العلوم الإنسانية والإجتماعية

قضية “صلاحية إختبار بياجيه كأداة لتشخيص ما يكتسبه طفل الروضة من العمليات العقلية”

1995 مستويات النمو العقلي

الدكتور محمد مصيلحي الأنصاري

KFAS

قضية صلاحية إختبار بياجيه كأداة لتشخيص ما يكتسبه طفل الروضة من العمليات العقلية العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

قبل التعرض لاختبار "مستويات النمو العقلي المعرفي لدى أطفال الروضة في دولة الكويت " باعتباره الأداة الرئيسية التي أعدها الباحث مستهدفاً قياس ما استطاع طفل الروضة في دولة الكويت اكتسابه من عمليات عقلية معرفية.

سواء في المستوى الأول أو الثاني او الثالث من الروضة ، وسواء في عملية التصنيف والتسلسل أو العدد أو الفراغ أو الزمن.

وقبل التعرض لخطوات إعداد هذا الاختبار وتقنينه وتطبيقه على عينة البحث ، فإن الباحث يرى ضرورة التوقف ، في إيجاز ، عند بعض القضايا ذات الأهمية ، والمتصلة بإعداد هذا الاختبار واختيار بنوده واسلوب صياغتها وطريقة تصحيحها.

 

وذلك نظراً لأن هذه القضايا تعبر عن موضوعات جدلية تتصل بالإطار النظري من ناحية ، وتتصل بالجوانب الإجرائية في البحث من ناحية أخرى ، وهي بمثابة خلفية فلسفية كان على الباحث أن يحدد موقفه من كل منها قبل البدء في إعداد الاختبار وتطبيقه ، وتتمثل هذه القضايا في :

– ما مدى صلاحية اختبار معد في إطار مهام بياجيه كأداة لتشخيص ما يكتسبه الطفل من عمليات عقلية معرفية في فترة زمنية محددة ؟

– ما العلاقة بين اختبار معد في إطار مهام بياجيه وكل من اختبارات الذكاء والتحصيل الدراسي ، وهل يمكن اعتبار مثل هذا الاختبار بديلاً لاختبار الذكاء أو لاختبار التحصيل الدراسي أو بديلاً لهما معاً ؟

– ما المحك المناسب للتصحيح في اختبار معد في إطار بياجية ؟ هل هو الاستجابة (الحكم) حسبما تتطلبه بنود الاختبار أم الاستجابة مع الشرح (لفظياً) لأسباب اختيار هذه الاستجابة .

 

ونتناول فيما يلي كل من هذه القضايا الثلاث بشيء من الإيجاز :

أ- حول صلاحية إختبار بياجيه كأداة للتشخيص

تحتل مشكلة تشخيص مستويات النمو العقلي المعرفي مرتبة قريبة من القمة ، في أي قائمة من قوائم القضايا المتصلة بأعمال بياجيه (Miller, 76, p. 4050 ذلك لأن كل دراسات النمو ، ودراسات نمو المفاهيم على وجه الخصوص ، ومهما كانت أهداف المتغيرة ، تحتاج إلى عملية الشتخيص.

فالمراحل لا يمكن التعرف عليها والتتابع لا يمكن التحقق منه ، والتدريب لا يمكن تقويم آثاره، بدون تشخيص منهجي يحدد ماذا يستطيع وماذا لا يستطيع الطفل أداءه.

فما هي المشكلات والقضايا التي قد يواجهها باحث علم نفس النمو عندما يحاول تشخيص التطورات التي طرأت على النمو العقلي المعرفي للطفل ؟، إنها كثيرة ومتنوعة بالقطع ، وقد تعرض لها كثيرون ، منهم على سبيل المثال لا الحصر (Bortner & Zimiles, 1971) (Flavell & Wohwill, 1969) (Flavell, 1970, 1971, 1985) , , (Smedslund, 1969) (Birch, 1970) , (Miller, 1976), .

 

وقد يكون من الأفضل ، دون الدخول في تفاصيل هذه الدراسات ، التعرف على صعوبات عملية التشخيص من خلال مثال واقعي لهذه العملية .

يقع الاستدلال التحويلي Transitive Inference ضمن مكتسبات مرحلة العمليات المحسوسة في نظرية بياجيه ، وإحدى صيغ هذا الاستدلال كما عرضها بياجيه في العديد من كتبه ، تتمثل في هذا النمط التقليدي من العمليات العقلية . 

إذا كانت (أ) أكبر من (ب)، (ب) أكبر من (ج) فإنه من الصحيح القول بأن (أ) أكبر من (ج) دونما حاجة إلى قياس ، باحثو علم نفس النمو قد يطرحون سؤالين بهذا الخصوص أوب صدد أي اكتساب معرفي آخر ، أحد هذه الأسئلة خاص بالمفاهيم المكتسبة ، والآخر خاص بقياس هذا الاكتساب عند الأطفال.

سؤال المفاهيم يدور حول مكونات السلوك أو القدرة التي نسميها الاستدلال ، أو ماذا يحدث بالضبط داخل عقل الطفل عندما يجب علينا بأن (أ) أكبر من (ج) ؟ فإذا افترضنا أننا قبلنا وجهة نظر ما لتحديد خصائص وماهية الاستدلال عندئذ يظهر سؤال الاكتساب : كيف يمكن ان نحدد (أو نشخص) ما إذا كان طفل ما قد إكتسب أم لم يكتسب الاستلال ؟

 

ما هي الإجراءات وعمليات القياس التي ينبغي علينا استخدامها لنختبر هذه العلمية عند الطفل ؟ إن هذه الإجراءات أو عمليات القياس قد تقدر إمكانية استدلال الطفل ، بأكثر أو اقل مما يستطيع، التقدير بالزيادة يقود عملية التشخيص إلى أخطاء في اتجاه إيجابي زائف ، التقدير بالنقصان يقود عملية التشخيص في اتجاه سلبي زائف ، كيف يمكننا أن نجد طريقة للاختبارات التشخيصية التي تقلل من هذه الأخطاء بجانبها زيادة التقدير أو نقص التقدير ؟

لكي نجد مثل هذه الطريقة ينبغي علينا أن نعرف بوضوح ما الذي يسبب ظهور طفل بمظهر من يستطيع أداء عملية الاستدلال وهو فعلياً لا يستطيع ذلك ؟ وعكس ذلك صحيح (Flavell, 1985, PP. 73-75).

ولقد سبق أن حدد ببساطة برينارد هذه المشكلة بوضح عندما قال : "مشكلة أخطاء القياس هي ببساطة أن يكون هناك أكثر من طريقة لينجح الطفل أو يفشل في اختبار لمفهوم معين ، ولا نعرف كيف نميز بين هذه الأحداث فيما يتوافر لنا من بيانات من خلال تطبيق القياس (Brainerd, 1983), preface، ولنفترض (رغم أن افتراضنا هذا قد يكون فيه تجاوز للواقع ).

 

انه يتوافر لدينا اختبار صادق تماماً لقياس سلوك الاستدلال ، اختبار سوف تكون نتيجته دائما صحيحة عندما نتوصل من خلال تطبيقه في موقف اختباري صحيح ، إلى أن طفلاً ما لديه أو ليس لديه سلوك الاستدلال ، ولنفترض أن كل طفل نختبره سوف يقوم بأداء أحد الاحتمالين.

إما أداء استدلالي صحيح تماماً ، أو أداء ليس فيه أي استدلال على الإطلاق ، عندئذ سوف يكون لدينا نم يقدر من الأطفال على الاستدلال في مقابل من لا يقدر منهم ، وتصبح العملية واضحة ومنطقية ، لكن ما نجه في الواقع يكشف عن وجود نمط ثالث من الأطفال يكون اداؤه استدلالياً فقط في تلك المهام السهلة دون سواها.

ونمط رابع يظهر أداؤه الاستدلالي في المهام الصعبة فقط ونمط خامس يتكون من الأطفال بين من ، يظهر أداؤه الاستدلالي حيناً ويختفي حيناً آخر دونما انتظام ، إننا نجد وبشكل قاطع سلماً موسيقياً متكاملاً من أطفال الثالثة والرابعة والخامسة بين الطرفين ، الاستدلال واللا استدلال ، وليس الأمر مقتصراً على الاستدلال فقط ، لكننا نجد نفس الامر وبكل وضوح في كافة أنواع العمليات العقلية المعرفية سواء في إطار مهام بياجيه او خارج نظريته . 

 

ما الذي يمكن أن يستفيده الباحث من هذه النتائج غير المستقرة عند إجراء عملية التشخيص ؟، وهل يلزم أن يميز الباحث بين أنواع متعددة ومختلفة وكذلك درجات ومستويات متنوعة لعملية الاستدلال ولغيرها من العمليات العقلية المعرفية ؟

إن الباحث مطالب إذن بأن يحدد نظرياً نوعاً ما من العمليات العقلية المعرفية ، له نقطة بداية ذات درجة أو كمية معينة، يتبعها ما هو أكثر تقدماً ، ثم ما بعدها ، وهكذا حتى مستوى النضج الكامل في أي عملية عقلية معرفية يختارها . 

فإذا أضفنا إلى ذلك ، أنه رغم توصل الباحث إلى تحديد ما هو مطلوب تشخيصه بالنوع والدرجة ، فما زال هناك احتمال أن يفشل الطفل في فهم مهام الاختبار ، أو يفشل في الانتباه إلى المقدمات التي يمكن أن يستدل على أساسها ، أو ينسى اياً من التعليمات في اللحظة التي يفترض أن يتم فيها الاستدلال أو ان يستدعي استراتيجية لحل المعروض عليه غير استراتيجية الاستدلال المطلوب اداؤها عندئذ.

 

أو أن تحجب قدرة الطفل على الاستدلال لأسباب دافعية أو وجدانية أو لغوية او ثقافية ، أو أن يتوصل الطفل إلى الحل الصحيح عن طريق التخمين وليس عن طريق العملية العقلية المعرفية المطلوبة.

إذا أضفنا ذلك كله لتبين لنا بوضوح أن مسألة تشخيص أي من العمليات العقلية المعرفية هي مهمة مملوءة بالصعاب وكما صوره (Smedslund, 1969, P. 247) " العلاقة بين اي مجموعة من متغيرات السلوك وبين عملية عقلية هي علاقة غير أكيدة، وسيظل تشخيصها اسير حالة افتراضية "، ومع ذلك فالمسألة تستحق المحاولة ويمكن أن يقوم الباحث بتحسينها باستمرار كما يقول فلافل (Flavell, 1985, P. 276) .

والحقيقة ان مشكلات التشخيص – سواء عند بياجيه أو غيره – لا تقتصر على ما قد نواجهه من صعوبات عند تشخيص عملية عقلية معرفية معينة ، بل إن هذه المشكلات تمتد من تشخيص عملية معينة إلى تشخيص عمليات عقلية معرفية أخرى والعلاقة التي تربط بين هذه العمليات في مرحلة نمائية معينة ، إن أهداف التشخيص لعملية عقلية معرفية معينة تتمثل في :

– تحديد طبيعة العمليات العقلية المعرفية ولتكن (Y) مع تنظيم العمليات المتضمنة فيها .

– تحديد ماذا يوجد لدى طفل معين منها ، أو أين يقف هذا الطفل في مسار نموها .

 

إن الأداء الناجح للأهداف التشخيصية الثلاثة يُعد امراً مهماً وحاسماً لعدد من الأسباب :

1- اول هذه الأسباب أننا لا نستطيع تحديد العلاقة بين (Y) وغيرها من الاكتسابات العقلية المعرفية ، مثلاً Z,X بدون تشخيص صحيح .  وعلى سبيل المثال نحن نفترض (خطأ) وجود تتابع نهائي ثابت (X.Y.Z) وأن اكتساب X يجعل من الممكن حدوث النمو التالي Y وأن Y تؤدي إلى نفس الشيء بالنسبة لاكتساب Z

وهنا يمكن أن نلاحظ أن التشخيص غير الصحيح يمكن أن يؤدي بنا إلى ترتيب العلاقة بين العمليات العقلية المعرفية ترتيباً خاطئا ، وأن التشخيص الأدق يمكن أن يوفر لنا النظام أو الترتيب الحقيقي عملية الاكتساب.

وهذا ما أكده (Miller, 1976, P. 406) حيث أشار إلى أن علمية التشخيص إذا كانت أكثر حساسية وأكثر صدقاً في إجراءاتها يمكن أن تكشف عن عملية عقلية معرفية معينة قد تبزغ مبكراً في الطفولة عما سبق أن توقعنا ، وأن ترتيب نموها بين العمليات الأخرى قد يتأثر منطقياً طبقاً لمدى صحة ودقة ما تقوم به من تشخيص .

 

2- سبب آخر نواجهه عندما نفترض (قد يكون افتراضنا متجاوزاً الحقيقة أيضاً في هذه المرة) أن كلاً من العمليات العقلية المعرفية (X.Y.Z) تبزغ سويا آنية ومتلازمة أكثر منها متتابعة ومتعاقبة ، أو أنها تنتمي إلى مرحلة نمائية عامة واحدة ربما كأجزاء من بنية معرفية عامة ، مثلما افترض بياجيه ذلك بالنسبة لمرحلة العمليات المحسوسة ، وأن هذه العمليات (X.Y.Z) يحدث لها نمو وتطور من شكلها الأولي إلى شكلها الأكثر نضجاً بطريقة متزامنة . 

من السهل أن نرى أن نفس المشكلات التشخيصيه التي تنطبق على كل من المراحل والبني المعرفية تنطبق أيضاً على مفهوم التتابع ، وأن طرقاً أفضل في التشخيص يمكن أن نكشف من خلالها أن جداول تتابع النمو الذي نأخذ بها كانت خاطئة أو أن (X.Y.Z) تبزغ في أعمار مختلفة وانه من غير المنطقي أن نستمر في ادعاء أنها تنتمي إلى نفس المرحلة أو إلى نفس البنية المعرفية.

 

بل أن محاولات إعادة التشخيص المستمرة والقائمة على تحليل أعمق قد كشفت عن أن بعض العمليات العقلية المعرفية ، غير مرتبطة ببعضها كمفاهيم وأننا لا نستطيع القول بأنها تمثل جزءاً من بنية معرفية كلية لمرحلة نمائية معينة (Trabasso, 1975, 1977).

وهذا ما دفع بعض البياجيين الجدد لأن يراجعوا أفكارهم عن افتراضات التتابع، ومحتويات كل مرحلة نمائية معينة .(Shulman, etall, 1985, P. P 171-201), (Flavell, 1985, P.P. 280-281)

 

3- سبب ثالث واخير يتعلق بما يترتب على التشخيص من إجراءات التدخل التي تعقبه ، ذلك لأن بعض العاملين مع الأطفال قد يتساءلون عن سبب ظهور عملية عقلية معينة في وقت معين أو في حالة بدائية معينة.

وقد يندفعون في محاولتهم مساعدة الطفل على اكتسابهم مبكراً ، أو جعلها أكثر اكتمالاً مما هي عليه ، أو أن يقدموا للطفل عمليات أخرى تعد هذه العملية العقلية المعرفية مطلباً مسبقاً لها ، وهنا نكتشف مرة أخرى أن التشخيص الدقيق يمكن أن يساعد في توجيه مثل هذا التدخل وتحديد توقيته وطبيعته.

 

كما يمكن القول بأن التشخيص الجيد مع عمليات أخرى يساعد في تحديد الاستعدادات التعليمية وحسن استثمارها ، ولعل الرجوع إلى التراث الوفير من دراسات التدريب في بحوث علم نفس النمو وخاصة في إطار مهام بياجيه ، يوضح لنا كيف أن عدم الدقة في التشخيص ما قبل وما بعد التدخل يؤدي بنا إلى أخطاء متتالية حول دور مثل هذا التدخل بالنسبة لتطور العمليات العقلية المعرفية .

إن التشخيص عملية مركزية في قلب الدراسات النفسية عموماً، وفي الدراسات المتعلقة بالعمليات العقلية المعرفية خصوصاً ، إذ أننا لا بد وأن ننفذ إلى جوهر هذه العمليات وأن نحدد بدقة أين يقع الأطفال بالنسبة لها .

 

أن عمليات التحليل الجيدة للوظائف العقلية أمر صعب للغاية خصوصاً مع الأطفال ، ومع ذلك فإننا نتحقق يوماً بعد يوم أنه أمر لا مفر منه إذا أردنا أن نصل إلى تقدم حقيقي في فهم العمليات العقلية المعرفية.

وفي هذا الصدد يقول كلاهر : إن توافر نظريات واضحة حول المعرفة ، تعد مطلباً مسبقاً لاي نظرية عن تطور المعرفة أو انتقالها أو تحويلها ، لأن نظرية التطور تكون افضل ما تكون عندما توضح ماذا تتضمن عملية التطر ذاتها (Klahr, 1984, P. 104).

وإذا كان التشخيص بمثل هذه الأهمية بالنسبة للعمليات العقلية المعرفية ، فما هو موقف بياجيه من عملية التشخيص ، لقد حدد بياجيه المهام التي يمكن قبولها كمؤشرات ضرورية وكافية على اكتساب مفهوم معين كنتيجة لعملية عقلية معرفية معينة ، وهو يقول على سبيل المثال : " إن الأطفال يكتسبون مفهوم التصنيف عندما وعندما فقط يستطيعون النجاح في مهام تداخل الفئات.

 

وأن الأطفال يكتسبون مفهوم التسلسل عندما وعندما فقط يستطيعون النجاح في مهام التضمين  في ترتيب معين ، وأن الأطفال يتحررون من التمركز حول الذات أو أنهم يكتسبون مفهوم الجبال الثلاثة وهكذا ، (Siegler & Richards, 1983, P. 51) ورغم ان بياجيه قد اختبر العديد من المهام قبل أن يصل إلى هذه الاستنتاجات.

إلا أننا نجد ان كثيراً من الباحثين قد اعتمد على مجرد مهمة واحدة من بين مهام بياجيه – وربما بعد تعديلها – كمؤشر وحيد لإكساب الطفل المفهوم محل دراسته ، منطلقين في ذلك من القول بأن الفهم يمكن أن يقاس بالأداء في مهمة مفردة.

مما انعكس على تحديدهم للعمر الذي يصل فيه الطفل إلى اكتساب مفهوم معين ، ويكفي هنا الإشارة إلى ما انتهى إليه بياجيه من أن الأطفال لا ينجحون فيم هام الاحتفاظ بالعدد حتى عمر 6-7 سنوات.

 

في حين انتهى باحثون آخرون مثل (Gelman, 1972), (Bryant, 1974) (Bever, Mehler & Epstien, 1968) إلى القول بأن الأطفال ينجحون في مهام مماثلة لمهام بياجيه في العمر ما بين 2-3 سنوت.

وليس من السهل على الباحث ان يقرر أي طريق يختاره ، خاصة إذا وضعنا في الاختبار أن المهمة المقررة يمكن أن تكون الاحتفاظ بالعدد ، كما يمكن أن تكون القدرة على عد الأشياء ، أو المقارنة بين الأعداد ، أو فهم العلاقة بني الحساب والجبر وغيرها .

 

وقد يجد الباحث ضالته فيما انتهى إليه الجدل الذي دار طويلاً بين برين وبراون حول اختيار المهام وما يصاحبها من إجراءات تجريبية وما يترتب عليها من تحديد للأعمار ، وحيث عبر برين عن وجهة نظره "من الواضح أن الباحث عندما يريد أن يقرر عمراً عنده يصل الطفل إلى نمط معين من الاستجابة.

فإن العمر الوحيد الذي لا يكون تعسفياً ، هو العمر الابكر الذي يظهر فيه هذا النمط من الاستجابة لاول مرة ومن خلال مهمة واحدة وباستخدام ابسط الإجراءات التجريبية ، (Braine, 1959, P. 6) في حين يقول براون " كم يكون فجا القول باكتساب الطفل للمفهوم من الاستجابة الأولى ، لأن هذا المفهوم يكون هشاً وقابلاً للتغير في ضوء التغيرات التي تظهر إلى يعرض عليه من مهام تالية "(Brown, 1976, P. 77).

 

كيف يستطيع الباحث إذن ، أن يختار طريقه وسط هذه التناقضات ، محافظاً على الارتباط بالإطار النظري المنبثق من فكر وأعمال بياجيه ، ومراعياً الإمكانيات والإجراءات المطلوبة لإتمام هذا البحث ، إن الباحث يرى ذلك أن يمكن أن يتحقق من خلال :

– اختبار الطفل من خلال عدد من المهام وليس مهمة واحدة ، بحيث تتفق هذه المهام مع المجالات أو المستويات المختلفة للمفهوم أو العملية العقلية المعرفية المطلوب قياسها ، وذلك لنفس الأسباب التي دفعت السيكومترين لأخذ عينة من محتوى ضخم للاستدلال على الذكاء على سبيل المثال .

– تحديد مواصفات والتمثيلات والعمليات التي يستطيع الطفل القيام بها اثناء محاولته اداء العمل المطلوب منه في المهام المعروضة عليه .

– إحداث تكامل بين نتائج أدء الطفل في كل مهمة من المهام المختارة لقياس المفهوم بحيث يؤدي هذا التكامل إلى توصيف عام يحدد مدى معرفة الطفل بالمفهوم ، ورغم أن هذا التوصيف قد لا يصل إلى الاكتمال إلا أنه يمكن من خلاله أن يحدد معظم الملامح المهمة لاكتساب المفهوم في مختلف الأعمار محل الدراسة في هذا البحث .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق