التاريخ

كتاب “أصل الأنواع” لـداروين يلقى التأييد والمعارضة الشديدين

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

كتاب أصل الأنواع داروين التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

الضجة… الكبرى!!

كان كل شيء هادئاً، وبرودة الشتاء تلف العاصمة، ولكن هذا السكون – على ما يبدو- كان بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة…

أخيرا جمع داروين شجاعته وأصدر كتابه الشهير (أصل الأنواع) Origin of Species – وهو العنوان الذي اختاره ناشره الذكي – في 24 نوفمبر 1859.

وما إن صدر حتى نفد في يوم واحد! إن هذا الكتاب الذي قدَّمه داروين على استحياءٍ سرعان ما اعتُرٍف به كأحد الأعمال الكبرى التي تفتَّق عنها العقل البشري.

وربما لم يحدث أن لقى كتاب من الضجة العلمية والاجتماعية مثلما لقي هذا الكتاب، اللهم من كتب من مثل (مبادئ الهندسة) لإقليدس (والمبادئ) لنيوتن.

والكتاب كله (تعليلٌ مفصَّلٌ للتطور). والحق أنه ثار جدلٌ عنيفٌ حوله وحول فكرة التطور بمجرد نشره، ولِمَ لا؟! أليس هو الكتاب الذي أوحى بفكرة أن الإنسان قد انحدر من سلالة القرود؟!.

وهاج القوم وماجوا… وانقسموا على أنفسهم بين معارضٍ للكتاب ومؤيد وقابلٍ للنظرية ورافض.

 

ولنعرض أولاً لموقف المعارضين والرافضين…

كانوا من العلماء ورجال الدين. ففي عام 1860، أي بعد صدور الكتاب بعام، قُدِّم بحثان يهاجمان داروين في اجتماع الجمعية البريطانية لتقدم العلوم.

واعتلى أسقف أكسفورد، القس ويلبر فورس، المنصَّة وهاجم بسخرية يشوبها العنف كلاً من داروين ومؤيده هكسلي (شكل رقم 107) واستدار الأسقف نحو هكسلي وقال له هازئاً: (أرجوك أن تخبرني هل تدعي أن انتسابك للقردة كان من ناحية جدك لأمك أو جدك لأبيك؟!!).

وخيَّم الذهول على المستمعين، وبرقت عينا هكسلي، وهو يتحفز للرد قائلا: (إنني لو خيَّرت أن يكون جدي قرداً بائساً، أو رجلا كفضيلة الأسقف يستخدم جاهه وزلاقة لسانه في دس كلام سخيف من هذا القبيل في مناقشة علمية جادة، لاخترت القرد، ولا ريِّب!) وهنا أصغى المجتمعون لكل ما قاله هكسلي.

واستمرت المعركة حول أصل الأنواع ونظرية التطور خمسة وعشرين عاما لا يهدأ لها أوار ولا يقر لها قرار.

وظل هكسلي محافظاً دائماً على مكانه في مقدمة صفوف المدافعين عن مؤلِّف الكتاب وصاحب النظرية والمنتصرين له.

وكانت الصحف تنشر أنباء هذه المعركة تحت عناوين مثيرة من مثل (أنحن أبناء آدم حقاً أم أننا ورثة القرود؟!) وقد عبَّر مراسل إحدى المجلات السَّاخرة المشهورة في إنجلترا في ذلك الوقت عن رأيه في هذا الموضوع بقصيدة قصيرة أسماها أحد خبثاء ذلك العصر (الكلبوريلَّا الصغيرة)

 

وقد جاء فيها:

ألا من يخبرني من أنا         ويكشف عن منزلي في الوجود

أقردٌ أنا في ثياب البشر            أم إنسيٌ في ثياب القرود

وفي عام 1925 حوكم أحد معلمي العلوم الأمريكيين في ولاية تينيسي بتهمة تدريسه لنظرية التطور، وقد أدانه القضاء، ولكن المحكمة العليا ألغت القرار.

 

وأما عن موقف المؤيدين والقابلين…

فقد تُقبِّل الكتاب والنظرية بقبولٍ حسنٍ لدى بعض العلماء والرأي العام، إذ كان الطريق ممهداً نتيجة جهود لايل المتواصلة وشعبية كتاب تشيمبرز (الآثار).

وفضلاً عن هذا فقد كسب داروين إلى جانبه أكبر مجادلين علميين: هكسلي وهوكر.

أما لايل نفسه، وهو الحاذق الحذر، فقد اكتفى بمعاونة صديقه وتشجيعه على نشر آرائه واتخذ منه موقف المحايد لا مادحاً ولا قادحاً.

أما عالم النبات الأمريكي البارز، آساجراي، فقد انبرى ينتصر لداروين. ومن الجميل أن نذكر أن والاس قد عبَّر، بقلبه الكبير، عن نظرية داروين بالدارونية مصرِّحاً بأن الدور الذي لعبه في صياغتها لا يتعدى (أسبوعاً واحداً من حوالي عشرين عاماً)!.

وهذا معجبٌ آخر، هيويت واتسون، أحد علماء النبات المشهورين، يكتب إلى داروين مفتوناً ومشجعاً: (لا شك أن فكرتك الرئيسة سيُعترف بها كحقيقة من الحقائق العلمية.

 

إن فكرة الانتخاب الطبيعي تتميز بكل ما تتسم به المفاهيم العلمية العظيمة، فهي توضح ما كان غامضاً وتبسِّط ما كان معقداً وتستكمل ما كان ناقصاً. إنك لأعظم ثائر في التاريخ الطبيعي في عصرنا بل وفي كل العصور).

وقبل الجميع وبعدهم كان هكسلي، لم يهدأ له بال حتى جمع حججه وأسانيده، ونشرها عام 1863 في كتابٍ عنونه (موضع الإنسان في الطبيعة)، وهو بمثابة ملحقٌ متمم لكتاب داروين أصل الأنواع، وهو ملحق مليء بالتحفز والتحدي.

وهكذا ظل الكتاب والنظرية بعد وفاة صاحبهما بأربعين سنة، وحتى في عصرنا الحاضر، مثاراً للنقاش والجدل، ومحلاً للاتفاق والاختلاف. ولِمَ لا وقد أحدثا بالفعل انقلاباً في العلوم الأخرى.

إذ أصبحت فكرة التطور خطاً أساسياً في كل التفكير الإنساني في نهاية القرن التاسع عشر. وقد أدت إلى فزع رجال الدين الذين رأوا في داروين كافراً وملحداً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق