي شهر نيسان من العام الذي يليه إنفجر سبعون صندوقاً من النروغليسرين على حافة سفينة راسية في بناما فتهدم الميناء بكامله واصيب أكثر من ستين شخصاً بجروح ، وبعدها بأسبوعين حدث انفجار في مدينة فرانسيسكو أودى بحياة خمسة عشر شخصاً وتهدمت بيوت عديدة . 

وعلى الرغم من ذلك فقد تمكن نوبل من تطوير النتروغليسرين وتطويعه على شكل "ديناميت" وقام ببناء خمسة عشر مصنعاً لإنتاجه ، ينتج كل منها ما يزيد على ثلاثة آلاف طناً من الديناميت ، وأصبح بذلك " أغنى متشرد في أوروبا ".

 

وكان نوبل كاتباً وأديباً وفناناً مرهف الإحساس ، أراد أن يقول للعالم إن الديناميت ، هذا المتفجر الضعيف ، يمكن أن يشكل اداة ردع لأمراء الحرب الذين كان يكرههم وتأكيداً لموقفه الإنساني خصص جميع ثروته التي بلغت آنذاك تسعة ملايين دولار لتأسيس جائزة لأفضل داعية للسلام ثم أضاف إلى ذلك جوائز للنابغين في العلوم والآداب . 

وهكذا أصبحت جائزة نوبل بفروعها رمزاً للعبقرية ، واعترافاً بإنجازات من يفوزون بها ، وتقديراً لجهودهم وأعماله على أعلى المستويات العالمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق